روايات وقصص

جوزي رمي عربيتي في النيل

ياسين قفل اللاب توب بقوة، وبصلي وفي عينيه لمعة انتقام مرعبة: “بس هو ميعرفش إننا مش بس عايشين.. هو ميعرفش إن الفيديو ده، مع تقرير الطب الشرعي الصيدلي اللي معايا للبودرة اللي كان بيحطهالك، مع أصل ملكية الشركة، هيروحوا للنيابة العامة الساعة تمانية الصبح.. وقبل ما يدخل باب القاعة، هيكون البوكس مستنيه عند بوابة الشركة.”

بصيت ليداي اللي كانت بترتعش، وقبضت عليها بكل قوتي.

“لا يا ياسين..” قاطعتهم بصوت طالع من قاع جرحي، بصوا لي هما الاتنين باستغراب.

كملت وأنا ببص في عين ياسين: “الشرطة مش هتقبض عليه عند البوابة.. أنا عايزاه يدخل القاعة، وعايزاه يقعد على كرسي الرئاسة، وعايزاه يبتسم لنادين ويقول للحضور إن مراته وأخوها ماتوا.. وفي اللحظة اللي يرفع فيها القلم عشان يوقع على نقل الأملاك… هنفتح إحنا الباب.”

الليلة دي ما حدش فينا غمضله عين. قضينا الساعات الباقية لحد الفجر في بيت قديم بتاع عمي راشد أطراف الجيزة. ياسين كان قاعد قدام اللاب توب ينقل التسجيلات والملفات على فلاشات، وعمي راشد شغال يكتب في العريضة اللي هتتقدم للنيابة. وأنا؟ كنت واقفة قدام المراية، بقطع شعري اللي كان مبلول بمية النيل، وبغير هدومي لهدوم سودا كاملة.. كان لازم أدفن ليلى الضعيفة المخدوعة في النيل، وأرجع بليلى ثانية خالص.

الساعة جَت تمانية ونص الصبح.

قدام المبنى الزجاجي الضخم بتاع شركة “العطار للمقاولات”، كانت الشمس طالعة ساطعة، والناس داخلة وخارجة ولا كأن فيه مصيبة حصلت. نزلنا من العربية، أنا وياسين وعمي راشد، ومُحضر من النيابة ومعانا اثنين من ضباط المباحث بلبس مدني كان عمي راشد مخلص معاهم الإجراءات السريعة بناءً على بلاغ محاولة القتل والتحريات الفورية.

ياسين كان ماشي على رجليه وثباته يرعب. مفيش عكاز، مفيش كرسي متحرك.. ماشي كأنه ظابط داخل ينفذ حكم إعدام.

طلعنا في الأسانسير للدور الأخير.. الدور اللي فيه قاعة الاجتماعات الرئيسية.

أول ما قربنا من الباب الزجاجي الفاميه بتاع القاعة، سمعنا صوت كريم. صوته كان متأثر، نبرة حزن متصنعة ومظبوطة بالملي:

“طبعاً حضراتكم عارفين الفاجعة اللي ألمّت بيا إمبارح.. مراتي ليلى، الله يرحمها، وأخوها ياسين.. العربية وقعت بيهم في النيل، ومقدرتش أنقذهم رغم محاولاتي.. وبحكم التوكيل الشامل اللي ليلى سيباهولي، وبصفتي الشريك الناظر، لازم نستمر عشان الشركة ما تقعش..”

كانت نادين قاعدة جنبه على الترابيزة الرئيسية، لابسة أسود في أسود، وبتمسح دموعها بمنديل وبتطبطب على إيده، وحاطة إيدها الثانية على بطنها.

أعضاء مجلس الإدارة كانوا قاعدين ساكتين، مذهولين من السرعة اللي كريم جابهم بيها الصبح، وبيمضوا على كشف الحضور.

كريم مسك القلم الفاخر بتاعه، وفتح المجلد الأسبوعي عشان يوقع قرار نقل كل الأصول والأسهم باسمه وباسم “نادين العطار”.

رفع القلم.. وقبل ما السن يلمس الورقة بمليمتر واحد..

ياسين زق الباب برجله بكل قوته.

الصوت اتسمع في الدور كله. الباب الخشبي الثقيل خبط في الحيطة، والكل اتنفض من مكانه.

كريم اتجمد في مكانه، والقلم وقع من إيده على الورق. نادين صرخت ورجعت بكرسيها لورا وهي بتبص للباب.. وشها اتحول من اللون الأبيض للون الرمادي في ثانية واحدة.

دخل ياسين الأول.. بحدته، بطوله، وهو ماشي بثبات ومفيش على وشه أي تعبير. وبعده دخلت أنا وعمي راشد والضباط.

القاعة كلها سكتت تماماً.. سكوت يرعب. مفيش غير صوت أنفاس كريم ونادين المتسارعة.

كريم قام وقف ببطء، عينيه كانت تايها بين رجلين ياسين اللي بيمشي عليهم، وبين وشي أنا اللي مبلول بدموع الغضب. لسانه اتعقد، كان بيحاول ينطق اسمي بس الصوت مش طالع من زوره:

“لـ… ليلى…؟ يا… ياسين…؟!”

ياسين قرب من الترابيزة، حط الفلاشة والملفات قدام أعضاء مجلس الإدارة، وبص لكريم بثبات يهد جبال:

“الميتين أهو يا كريم… رجعوا عشان يسلموا عليك بنفسهم.”

نادين صرخت بصوت هيستيري: “ده عفاريت! إنتوا غرقتوا! أنا شوفت العربية وهي بتنزف في المية!”

قربت منها بخطوات بطيئة، ولما وصلت عندها، رفعت إيدي ونزلت على وشها بقلم طير المنديل من إيدها وصوته رن في القاعة كلها. نادين مسكت خدها وهي بتعيط من الصدمة والخوف.

بصيت لكريم اللي كان جسمه كله بيرتعش، ودمه هرب من وشّه، وبدأ يبص حواليه كأنه يدور على مخرج.

قلت له بصوت هادي أوي.. هدوء أبشع من أي صريخ:

“كوباية اللبن الدافية بتاعة كل ليلة يا كريم؟ السلك المعدني اللي ربطت بيه حزام الأمان؟ الهرمونات اللي كنت بتحطهالي عشان تقول عليا مجنونة؟”

كريم بلع ريقه بالعافية وبدأ يتراجع لورا ناحية الشباك الكبير: “ليلى.. إنتِ فاهمة غلط.. أنا.. أنا كنت بحاول أنقذك..”

الظابط خطى خطوة لقدام وطلع الكلبشات المعدنية:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى