روايات وقصص

جوزي رمي عربيتي في النيل

السر اللي خلاني أعرف إن جوزي كان بيحط حاجة في جسمي من غير ما أعرف لمدة تلات سنين كاملة.

وحاجة زي دي…

كان ممكن تفسر لي ليه صحتي اتغيرت فجأة، وليه كريم كان مصر إني أفضل آخد “الدواء” اللي هو بنفسه كان بيجيبهولي.

بس اللي ما كنتش أعرفه وقتها…

إن الحقيقة اللي هكشفها عن اللي كان بيحطهولي أخطر بكتير من مجرد خيانة.

وكأنه متأكد إن أنا وياسين اخويا مش هنخرج أحياء من النيل بس اللي حصل بعد كدا كان مفاجأة للجميع.

#انجي_الخطيب

شهقت بالراحة وأنا ماسكة في كم الجاكيت بتاعه، إيدي بتترعش والمية بتنقط من شعري على وشي. “دوا إيه يا ياسين؟ كريم كان بيديني سم؟ كان بيسممني بالبطيء؟!”

ياسين مسك إيدي الأتنين بقوة عشان يثبتني، وعينيه كان فيها كمية غضب وهدوء يخوفوا في نفس الوقت. “مش سم يا ليلى.. كريم كان بيحطلك هرمونات وبدائل كيميائية تمنع الحمل وتعملك مشاكل نفسية وعصبية، عشان تفضلي فاكرة إنك مريضة وتستسلمي، وتسلميه كل التوكيلات وإدارة الشركة بالكامل.. الكوباية اللي كان بيجيبهالك كل ليلة، كانت مخدر بيخلي عقلك غايب ومش دريانة هو بيخليكي تمضي على إيه.”

رجعت بوشي لورا وأنا حاسة إن الهوا بيتسحب من رقتي. نادين.. أختي من أبايا، اللي واقفة على الشط وحاطة إيدها على بطنها.. نادين كانت بتمثل عليا الحنية، وهي بتديه سر سريري وسر حياتي!

“المفاجأة مش هنا بس يا ليلى،” ياسين قالها بصوت وطي أوي، وبص ناحية الشط من بين الخرسانتين، “المفاجأة إنهم فاكرين إننا غرقنا خلاص، وكريم رايح بكرة الصبح للمحامي يقدم وثائق وفاتنا بالحادثة، ويستلم أوراق الشركة بناءً على التوكيل اللي مضيتي عليه وأنتِ غايبة عن الوعي الأسبوع اللي فات.. بس هو ميعرفش إن الخزنة الرئيسية بتاعة بابا، أنا نقلت كل أوراقها للبنك من ست شهور.. باسمك أنتِ.”

صرخت بصوت مكتوم وأنا بمسح المية من على عيني: “وليه ما قولتليش؟! ليه سبتني تلات سنين في العذاب ده ومفهمني إنك مشلول؟!”

ياسين مسك كتفي وألجم عيني بعينيه: “لو كنت قولتلك، كريم كان هيقتلك فوراً ويغير الخطة.. كان لازم يتأكد إني عاجز تماماً ومفيش أي خطر مني، عشان يتحرك بغباء ويرتكب الغلطة اللي توقعهم كلهم.. الحادثة اللي عملها دي، والمية اللي غرقنا فيها، هي أول خطوة في نهايته.”

سمعنا صوت سرينات عربيات الإسعاف والشرطة جاية من بعيد على الكوبري. كريم ونادين أكيد هما اللي طلبوا النجدة عشان يثبتوا إنها كانت حادثة سير أليمة، وإنهم حاولوا ينقذونا ومقدروش.

“هنعمل إيه دلوقتي؟” سألته وأنا جسمي كله بيتكتك من البرد والخيانة.

ياسين ابتسم ابتسامة باردة، ابتسامة أول مرة أشوفها على وشه من خمستاشر سنة.. ابتسامة واحد قعد يتفرج ويخطط لللحظة دي في الضلمة لمدة سنين. طلع تليفون صغير من جيب داخلي في الجاكيت مقفول بجراب مشمع، وفتحه.

“دلوقتي؟ هنسيبهم يحتفلوا.. هنسيب كريم يروح يبلغ الشرطة ويتقمص دور الزوج المكلوم اللي مراته وأخوها المريض ماتوا في النيل.. هنسيبه يروح يفتح بيت العيلة ويحط إيده في إيد نادين ويتجوزها رسمي ويعلنوا حملها.. لحد ما يوقف في اجتماع مجلس الإدارة بكرة عشان يعلن نفسه رئيس الشركة.. ساعتها بس، أنا وأنتِ هندخل.. وبدل ما يشوفوا أشباح، هيشوفوا القضا اللي هيحبسهم بقية حياتهم.”

مسكت إيده بقوة، ولأول مرة من يوم ما المية دخلت العربية، حسيت إن الخوف سابني.. وحل مكانه نار مابتنطفيش.

ياسين مسك إيدي وسحبني من بين الأعمودين الخرسان ببطء شديد وهو بيراقب المية. الليل كان نزل تماماً، وصوت سرينات عربيات الشرطة والإسعاف كان مالي المكان فوق الكوبري، بس الأضواء الزرقا والحمرا كانت بتعكس على وش المية في الضلمة زي الكوابيس.

كريم ونادين كانوا واقفين فوق مع الضباط، وشوفت كريم بيمثل النهتة والعيط، ماسك دماغه بإيديه وبيعرق، ونادين حاضناه وبتبص للمية بدموع مزيفة. كان مشهد درامي متقن، محسوب بالثانية.

“انزلي في المية تاني يا ليلى، هنسبح تحت شريط الشط لحد ما نوصل لغرزة الصيادين اللي تحت الكوبري التاني، فيه عربية مستنيانا هناك.” ياسين قالها بصوت وطي حاسم، ونزل في المية من غير ما يعمل أي صوت.

نزلت وراه، وجسمي كله كان بيتكتك، بس البرد ما كانش من المية.. البرد كان جوه قلبي. وصلنا للبر التاني بعد نص ساعة سباحة حذرة. خرجنا من المية واستخبينا ورا وكر صياد قديم. ياسين قرب من عربية صني سودا مركونة في الضلمة، ضرب على إزازها مرتين، الباب اتفتح وفجأة خرج منها راجل كبير في السن، أول ما شوفت وشو رجلي ما تشالتنيش.

عمي راشد.. المحامي القديم بتاع بابا، اللي كريم فهماني إنه مات من سنتين!

عمي راشد مسكني من كتفي ولفني بفوطة كبيرة وهو بيهدي فيا: “اتنفصي يا بنتي.. اتنفسي، كل حاجة هترجع لأصحابها الليلة دي.”

بصيت لياسين وأنا باخد نفسي بالعافية: “إنتوا متفقين من امتى؟ وعمي راشد عايش إزاي؟!”

ياسين عدل هدومه المبلولة وقال وهو بيفتح اللاب توب اللي كان في العربية: “عمي راشد ما ماتش، كريم هو اللي أجر ناس يضربوه وعمل شائعة موته عشان يطفشه من الشركة ويجيب محامي من طرفه هو.. عمي راشد كان معايا خطوة بخطوة من يوم ما اكتشفت إن الهيدروليك بتاع عربية بابا وماما من خمستاشر سنة اتلعب فيه، وإن أبوه كان شريك في الجريمة.”

فتح ياسين شاشة اللاب توب، وظهرت عليها تسجيلات كاميرات مراقبة وصوتيات.

“بصي هنا يا ليلى..” ياسين شاور على الشاشة.

كان فيه فيديو متسجل من شقتنا.. من أوضة نومي! كريم وهو بيدوب البودرة في كوباية اللبن كل ليلة، ونادين واقفة جنبه وبتبتسم وهي بتقول له: “كده تمام، التحاليل الجاية هتطلع إن عندها ضمور في الأعصاب وتلف في خلايا المخ، وكده النيابة مش هتشك في أي توكيل تخرجهولك وهي مش في وعيها.”

دموعي نزلت، بس المرة دي ما كانتش دموع ضعف.. كانت دموع غل.

عمي راشد بصلي وقال: “الصبح الساعة تسعة، كريم داعي لاجتماع طارئ لمجلس إدارة الشركة بناءً على التوكيل العام اللي معاه، ومعاه شهادة وفاة مبدئية الصادرة من محضر الغرق اللي بيتعمل دلوقتي.. هيدخل الاجتماع عشان يعلن سحب كل أصول الشركة لحسابه الشخصي وحساب نادين.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى