
بعد أسبوع، كنت واقفة قدام نفس الشباك في بيتي الجديد. النور كان طالع، والشمس مالية الشارع. مسكت الموبايل، وفتحت الألبوم لأول مرة من غير خوف.. سحبت الصورة بتاعة الإعلان وحذفتها، وقفت قدام مرايتي، وبصيت لنفسي، وعرفت إن السر دفن خلاص.. وإن الخميس الجاي، هكون أخيراً حرّة.
عدت سنة كاملة على الليلة دي. سنة بحالها وأنا بحاول أرمي كل حاجة ورا ضهري، نسيت الزمالك، ونسيت وسط البلد، وحتى شغلي القديم غيرته، وبقت حياتي عبارة عن خطوط مستقيمة وهادية.. مفيش فيها أي مساحة للخوف أو المفاجآت.
في يوم خميس عادي جداً، كنت طالعة من مول كبير في التجمع بعد ما خلصت شوبينج سريع. الشارع كان زحمة وأضواء المحلات بتنور المكان بطريقة مبهجة. وأنا ماشية رايحة لعربيتي، عيني لقطت محل فساتين زفاف وسهرة جديد، واسع جداً، وفاترينته متأمنة بإنارة ليد بيضاء هادية.
وقفت من غير ما أحس.. زي ما تكون رجلي هي اللي خدت القرار نيابة عني.
الفاترينة كانت فاضية تماماً، مفيش فيها غير مانيكان واحد بس في النص، ومفيش أي فستان متعاطى عليه.. المانيكان كان عريان، وجنبه كارت أسود صغير مكتوب عليه بخط ذهبي شيك: “افتتاح الفرع الجديد قريباً”.
اتنفسنا بتنهيدة طويلة، وابتسمت لنفسي ابتسامة إرتياح حقيقية لأول مرة من سنين. حسيت إن اللعنة انكسرت بجد، وإن الخوف اللي كان كاتم على نفسي اتبخر، والماضي خلاص بقى مجرد ذكرى بعيدة ومش هترجع.
لفت ضهري ومشت بخطوات واثقة ناحية العربيات، وأنا بطلع مفتاح العربية من الشنطة.. وفجأة، سمعت صوت إشعار الموبايل.
سحبته بالراحة، فتحت الشاشة.. كانت فيه رسالة جاية لي من رقم غير معروف، فيها كارت إهداء إلكتروني من المحل اللي كنت واقفة قدامه من ثواني.
فتحت الكارت بحسن نية، لقيت مكتوب جواه: “شكراً لزيارتك.. الفستان الأحمر المقاس الخاص بحضرتك هيتوصل لعنوانك الجديد بكرة الصبح.. إهداء من المالك الجديد.”
تجمّدت في مكاني وسط الزحمة، المفتاح وقع من إيدي على الأسفلت وصوته يرن في ودني.. ولما رفعت عيني وبصيت للمحل تاني، لقيت النور الأبيض اللي في الفاترينة انطفى فجأة، وحل محله نور أحمر غامق.. والفستان الأحمر كان متعلّق في نص الفاترينة، بيلمع.. وبيستناني.
الصدمة شلت حركتي لثواني، مفتاح العربية مرمي على الأسفلت وتحت رجلي الزحمة وصوت الكلاكسات شغالين، بس أنا كنت في عالم تاني خالص.. عالم السكوت المرعب اللي بيسبق الموت.
عيني كانت متسمرة على الفاترينة، على الفستان الأحمر اللي بيلمع تحت النور الأحمر الغامق، وعقلي بيصرخ: “لأ.. الكابوس ده لازم ينتهي هنا.. ودلوقتي.”
وطيت، سحبت المفتاح من الأرض، وبدل ما أهرب زي كل مرة، لفيت ورجعت للمحل بخطوات سريعة ومجنونة. ماكنتش خايفة.. الخوف اتحول لغل وصافية صافية إني أواجه السر ده وأقطعه من جذوره.
زقيت باب المحل الإزاز بقوة، الجرس المعلق رن بصوت حاد يرن في المكان الفاضي.
“مين هنا؟!” صرخت بعلو صوتي والنفس طالع نازل من صدري.. “اطلعلي! اللعبة دي خلصت من سنة!”
من ورا ستارة بيضا في أخر الصالة، خرج راجل في الخمسينات، لابس نظارة طبية وشكله مصمم أزياء راقي، بصلي باستغراب واندهاش: “يا فندم حضرتك كويسة؟ المحل مقفول وبنجهز للافتتاح بكرة!”
“مين اللي بعتلي الرسالة دي؟!” رفعت الموبايل في وشه وأنا برتعش من الغضب.. “ومين المالك الجديد للمحل ده؟!”
الراجل اتراجع لورا خطوة، وبص للموبايل وبعدين بصلي بهدوء وقال: “حضرتك أستاذه مريم؟”
“أيوة أنا! مين اللي جاب اسمي هنا؟!”
المصمم اتنهد تنهيدة طويلة، ومشيو ناحية الفاترينة، سحب الفستان الأحمر من على المانيكان ونزله بين إيديه. “يا أستاذة مريم.. الفستان ده مش للبيع، ولا فيه حد بعتلك رسائل تهديد.. الرسالة دي إعلان أوتوماتيكي الماركتينج بيبعته لأي حد بيقف قدام الفاترينة أكتر من دقيقتين عن طريق الحساسات.. أما الفستان ده، فصاحبه الأصلي اتصل بيا من أسبوعين ودفن ثمنه بالكامل، وطلب مني أعمل منه نسخة أخيره وأسلمها ليكي أنتِ بالذات.”
رقبتي جمدت: “صاحبه الأصلي؟ حسام مات في السجن من ست شهور!”
“أنا معرفش مين حسام،” المصمم فتح درج المكتب وطلع منه جواب مقفول بالشمع الأحمر ورقعة قماش صفراء قديمة.. “اللي اشترى الفستان كانت ست كبيرة في السن، قبل ما تتوفى في المستشفى الشهر اللي فات.. سابتلي الجواب ده وقالتلي لما مريم تيجي، أديها الأمان.”
إيدي مسكت الجواب بالراحة، فتحته بخطوات ميتة. كان بخط إيد الست العجوزة.. أم ندى:
“يا مريم يا بنتي.. لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا قفلت الدائرة خلاص. حسام مات في سجنه، وندى بنتي ارتاحت في قبرها. الفستان ده ماكانش ملعون ولا حاجة.. الفستان ده كان مجرد عقدة نفسية ومرض عاش جواه. أنا طلبت من المصمم يعمل النسخة دي من قماش عادي، عشان أحرق الخوف اللي جوامعي وجواكي. الفستان ده ملكك أنتِ دلوقتي.. احرقيه، أو ارميه، أو البسيه وأنتِ حرة.. الكابوس انتهى بجد، وعيشي حياتك.”




