
الضابط على الخط رد ببرود وهدوء: “اهدي يا فندم وقوليلي اسمك وعنوانك بالظبط وإيه اللي حصل.”
حكيت له كل حاجة في دقيقتين، بصوت متقطع وبكاء مش قادرة أوقفه.. محل الورد، العنوان الجديد، البنت اللي في المحل، والرسالة.
الضابط سكت ثواني وبعدين قال: “تمام يا فندم، خليكي في بيتك وقفلي بابك كويس، إحنا باعتين دورية فوراً على عنوان المحل اللي قلتيه.”
ساعتين كاملين وعدوا وأنا قاعدة على الأرض في نفس المكان، مش قادرة أتحرك ولا حتى أغير هدومي. لحد ما الموبايل رن تاني.. كان نفس رقم النجدة.
رديت بسرعة: “أيوة يا فندم؟ وصلتوا للمحل؟ قفلتوه؟”
صوت الضابط المرة دي كان مختلف.. مش بارد، بس فيه حيرة وغروبة تخوف: “يا مريم هانم.. الدورية راحت للعنوان اللي حضرتك أديتيهولنا في الحي ده..”
سكت ثواني وكمل: “المكان هناك فضاء يا فندم.. قطعة أرض فاضية ومفيش أي محلات شغال هناك من سنين.. العمارة اللي بتقولي عليها لسه تحت الإنشاء ومفيش فيها غير طوب أحمر وخرسانة.”
الموبايل وقع من إيدي على الأرض.
أنا ماصرختش، ولا بكيت.. الدم جمد في عروقي تماماً. بصيت للموبايل وهو مرمي على السجادة، الشاشة نورت فجأة بإشعار جديد جايلي على الواتساب من رقم غريب..
فتحت الرسالة بذهول مش طبيعي، كانت صورة متأخدة لي لايف من جوة أوضتي دلوقتي حالا.. من زاوية الشباك المقفول اللي ورايا.. ومكتوب تحت الصورة: “المرة الجاية.. هلبسهولك بنفسي.”
صوت الرسالة كان زي رصاصة اتضربت جنب ودني. الموبايل اتزحلق من إيدي على السجادة، وعيني اتسمرت على شباك الأوضة المقفول. الستارة الخفيفة كانت بتهتز بالراحة من هواء التكييف، بس الشباك نفسه كان مقفول بالترباس.
الخوف اتحول لبرود مفاجئ، من النوع اللي بيخلي الجسم يتحرك من غير ما يفكر. سحبت السكينة الصغيرة اللي كانت على الترابيزة جنب السرير، ومسكت الموبايل بالإيد التانية. زحفت على أطراف صوابعي ناحية الشباك، قلبي كان بيضرب في أضلاعي كأنه عايز يخرج من صدري.
وقفت جنب الستارة، شدتها مرة واحدة… مفيش حد.
الشارع تحت كان ضلمة وهادي تماماً، حتى النور الإلهي بتاع الشارع كان مطفي. بس لما نزلت بعيني لأسفل السور الحديد بتاع شباكي في الدور الثاني، شفت حاجة خليت ريقي ينشف. كان فيه حبل غسيل قديم ممدود من شباكي لشباك العمارة المهجورة اللي قدامي، ومتعلق في نص الحبل… الفستان الأحمر. القماش كان بيلف بالراحة مع الهواء، ولونه الغامق بيلمع تحت نور القمر زي ما يكون بيتنفس. وجنبه، على حيطة العمارة اللي قدامي، مكتوب بخط أحمر عريض ورطب لسه بينقط على الأرض: “افتحي الباب يا مريم… العريس برة.”
في نفس اللحظة اللي قريت فيها الكلام، سمعت خبطتين هاديين جداً… منتظمين… على باب شقتي. خبطة… بعدين ثانية… بعدين خبطة. الخبط ماكانش بقوة ولا بعنف، كان خبط واحد واثق إن البيت بيته، وإن اللي جوة مفيش قدامها أي مفر.
سحبت السكينة لصدري وأنا برجع لورا بخطوات ميتة، الموبايل في إيدي التانية نطق بصوت الإشعار المكتوم. بصيت في الشاشة، الرسالة المرة دي كانت بصوت… فويس نوت مدتها خمس ثواني.
عصبي ماستحملتش، دوست تشغيل. طلع صوت حسام، بارد، هادي، وفيه نفس الحشرجة القاتلة: “المفتاح معايا من سنتين يا مريم… افتحي بدل ما أدخل أنا.”
سمعت صوت تكّة المفتاح وهو بيلف في قفل الباب الخارجي بالراحة… التكة الأولى… وبعدها التكة الثانية.
الباب اتفتح بالراحة، صوت الخشب وهو بيزيح كان أطول من السكوت اللي خنق الأوضة. النور الضئيل اللي جاي من الصالة ورّا الباب رسم خياله الطويل على أرضية الممر. كان واقف بنفس البدلة السودا، ملامحه هادية ببرود يرعب، وإيده اليمين مستقرة جوة جيب البدلة، بينما إيده الشمال ماسكة مقص خياطة كبير ومصدي، بقع الدم القديمة عليه متيبسة.
“مساء الخير يا مريم،” قالها بصوت وطي خالص، وكأنه داخل بيته بعد يوم شغل طويل.
أنا ما نطقتش.. إيدي كانت بتضغط على مقبض السكينة لحد ما صوابعي اببيضت، وشهقتي كانت مسجونة في زوري.
خطى خطوة لجوة، وقفلت ضلفة الباب وراه بركة رجله الهادية. بص للسكينة اللي في إيدي وابتسم ابتسامة باهتة خالية من أي مشاعر: “إنتِ فاكرة إنك مختلفة عن ندى؟ ولا عن اللي قبل ندى؟ كلكم بتبدأوا بالنظرة قدام الفاترينة.. الشغف ده هو اللي بيختاركم، مش أنا.”
قرب خطوة كمان، وعينيه اتثبتت في عينيا بثقل مرعب: “الفستان مش مجرد قماش.. الفستان ده روح، وما بيعيش غير لما يتقفل سوسته على جسم واحدة حست بجماله من أول دقيقة.”
“ابعد عني!” صرخت فيها أخيراً، وجسمي كله بيتنفض.. “لو قربت هقتلك!”
ضحك بصوت مكتوم، ورفض الفكرة بهزة راس بطيئة وهو بيمد إيده بالمقص: “تقتليني؟ إنتِ مش شايفاني يا مريم.. إنتِ شايفاني خيال، بس الحقيقة إنك جيتي لحد عندي بساقيكِ، وإنتِ اللي دورتِ على السر.”
في اللحظة دي، عينيا لمحت حركة خاطفة وراه في ضلمة الصالة. خيال تاني كان بيتحرك بسكون تام.. الست العجوزة، أم ندى، كانت واقفة عند زاوية الممر، ماسكة في إيدها لوح خشب ثقيل مكسور من حرف الباب اللي انكسر في وسط البلد.
حسام ما حشّش بيها، كان كل تركيزه عليا وعلى السكينة اللي في إيدي. كمل خطوته ورفع إيده بالمقص وهو بيقول: “يلا يا عروسة.. الوقت خلص.”
قبل ما يتحرك سنتيمتر واحد ناحيتي، الست نزلت باللوح الخشبي بكل ما فيها من غل وسنين قهر على ظهره ودماغه من ورا. الصوت كان انفجار مكتوم. حسام اتعرقل لقدام من قوة الخبطة، والمقص وقع من إيده يرن على البلاط. أنا ما استنيتش ثانية.. اندفعت لقدام بكل ثقلي، وغرست السكينة اللي في إيدي في كتفه.
صرخ صرخة مكتومة متألمة، والتفت بذهول وهو بيحاول يمسك فيا، بس الست العجوزة زقته بقوة خلته يقع لورا ويخبط دماغه في حافة الترابيزة الرخام. وقع على الأرض، عينيه كانت مفتوحة بس الحركة في جسمه انتهت تماماً.. الدم بدأ يسيل بالراحة من دماغه ويفرش على السجادة.
وقفت أنا والست بنلهث، أنفاسنا هي الصوت الوحيد اللي بيشق السكون. بصيت لها بذهول: “حضرتك.. حضرتك جيتي إزاي؟”
الست بصت لجثة حسام المرمية، وعينيها مليانة دموع مشبّعة براحة غريبة وقالت بصوت مكسور: “أنا عارفة إنه بيلف حواليكي من يوم ما هرب.. كنت ماشية وراه خطوة بخطوة من غير ما يحس.. كان لازم أنهي الكابوس ده يا بنتي، عشان ندى تستريح.”
الشرطة جت بعد دقائق، المكان اتملى بصوت السراين والنور الأحمر والأزرق اللي بيلف على جدران الشقة. أخدوا حسام، وأخدوا أقوالنا، وعرفت إن الكابوس ده أخيرًا انتهى بجد.. مش خيال ولا اختفاء مجنون.




