روايات وقصص

المليونيرة المتنكرة حكايات انجى الخطيب

قالت بسرعة، كأنها اتعلمت إن أول ما تطلب فلوس الناس بتبدأ تشك فيها:

«أنا مش عايزة فلوس.»

وسكتت لحظة، وبعدها شبكت إيديها قدامها.

«بس… لو ممكن تديني أي حاجة آكلها.»

كريم بص على أكياس البقالة اللي في إيده.

الحاجات دي كان شاريها بحساب. هو مش غني، ومرتب شغله بالكاد مكفي مصاريف البيت، مدرسة ليان، أكلها، وفواتير البيت.

كل حاجة بيشتريها بيكون عارف هتروح فين.

فكر ثواني وهو بيبص للأكل، وبعدها لمح مخبز على بعد كام محل.

قال:

«استنيني هنا.»

الست اتوترت وقالت بسرعة:

«أنا آسفة، أنا ماكانش قصدي—»

«استنيني بس.»

كريم ادّى أكياس البقالة لليان.

«خليكي هنا قدامي، وماتتحركيش.»

دخل المخبز.

ريحة العيش السخن والقهوة ضربته أول ما دخل. كان في طابور من الناس، لكنه راح على التلاجة اللي جنب الكاشير.

اختار سندوتش فراخ سخن، ورغيفين عيش، وزجاجة مية، وتفاحة.

حطهم البياع في كيس ورق.

بعد دقيقة، كريم خرج تاني.

الست كانت لسه واقفة مكانها.

وليان كانت جنب أبوها، بتبص لها بفضول طفولي بريء.

كريم مد الكيس للست.

الست أخدته بإيدين مرتعشتين.

بصت جواه، وبعدين رفعت عينيها لكريم.

ثواني عدت وهي مش قادرة تستوعب إن الأكل ده بقى بتاعها فعلًا.

ريحة السندوتش السخن طلعت من الكيس في الهوا البارد.

«شكرًا…» همست.

كريم ابتسم ابتسامة بسيطة.

«العفو.»

الست ضمت السندوتش لصدرها بإيديها، لدرجة إن ورقة التغليف اتكرمشت.

غمضت عينيها للحظة.

كريم حس بحاجة غريبة جواه.

كام واحد يا ترى عدا من جنبها النهارده من غير ما حتى يبصلها؟

ليان ابتسمت وقالت:

«في رغيفين… ممكن تخلي واحد لبكرة.»

الست بصت لها.

«إنتِ ذكية أوي.»

ليان ابتسمت.

«بابا بيقول لازم نفكر في فطار بكرة قبل ما ننام.»

كريم بص لبنته وقال:

«أنا بقول كده عشان هي بتحاول تاكل كورن فليكس الساعة اتنين بالليل.»

ليان اعترضت فورًا:

«ما هو الكورن فليكس حلو بالليل!»

لأول مرة، ظهر على وش الست ابتسامة صغيرة جدًا.

ابتسامة قصيرة، لكنها كانت حقيقية.

كريم مد إيده لبنته.

«يلا بينا.»

الست بصت له، وبعدين قالت:

«في حاجة تانية.»

كريم وقف.

بص لها.

«إيه؟»

الست بصت لليان، وبعدها رجعت بصت له.

التردد ظهر في عينيها.

«أنا… مالياش مكان أنام فيه الليلة.»

كريم سكت.

الجو كان بدأ يبرد أكتر، والهواء بين العمارات بقى ساقع.

الست عدلت الشنطة على كتفها بسرعة.

«أنا مش محتاجة أوضة ولا سرير… والله. لو عندك جراج، أو بلكونة مقفولة، أو حتى مكان ناشف تحت السلم… أي حتة أستخبى فيها من البرد لحد الصبح، وأنا همشي أول ما الدنيا تنور.»

ابتسامة كريم اختفت.

الموضوع بقى مختلف تمامًا.

إنك تشتري أكل لحد جعان حاجة.

إنك تدخل شخص غريب بيتك، في نفس المكان اللي بنتك بتنام فيه، حاجة تانية خالص.

كريم بص لليان.

كانت واقفة مستنياه.

وبعدين بص للست.

هدومها كانت خفيفة جدًا على البرد، والشنطة اللي معاها مستحيل يكون جواها بطانية حتى.

كريم خد نفس طويل.

وقال:

«أنا آسف.»

صوت الست هدي أكتر.

واضح إنها فهمت الإجابة قبل ما يكمل.

«أنا عندي بنت صغيرة.»

أول ما الكلمات خرجت من بقه، كريم حس إنه مش مرتاح.

لأن الجملة خلت الست كأنها خطر، مع إنها ماعملتش أي حاجة تخوف.

لكنه كان أب، ومسؤوليته الأولى إنه يحمي بنته.

كمل بهدوء:

«مش هقدر أخلي حد غريب يبات عندنا.»

الست هزت راسها على طول.

«أنا فاهمة.»

مازعقتش.

مازعلتش قدامه.

وماحاولتش تضغط عليه.

حتى إنها حاولت تبتسم.

«إنت كده عملت معايا أكتر من ناس كتير.»

كريم فضل واقف مكانه لحظة.

كان نفسه يعمل حاجة تانية.

لكن مش عارف يعمل إيه من غير ما يتراجع عن قراره.

الفلوس مش هتحل مشكلة مكان النوم.

وهو أصلًا مش عارف أقرب جمعية أو دار إيواء فين، ولا يعرف لو عندهم مكان أصلًا.

الست بصت ناحية دكة خشب موجودة جنب الإشارة.
#انجي_الخطيب
كريم مسك إيد ليان.

«يلا يا حبيبتي.»

ليان مشيت معاه، لكنها فضلت تبص وراها.

الست راحت ناحية الدكة وقعدت عليها.

حطت شنطتها القديمة عند رجليها، وضمت السندوتش لصدرها بقوة.

الغريب إنها ماكلتش.

مافتحتش الكيس.

وحتى المية ما شربتهاش.

فضلت قاعدة تحت السما اللي بدأت تضلم، حاضنة الأكل السخن كأنها خايفة لو بعدته عنها للحظة يختفي.

كريم وصل للعربية، وحط أكياس البقالة في الشنطة الخلفية.

ليان ركبت جنبه وسكتت.

حطت كيسها الصغير عند رجليها.

كريم شغل الموتور.

خرج بالعربية من مكان الركنة.

لكن قبل ما يعدي الإشارة، سمع صوت ليان لأول مرة من ساعة ما مشيوا.

«بابا؟»

«أيوه؟»

ليان كانت بتبص من الشباك الخلفي ناحية الدكة اللي الست قاعدة عليها.

وقالت بصوت هادي:

«هي هتنام فين؟»

كريم ما ردش.

ليان فضلت ساكتة شوية، وبعدها سألت السؤال اللي خلى إيد كريم تشد على الدركسيون:

«إنت لو مكانها… كنت هتتمنى حد يعمل معاك إيه؟»

كريم حس إن السؤال دخل جواه زي السكينة.

بص في المراية.

الدكة بقت بعيدة.

لكن الست كانت لسه قاعدة عليها، لوحدها، والشنطة جنب رجليها، والسندوتش محضناه لصدرها.

كريم حاول يقنع نفسه إنه عمل الصح.

هو أب.

ولازم يحمي بنته.

لكن لأول مرة، ماكانش قادر يطرد صورة الست من دماغه.

وفي الليلة دي، بعد ما ليان نامت، كريم فضل يتقلب في سريره ومش عارف يغمض عينه.

كل ما يقفل عينيه، يفتكر إيد الست المرتعشة وهي بتاخد كيس الأكل.

ويفتكر جملتها:

«إنت كده عملت معايا أكتر من ناس كتير.»

كان فاكر إنه مجرد راجل ساعد ست غريبة في الشارع.

ماكانش يعرف إن الست اللي سابها قاعدة لوحدها في البرد، واللي شكلها مايساويش تمن الساندوتش اللي جابهولها، كانت مخبية حقيقة لو ظهرت الصبح… هتخلّي كريم يكتشف إن الست اللي رفض يدخلها بيته كانت أغنى إنسانة في العالم.

والأغرب من كده…

إن كل اللي حصل في الشارع كان متخطط له من البداية.
#انجي_الخطيب
سكت كريم في سريره، وصوت التكتكة المنتظمة لبتوع الساعة اللي على الكومودينو كان زي ضربات في دماغه. الساعة عدت تلاتة بعد نص الليل. الشارع بره كان هادي بس صرير الهواء مع الشجر كان بيخليه يتخيل البرد اللي بره عامل إزاي.
عدل غطاه، وقام قعد على طرف السرير. بص ناحية أوضة ليان، كانت نايمة ودبها الصغير في حضنها، نفسك المنتظم يطمن أي أب، بس كريم ماكانش طمنان.
“إنت لو مكانها… كنت هتتمنى حد يعمل معاك إيه؟”
الجملة كانت بتعزف في دماغه. مسك موبايله، فتح الشاشة ومسح وش إيده بكفه، وبعدين قام من غير ما يطلع صوت. لبس جاكيته وتقّل على نفسه، ونزل السلم بحرص عشان ما يصحّيش البنت.
في الشارع، الشابورة كانت بدأت تنزل، والجو بقى ساقع يوجع العظم. كريم مشي ببطء ناحية الناصية، عينيه بتدور في العتمة على الدكة الخشب.
الدكة كانت فاضية.
صندوق الزبالة، اليافطة المُنورة للمخبز المقفول، وشوية أكياس بلاستيك بتطير مع الهواء. الست مشيت.
كريم اتنفس ببطء وهو بيحس بتقل في صدره. كان في جزء جواه متوقع ده، بس جزء تاني كان بيتمناها تكون لسه قاعدة عشان يرتاح من ذنبه. جه يلف ويرجع، بس عينيه لقطت حاجة تحت الدكة.
كيس الورق بتاع المخبز.
قرب منه ووطى جابه. الكيس كان مقفول وزي ما هو… السندوتش وتفاحة وزجاجة المية، محدش قرب لهم. الست ما أكلتش حاجة.
لكن جنب الكيس، كان في حاجة تانية محطوطة بعناية تحت رجل الدكة الخشب عشان الهواء ما يطيرهاش… كارت صغير أسود بخامة غالية جداً، مطبوع عليه بماء الذهب الاسم والصفة:
“سليمان العزابي — للخدمات الاستثمارية وإدارة الأصول”
وتحت الاسم، بخط إيد رفيع ومكتوب بقلم جاف أزرق:
«الأكل السخن كفّى ووفّى يا كريم… بنتك طلعت أجدع منك، بس إنت خفت عليها، وده عين العقل.»
كريم جمَد مكانو. عينيه وسعت وهو بيقرا الكارت، صوابعه اللي ماسكة الورق بدأت تترعش. منين تعرف اسمه؟ إزاي عرفت إنه خاف على بنته؟
قبل ما يستوعب، سمع صوت فرملة عربية هادية بتكسر سكون الشارع.
عربية سوداء فارهة، زجاجها فاميه، وقفت على الناصية بالضبط. الباب المصفح ورا اتفتح، ونزل منها راجل في الستينات، لابس بالطو كحلي ثقيل، ملامحه حادة وعينيه فيها ذكاء يوزن بلد.
الراجل قرب من كريم بثقة، وبص للكارت اللي في إيده، وبعدين ابتسم ابتسامة هادية وضم إيديه ورا ظهره:
«مساء الخير يا كريم بيه.»
كريم رجع خطوة لورا تلقائياً، وصوته طلع مشدود:
«إنت مين؟ والست اللي كانت هنا راحت فين؟»
الراجل هز راسه بتفهم وقال بصوت هادي ورزين:
«المدام هدى زمانها وصلت بيتها دلوقتي وبتاخد حمام دافي… المدام هدى تبقى رئيسة مجلس إدارة مجموعة العزابي للاستثمار، وأرملة المرحوم سليمان العزابي.»
كريم بص له بذهول، عقله رافض يربط بين الست اللي هدومها مقطعة وبتطلب لقمة عيش بين أكياس الزبالة، وبين الاسم ده… اسم أكبر عيلة بيزنس في البلد.
الراجل كمل بجدية:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى