
وتحت كل رسمة كانت كاتبة اسمي:
ندى عبدالسلام.
بيت العيلة، المنوفية.
قفلت عيني وأنا حاسة إن الدم انسحب من وشي.
أنا هربت من الأستاذ فؤاد…
لكن سيبت اسمي ورايا.
وسيبت أغلى حاجة عندي تحت ترابيزة راجل معرفوش.
والأسوأ من كده…
إن الراجل ده ما كانش غريب عني زي ما كنت فاكرة.
كنت لسه ما أعرفش إن الشنطة اللي وقعت منه هتكون أول خيط في سر كبير…
سر هيغير حياتي كلها.
#انجي_الخطيب
رجعت ضهري لورا في كرسي العربية وسندت راسي على الإزاز البارد، صوابعي كانت بتترعش وأنا بفرك مكان الشنطة فاضي. الشوارع كانت بتتسرق تحت نور الكشافات المطفية، وكل كيلو بيبعدني عن الفيلا كان بيزود الثقل اللي على صدري. أنا مأخدتش معايا غير هدومي اللي عليا، والسر اللي سبته تحت الترابيزة.
السواق بص لي في المراية المكسورة وسأل وهو بيمصمض شفايفه: “على فين يا أنسة؟ النمرة اللي اديتيهاني في الأول دي حارة مقفولة في شبرا.. متأكدة؟”
عدلت قعدتي بالعافية، وصوتي طلع مكسور: “أيوة.. نزلني عند أول الشارع.”
البيت اللي رايحاله كان بتاع خادمة قديمة كانت شغالة عندنا وأمي الله يرحمها كانت بتعاملها زي اختها، اسمها الدادة أمينة. هي الوحيدة اللي كانت ممكن تستقبلني من غير ما تسأل سهير أو تفكر تبيعني لعقد ديون بابا.
أول ما وصلت وعتبت باب شقتها الصغيرة، الدنيا كانت ضلمة وريحة بخور مستكة طالعة من الصالة. أمينة فتحت الباب وهي بتدعك عينيها، وبس بصت في وشي وفستاني المبهدل، قطعت كلامها وسحبتني جوة حضنها الدافي من غير ما تنطق بحرف.
“عارفة يا ندى.. عارفة يا حبت عيني،” قالتها وهي بتمسح على شعري اللي اتفك، “سهير اتصلت بيا من ساعة، كانت بتصرخ وتقول إنك هربتي وإنك ضيعتي البيت والأرض.. بس أنا ماردتش عليها.”
قعدت على الكنبة القديمة وأنا حاطة وشي بين إيديا. “سبت الشنطة يا دادة.. شنطة أمي بالرسومات. الراجل غريب أخد باله مني وهناك تحت الترابيزة الشنطة وقعت.”
أمينة قعدت جنبي ومسكت إيدي جامد: “مين الراجل ده يا ندى؟”
“معرفش.. بس شكله مش عادي، كان هادي زي زيادة عن اللزوم، وعينيه.. عينيه رمادي. هو اللي جرجف فؤاد برة الأوضة وزقه للجنينة.”
وش أمينة اتقلب مرة واحدة، صوابعها اتشنجت على إيدي ورجعت لورا وهي بتبص لي برعب حقيقي: “عينيه رمادي؟ ولابس بدلة شيك من غير هيصة؟ فؤاد كان معزوم في صالون مين النهاردة بالليل؟”
بصيت لها باستغراب من رد فعلها: “في صالون القاضي.. اللي في المقطم. ليه؟”
أمينة وقفت بسرعة ورجليها كانت بتخبط في الترابيزة الصغيرة، وحطت إيدها على بقها: “يا نهار مش فاين.. ده مش أي راجل يا ندى. ده سليم الفيشاوي.”
اسمه وقع عليا زي ما تكون صخرة نزلت من السقف. اسم الفيشاوي في السوق مش مجرد اسم تجار، دول العيلة اللي كانت ماسكة المحفظة المالية لكل أراضي المنوفية قبل ما تجارة بابا تقع، وهم بنفسهم اللي بابا استلف منهم القرض الكبير قبل ما فؤاد يشتري المحفظة ويضغط علينا بيها.
“سليم؟” تمتمت وأنا بحاول أجمع الخيوط، “هو ابن الفيشاوي الكبيرة؟”
“ده سليم اللي مسك كل حاجة بعد وفاة أبوه السنة اللي فاتت،” أمينة قالتها وهي بتتحرك في الأوضة بتوتر، “وده الوحيد اللي يقدر يهد فؤاد في كلمة واحدة.. بس الأهم من ده كله، إن الشنطة لو وقعت في إيده، هيعرف إن الرسومات دي بتاعت أرض العيلة.. الأرض اللي أبوه كان بيتخانق مع باباكي عليها من عشر سنين!”
قلبي سقط في رجلي. الرسومات مش بس كانت ذكرة من أمي، دي كانت الخريطة القديمة للحدود الفاصلة بين أرضنا وأرض الفيشاوي، الخريطة اللي سهير وبابا دوروا عليها سنين عشان يبيعوا الأرض ويقفلوا الديون وما لقوهاش، وكانوا فاكرين إن أمي أحرقتها قبل ما تموت.
وفي اللحظة دي بالظبط، جرس التليفون الأرضي في شقة أمينة رن.
الصوت كان عالي ومزعج في هدوء الفجر. أمينة اتجمدت مكانها، وبصت للتليفون كأنه ثعبان.
“ماترديش يا دادة..” قلتها وأنا بقوم ببطء.
بس التليفون فضل يرن ويرن، لحد ما أمينة قربت بشويش ورفعت السماعة، حطتها على أذنها وهي بتترعش: “ألو؟”
جالي صوت من السماعة، مش صوت سهير المزعج ولا صوت فؤاد العبيط اللي مليان غرور. كان صوت هادي، متزن، وفي نبرة سخرية خفيفة أطول من المعتاد.
“مساء الخير يا دادة أمينة.. معلش صحيتك في وقت متأخر.”
أمينة بلعت ريقها بالعافية: “مين معايا؟”
الصوت كمل ببرود يرعب: “خلي ندى تاخد السماعة.. الشنطة الحرير المطرزة معايا، والرسومات اللي جواها محتاجة توضيح بسيط من صاحبتها.”
الموبايل كاد يقع من إيد الدادة أمينة، بصت لي وعينيها مزغللة من الخوف، ومدت لي السماعة وإيدها بترتعش.
مسكت السماعة وحطيتها على ودني، وثواني الصمت اللي مرت قبل ما أتكلم كانت أطول من الساعات اللي قضيتها مستخبية تحت الترابيزة. بلعت ريقي وحاولت أجمع ثباتي اللي اتفرتك، وصوتي طلع مهزوز بس مصمم يبان قوي: “أنت جبت النمرة دي منين؟”
سمعت صوت ضحكته الخفيفة المكتومة عبر الخط، نفس الضحكة الهادية اللي سمعتها في الصالون: “لما الشنطة يكون فيها أربع رسومات لأرض معروفة، وفي ضهر واحدة منهم كارت صغير مكتوب عليه اسم الدادة أمينة ورقم تليفونها بخط يد قديم… الموضوع مش بيحتاج عبقرية يا ندى.”
جسمي اتشنج لما نطق اسمي لأول مرة.
“أنت عايز إيه؟” سألته وأنا بضغط على السماعة لحد ما صوابعي اببيضت، “عايز تساومني بالرسومات؟ ولا رايح تسلمها لفؤاد وسهير؟”
“فؤاد؟” قالها بنبرة استخفاف صريحة خلّت قلبي يدق بطريقة مختلفة، “فؤاد ده مجرد عيل فاكر إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة، حتى الناس. أنا مش شغال عند فؤاد يا ندى، ولا يهمني ديونه اللي بيذل بيها باباكي.”
سكت ثانية، وكمل بصوت أعمق وأكثر جدية: “بس الرسومات دي… الرسومات دي فيها رسمة واحدة بالذات، أمك الله يرحمها حاطة فيها توقيع وختم قديم جداً، الختم ده بيلغي عقد البيع المزور اللي فؤاد مأسس عليه كل ديون باباكي من الأساس.”
اتسمرت مكاني، وعيني جمدت على الدادة أمينة اللي كانت واقفة متابعة ملامح وشي بحبس نفس.
“إنت… إنت بتقول إيه؟”
“بقول إن الشنطة دي مش بس ذكرة من أمك،” سليم قالها ببرود متقن، “الشنطة دي هي الحبل اللي ممكن يشنق فؤاد وسهير قانونياً، وفي نفس الوقت هي القطعة الناقصة اللي أنا بدور عليها من سنتين عشان أرجع حق عيلتي وحق باباكي.”
“وأنا إيه اللي يضمن لي إنك مش بتستغلني؟” قلتها بحدة، “عيلة الفيشاوي طول عمرها عايزة الأرض دي!”
سمعت صوت حركة مفاتيح حركة خفيفة من ناحيته، وبعدها قال بهدوء ثاقب: “اللي يضمن لك إنك لو عايزة شنطتك، هتنزلِ دلوقتي. أنا واقف بالعربية تحت بيت الدادة أمينة.”
شهقت من غير ما أحس، وبصيت ناحية الشباك المطل على الشارع الضيق.
“أنت تحت؟”
“أيوة.. قدام العمارة. قدامك دقيقتين تنزلي، يا إما هطلع أنا بنفسي، وأعتقد مش هتحبي إن جيران الدادة يشوفوا راجل بغريب طالع لها الفجر.”
تقفل الخط في وشي قبل ما ألحق أرد.
النداء كان واضح، والمصيدة كانت مفتوحة قدامي… بس ما كانش عندي أي اختيار تاني. بصيت للدادة أمينة وقلت بصوت واطي: “هو تحت يا دادة.. ولازم أنزل له.”
أمينة مسكت في دراعي جامد وعينيها مليانة رجاء: “بلاش يا ندى.. ده سليم الفيشاوي! لو دخلتي في لعبه مش هتعرفي تطلعي منها، العيلة دي ما بتعملش حاجة لله.”
فكت إيدها بشويش وابتسمت ابتسامة مكسورة: “ومين فاضل في حياتي بيعمل حاجة لله يا دادة؟ أنا خسرت كل حاجة خلاص.. والشنطة دي فيها الوحيد اللي فاضل لي من ريحة أمي.”
نزلت السلم الساقع خطوة خطوة، وكل خطوة كان قلبي بيدق معيها زي الطباط. الباب الخشبي بتاع العمارة كان موارب، وخرجت منه على هواء الفجر الساقع اللي ضرب في وشي.
على جنب الشارع الضيق، كانت واقفة عربية سودا كبيرة، إشاراتها مطفية والموتور داير بصوت خافت جداً. الإزاز المتفيم اتفتح بشويش أول ما قربت، وظهر وش سليم الفيشاوي. عينه الرمادي كانت ثابته عليا في ضلمة الشارع، ومن غير ما يتحرك قال بصوت هادي: “اركبي يا ندى.”
ترددت ثانية، بس صوت كلاب الحارة وهو بيعوي في البعيد خلاني أفتح الباب اللي جنبه وأقعد بسرعة. ريحة عربيته كانت ناعمة وشيك، وهدوء المكان جوة كان بيعزلني تماماً عن جنون الليلة دي.
أول ما قفلت الباب، مد إيده لورا الكرسي وجاب الشنطة الحرير. عينيا دمعت أول ما شفتها. مسكتها بلهفة وحضنتها لصدري، وفتحت السوستة بسرعة عشان أكتشف إن الرسومات الأربعة لسه جوة زي ما هما.
“مطمئنة؟” سألني وهو بيطلع بالعربية ببطء من الشارع.
“إنت عايز إيه يا سليم بيه؟” قلتها وأنا عيني على الطريق، “ليه دخلت نفسك في حكايتي مع فؤاد وسهير؟”
سليم بص لي بصه سريعة قبل ما يرجع عينه على الطريق، ونبرة صوته اتغيرت وبقت أشد وأكتر جدية: “عشان فؤاد مش بس طمعان فيكِ وفي أرض أبوكِ.. فؤاد بيحاول يبيع السر اللي جوة الرسومات دي لشركات استثمار أجنبية.”
بصيت له بصدمة: “سر إيه؟ دي رسومات بيوت وأرض عادية!”
سليم ضحك ضحكة قصيرة من غير أمل، وسحب من جيبه ورقة مطوية قديمة ومفرودة بعناية، حطها على التابلوه قدامي: “أمك الله يرحمها ما كانتش بترسم مجرد ذكريات يا ندى.. أمك كانت مهندسة مساحة، والرسومات دي لما تحطي أركانها مع بعض، بتكشف عن ممر مائي ومجرى جوفي تحت الأراضي دي كلها.. مجرى بيخلي قيمة الأرض مش في الزراعة، ولكن في مشروع القناة الجديدة اللي الدولة بتخطط له.”
الدم جمد في عروقي. سهير بابا وفؤاد كانوا فاكرين القصة مجرد ديون وأرض زراعية، لكن الحقيقة كانت أضخم بكتير.
“يعني فؤاد عارف؟” سألت بحبس نفس.
“فؤاد عارف إن فيه حاجة قوية، بس ما عندهوش الخريطة الكاملة.. الخريطة اللي مع أمك،” كمل سليم وهو بيلف بالدريكسيون ناحية طريق الصحراوي: “واللي هي دلوقتي معاكِ إنتِ.”
“إحنا رايحين فين؟” قلت بتوتر وأنا بشوف طريق القاهرة بيبعد.
سليم بص لي وعينه بتلمع بنور إشارات الطريق: “رايحين المكان الوحيد اللي فؤاد وسهير ما يقدروش يوصلوا لك فيه.. رايحين بيت الفيشاوي القديم في المنوفية. هناك هتعرفي الحقيقة كاملة.. والحقيقة دي هي الوحيدة اللي هتحميكي من الجوازة دي وترجع لك حقك.”
طريق المنوفية كان فاضي كأنه مهجور، والنور القليل بتاع كشافات العربية كان بيمسح الأسفلت والغيوم بتغطي القمر. الصمت جوة العربية كان تقيل، بس مش مزعج.. كان صمت خايف من اللي جاي.
بصيت لسليم وسألته: “بيت الفيشاوي؟ أنت متأكد؟ ده أول مكان سهير وفؤاد هيدوروا عليا فيه لو عرفوا إنك خدتني!”
ابتسم ببرود وهو بيمسك الدريكسيون بإيد واحدة: “فؤاد أجبن من إنه يعتب بوابات عيلتي.. وسهير عارفة كويس إن أي حد من الفيشاوي لو اتدخل، اللعبة كلها هتتكشف. هما فاكرينك هربتي للريف مستخبية عند حد من قرايبك.. محدش فيهم بيتخيل إنك معايا.”
بعد نص ساعة، العربية هدت سرعتها وطلعت على طريق ترابي متأطر بشجر كافور عتيق. في آخره، ظهرت بوابة حديد فورفورجيه ضخمة، ووراها بيت ريفي طابقين بستايل قديم وفخم، النور الخافت طالع من شباكين في الدور الثاني.
نزل سليم وفتح لي الباب: “انزلي يا ندى.”
رجلي لمست الأرض الترابية، وريحة الطمي والزرع ردت فيا الروح بعد خنقة القاهرة. مشيت وراه ببطء وهو بيطلع مفتاح قديم وبيفتح الباب الخشبي الكبير.
أول ما دخلنا الصالة، لقيت المكان مفروش بعفش أرابيسك قديم وسجاد عجمي نبيتي، شغال فيه دفاية حطب صغيرة بتطلع دفء ناعم.
سليم شاور لي أقعد على كنبة جلد: “ارتاحي.. هنا أنتِ في أمان.”
قعدت وأنا لسه ماسكة الشنطة الحرير في حضني كأنها طوق نجاة. سليم مشي ناحية مكتبة خشب كلاسيك، طعّمها بالصدف، وفتح درج مسوجر بمفتاح صغير كان في ميداليته. سحب منه ملف أصفر قديم وقرب مني.
حط الملف على الترابيزة اللي قدامي وقال: “القصة بدأت من خمسة وعشرين سنة.. مش من سنتين زي ما فاكرة.”
فتحت الملف بإيد بتترعش، ولقيت صور قديمة لأمي وهي صغيرة، مع بابا.. وشخص ثالث عينيه رمادي.. شبه سليم بالظبط.
“ده أبويا..” سليم قالها بصوت خفيض ودافي لأول مرة، “أبويا وأمك وباباكي كانوا شركاء في الأرض دي. أمك هي اللي اكتشفت الخريطة الجيولوجية للمياه الجوفية، وباباكي وأبويا اتفقوا يحموها وما يبيعوهاش للحكومة ولا للمستثمرين إلا بشرط واحد.. إنها تفضل ملك لأهل القرية.”
بصيت له بصدمة: “طب إيه اللي غير كل ده؟ ليه بابا عليه ديون؟ ليه أبوك دخل في صراع معانا؟”
سليم قعد في الكرسي اللي قبالي وسند كوعيه على ركبه: “أبويا ما دخلش في صراع.. فؤاد هو اللي زور العقود بعد وفاة أبويا. استغل مرض باباكي وخسارته في التجارة، واشترى إيصالات أمانة مزورة وباعها لسهير عشان تضغط عليه بيجوزك له.. فؤاد كان عايز ياخد الأرض بحق عرب، وسهير كانت بتاخد نسبتها.”
“يعني سهير…”
“سهير قبضت تمنك مقدم يا ندى،” قالها سليم بمنتهى الصراحة والشفافية وهو بيبص في عيني بجمود، “واللي بينقذك دلوقتي مش هربك.. اللي بينقذك هو إنك تواجهيهم بالحقيقة.”
في اللحظة دي بالظبط، كشافات عربية عالية ضربت في زجاج الشباك الكبير بتاع الصالة، وصوت فرامل صديد هز هدوء الليل برة البيت.
اتنفضت من مكاني والدم جمد في جسمي.
سليم قام ببطء، من غير ما يتوتر، وبص من الملاية الحرير الخفيفة على الشباك.
“وصلوا بسرعة..” قالها ونبرة صوته كانت ثابته، “فؤاد ومعه راجلين من بتوعه.”
جريت عليه وخسيت بالخوف يرجع يربطني: “سليم! هرد أعمل إيه؟ الشنطة.. والرسومات…”
سليم التفت لي، مسك كتفي بإيديه بصلابة، وعينيه الرمادي كانت مليانة ثقة خلّت ركبي تثبت مكانها:
“الشنطة تفضل معاكي.. والرسومات مش هيشوفوها. أقفِ ورايا وما تنطقيش بكلمة.. الليلة دي، كل حاجة هتتقفل يا ندى.”
صوت الخبط على الباب الخشبي الثقيل كان عامل زي ضربات المرزبة، خشب الباب العتيق كان بيترج وهو بيستحمل غشم إيد فؤاد برة.
“افتح يا سليم! عارف إنها جوة عندك.. افتح بدل ما أهد الباب على دماغكم!”
سليم ما اهتزش. نزل إيده من على كتفي ببطء، ومشي ناحية الباب بمنتهى الهدوء، كأنه رايح يستقبل ضيف معزوم على شاي. سحب التاباس الحديد، وفتح الباب على آخره.
فؤاد كان واقف برة، وشها أحمر من الغضب ونهتة نفسه مسموعة في هدوء الليل، ووراه إتنين من رجالته أطول منه وعراض. أول ما الباب اتفتح، فؤاد زق نفسه حط رجله جوة، بس سليم سد الفتحة بجسمه وهو حاطط إيده في جيب بنطلونه.
“أظن في أصول للدخول يا أستاذ فؤاد.. خصوصاً لما تكون جاي بيتي بعد نص الليل،” سليم قالها بصوت ناعم زي الحرير، بس أبرد من الثلج.
فؤاد لمحني واقفة ورا سليم في الصالة، الشنطة المطرزة مزكومة بين إيديا. عينه وسعت وسرع كلامه وهو بيشاور عليا بصابعه اللي بيترعش: “البت دي تهرب معايا من الحفلة، وتيجي معاك أنت في نص الليل؟ أنت عارف إني ماسك على أبوها إيصالات ومضيانه على رهن الأرض؟ أنت بتخبي واحدة مجرمة هاربة!”
سليم ضحك.. ضحكة خفيفة من سقف حلقه، وقرب خطوة واحدة من فؤاد. الخطوة دي خلت الراجلين اللي ورا فؤاد يرجعوا نص خطوة لورا من غير ما يحسوا.
“إيصالات مزورة يا فؤاد؟” سليم سأل بهدوء يرعب، “ولا الرهن اللي سهير أمها بالتبني ماضية عليه بصفتها وصية، وهي أصلاً مالهاش حق الوصاية لأن ندى عدت السن القانوني من ست شهور؟”
فؤاد اتجمد مكانة، ورجله اللي كانت سادّة الباب تراجعت سنة. “أنت.. أنت بتقول إيه؟”
سليم سحب من جيبه الداخلي للملف الورقة الصغيرة اللي كان لسه مطلعها من المكتبة، وهزها قدام وش فؤاد: “دي صورة من العقد الأصلي اللي بين أبوك وأبويا وأم ندى. الأرض دي مش أرض زراعية عادية عشان تبيعها لشركة الإستثمار اللي قعدت معاهم الأسبوع اللي فات في إسكندرية.. الأرض دي فيها مجرى مائي ملك للدولة، وأي تلاعب في ملكيتها أو محاولة بيعها بعقود مزورة مع واحدة زي سهير.. تعتبر قضية أموال عامة وتزوير وتسهيل استيلاء.”
الدم انسحب من وش فؤاد، وبص لسليم وبعدين بص لي، وكأنه شايف كابوس مكنش عامل حسابه.


