
“أنت… أنت بتجر ندى لمعركة مالهاش دعوة بيها يا سليم،” فؤاد قالها وصوته بدأ يتهز ويخسر غروره.
“ندى صاحبة الأرض،” سليم رد عليه وهو بيبص له في عينيه مباشرة، “ومن بكرة الصبح، الملف ده والرسومات اللي في الشنطة اللي معاها هيكونوا قدام النائب العام.. مع بلاغ رسمي بتزوير إيصالات الأمانة اللي أنت مهدد بيها عبد السلام بيه.”
فؤاد بلع ريقه، بص للراجلين اللي معاه، وبعدين بص لسليم بغل مكتوم: “فاكر إنك كسبت يا سليم؟ اللعبة لسه طويلة.”
سليم ابتسم ابتسامة بسيطة ورفع حاجبه: “اللعبة خلصت من أول ما ندى استخبت تحت ترابيزتي يا فؤاد.. اطلع برة بيتي.”
فؤاد لف وشهر رجالته بفركة إيد غشيمة، ومشيوا ناحية عربيتهم والتراب بيتصاعد تحت جزمهم. سليم فضل واقف بيبص عليهم لحد ما إضاءة عربيتهم اختفت في ظلام الطريق الترابي، وبعدها قفل الباب الخشبي وضرب التاباس الحديد بضربة قوية يرن صداها في البيت كله.
التفت لي.. وكان وشي متلج من الصدمة والإرهاق.
مشيت ناحيته بصوت واطي: “هو كده.. خلاص؟ فؤاد مش هيقدر يلمس بابا أو الأرض؟”
سليم قرب مني، وبص للشنطة الحرير اللي في إيدي، وبعدين رفع عينه الرمادي لعينيا وقال بصوت دافي لأول مرة من بداية الليلة: “فؤاد انتهى يا ندى.. بس الحق اللي رجع ده مش عشان تسيبيه في الشنطة وتستخبي تاني.”
“قصدك إيه؟”
“قصدك إنك بكرة الصبح هتقفي قدام سهير وباباكي.. وهتمسكي أرضك بإيديكِ. وأنا.. هكون واقف جنبك.”
شمس الفجر بدأت تتسلل من بين الشتاير الخشبية، ورمت خطوط نور ذهبية على الأرضية السجاد النبيتي. كنت قاعدة على الكنبة، وسليم كان واقف عند شباك الصالة المفتوح، ماسك كوباية قهوة وبيبص على الغيط الممتد قدام البيت.
“مش هتقدر ترجع البيت كأنه مفيش حاجة حصلت، صح؟” سألني ببطء وهو بيلف وشه ليا.
هزيت راسي بـ “لا”: “سهير هتقوم الدنيا مش هتقعدها، هتقول للناس إني هربت مع واحد في نص الليل، وهتحاول تقنع بابا إني فضحت العيلة.”
سليم حط كوباية القهوة على الترابيزة وقرب مني، نظرة عينيه الرمادي كانت حادة ومفيهاش أي تردد: “علشان كده مش هتروحي لوحدك، ومش هتروحي مستخبية. إحنا هنروح سوى، والملف ده هينزل قدام باباكي وسهير في نفس اللحظة.”
سكت ثواني، وبعدها سألت بصوت مخنوق: “وبابا؟ تفتكر هيصدقني؟ بابا تعبان يا سليم، وسهير مالية دماغه من سنين إني بنت مش مسؤولة وإن الجوازة دي هي الحل الوحيد عشان ننقذ اسمه.”
“عبدالسلام بيه مش مغفل يا ندى،” سليم قالها بثقة، “عبدالسلام بيه كان مقهور وتحت ضغط ديون ومناوشات فؤاد اللي ما بتخلصش. لما يشوف بعينيه إن العقود مزورة وإن مراته كانت بتبيعه وبيبيع بنته للراجل اللي فلسه… عينه هتتفتح.”
قمت وقفت، مسكت الشنطة الحرير في إيدي وشدت الطرحة على شعري. “يلا بينا.”
ركبنا العربية تاني، بس المرة دي الطريق للبيت القديم في المنوفية كان مختلف. مش طريق هروب وخوف، كان طريق مواجهة. الشمس كانت طلعت بالكامل لما العربيات الترابية بدأت تظهر، وأبراج الحمام اللي بطول الطريق كأنها بتشهد على عودتي.
أول ما العربية وقفت قدام البوابة الخشبية الكبيرة لبيت بابا، لقيت عربية سهير باركنج برة. الباب الصاج كان موارب.
سليم نزل وفتح لي الباب، ومشي جنبي لحد العتبة. أول ما دخلنا حوش البيت، سمعنا صوت سهير وهي بتزعق في الصالة الداخلية، وصوت بابا العالي اللي كان بيحاول يرد عليها وهو بيكح بتعب.
“بنتك جابت لنا العار يا عبدالسلام! هربت في نص الليل مع صايع من صالون القاضي! أستاذ فؤاد اتصل بيا وقال إنها كانت مع واحد صايع في شقة!”
سحبت نفس طويل، وزقيت باب الصالة بركبتي وإيدي ماسكة الملف والشنطة.
“أنا أهو يا سهير هانم.. ومفيش عار غير العار اللي كنتِ بتدبريه أنتِ وفؤاد من ورا بابا!”
سهير اتنطرت من مكانها، وشها اصفر، وبابا وقف بالعافية وهو ماسك عصايته، عينيه وسعت لما شافني… ولما شاف سليم الفيشاوي واقف ضهري كأنه سد.
“ندى؟” بابا قالها بصوت مكسور ومصدوم، “مين ده يا بنتي؟ وإيه اللي حصل البارح؟”
سهير صرخت: “شايف يا عبدالسلام؟ جايبة واحد من عيلة الفيشاوي لحد بيتك! العيلة اللي طمعانة في أرضك وخراب بيتك!”
سليم خطى خطوة لقدام، سحب الملف الأصفر من إيدي، وحطه بجدية وصرامة على الترابيزة القديمة اللي في نص الصالة، قدام بابا مباشرة.
“الوحيد اللي طمعان في بيتك وأرضك وبنتك يا عبدالسلام بيه… هو فؤاد وسهير هانم.” سليم قالها ببرود أشد من السيوف.
بابا بص للملف، وبعدين بص لسليم: “يعني إيه؟”
“يعني الورق اللي قدامك ده فيه التقرير الجيولوجي اللي أم ندى سابته قبل ما تموت، وفيه أصل العقود اللي بتثبت إن ديونك لفؤاد مزورة بإمضاءات مش إمضاءاتك، وبمعاونة سهير هانم اللي قبضت ثمن البيعة مقدم.”
سهير اتجمدت مكانها، صوابعها كانت بتترعش وهي بتحاول تمد إيدها تاخد الملف، بس سليم حط إيده فوق الورق بمنتهى القوة.
بابا مسك نضارته الطبية بإيد بتترعش، وفتح الصفحة الأولى من الملف… وفي لحظة، هدوء البيت كله اتقلب لصمت أشبه بصمت المقابر، والكل كان مستني القنبلة اللي هتنفجر.
بابا نزل النضارة على مناخيره، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور. السكوت في الأوضة كان يخنق، ما كانش مسموع فيه غير صوت كحته الخفيفة مع تقليب الورق.
سهير وشها اتحول للون الأسفلت، صوابعها اتشنجت على يد الشنطة اللي في إيدها، وبدأت تتراجع خطوة لورا وهي بتبص للباب.
“إيه.. إيه ده يا عبدالسلام؟” سهير قالتها بصوت مهزوز بتحاول تداري بيه توترها، “أنت هتصدق العيل ده وبنتك اللي هربانة من البارح؟ ده ورق مضروب! الفيشاوية طول عمرهم عايزين ياخدوا أرضك بأي طريقة!”
بابا رفع راسه ببطء شديد. عينيه اللي كانت دايماً مكسورة بالتعب والديون، فجأة ظهر فيها جوف من الغضب المرعب. بص لسهير ناطقاً بكل كلمة بتقل: “الختم ده.. ختم الست خديجة الله يرحمها. وده خطها اللي أنا حافظه أكتر من خطي.. والبصمة دي بصمتك أنتِ يا سهير على التنازل اللي مخبياه عني من سنتين!”
سهير بلعت ريقها بالعافية وحاولت تفتح بقها تتكلم، بس بابا ضرب بعصايته على الأرض ضربة هزت الأوضة كلها وصرخ بصوت زلزل البيت: “اخرسي! مش عايز أسمع صوتك!”
التفت لي بابا، وعينيه دمعت وهو بيمد إيده المترعشة ناحيتي: “تعالي يا ندى.. تعالي يا بنتي في حضني.”
جريت عليه وحضنته جامد، والشنطة الحرير كانت مضغوطة بيننا. كنت بدمع وبحس إن ثقل جبل انشال من على صدري لأول مرة من سنين.
سليم كان واقف هادي، ايديه في جيوبه، بيبص للطفلة اللي جوة ندى وهي بترجع لأبوها. قرب خطوتين ونطق بنبرة حاسمة: “عبدالسلام بيه.. الورق ده كله هينزل بكرة الصبح عند المحامي عشان نرفع قضية تزوير وبطلان لكل عقود فؤاد، وبلاغ في النيابة العامة بخصوص الشبهة الماليّة.”
بابا بص لسليم وابتسم ابتسامة مكسورة فيها امتنان كبير: “أنا مش عارف أقولك إيه يا سليم يا ابني.. أبوك الله يرحمه كان راجل أصيل، وأنت طلعت له.”
سليم بص لي بلمعة غريبة في عينيه الرمادي، وابتسم ابتسامة بسيطة وقال: “أنا ما عملتش غير اللي كان المفروض يتعمل من زمان يا عبدالسلام بيه.. والفضل يرجع للشنطة الحرير اللي صاحبتها ما استغنتش عنها.”
سهير لمّت حاجتها في صمت وخرجت تجري من الباب الخارجي كأنها بتتهرب من مصيرها المحتوم، ومحدش فينا فكر ينادي عليها أو يوقفها.
عدت ساعات الصبح سريعة.. البيت استرد انفاسه، وشمس الضهر ملأت الصالة بآشعتها الدافية. خرجت مع سليم لحد العربية عشان أودعه قبل ما يسافر القاهرة يتابع إجراءات المحامي.
وقفت قدام باب عربية سليم، وكنت لسه ماسكة الشنطة الحرير.
“شكراً يا سليم..” قلتها وأنا ببص في عينيه، “على كل حاجة.. على وقفتك تحت الترابيزة، وعلى الطريق، وعلى الأرض.”
سليم فتح باب العربية، وقبل ما يركب التفت ليا، ورفع حاجب بابتسامة خفيفة: “على فكرة يا ندى.. أنا لسه عند كلامي.”
بصيت له باستغراب: “كلام إيه؟”
قال بمنتهى الهدوء والنبرة اللي دايماً بتخطف قلبي: “لما قلت لك تحت الترابيزة إن لو طلع كذب.. أنا مستعد أشيل الذنب الأخلاقي لوحدي.”
ابتسمت وراسي انخفضت بإحراج دافي، ورجعت رفعت عيني ولقيته بيسحب نفس عميق وبيكمل: “أنا راجع القاهرة أخلص موضوع فؤاد والنيابة.. ولما أرجع المنوفية المرة الجاية، مش هكون جاي عشان أرض أو خريطة.. هكون جاي أطلب إيدك من عبدالسلام بيه بنفسي.”
قلبي دق دقة قوية هزت كياني كله، وما عرفتش أرد غير بابتسامة واسعة وشي كله احمرّ منها.
سليم ركب العربية، ودور الموتور، وبص لي بصه أخير من الشباك وهو بيتحرك: “شيلي الشنطة في مكان أمين يا ندى.. لحد ما أرجع.”



