
كنت مستخبية تحت ترابيزة واحد معرفوش، وأنا بهرب من الراجل اللي مرات أبويا كانت مصممة له.
أنا. ركبي كانت لازقة في السجادة اللي تحت الترابيزة، وستارة تقيلة لونها نبيتي نازلة لحد الأرض، والنور الأصفر بتاع النجف كان داخل من فتحة صغيرة جنب رجلي.
بره الأوضة، صوت الموسيقى كان واصل خافت من الصالون الكبير، والناس لسه بتضحك وتتكلم كأن مفيش حاجة بتحصل.
أما جوا الأوضة، فكنت سامعة صوت خطواته.
الأستاذ فؤاد.
ريحة البرفان التقيلة المخلوطة بريحة البراندي كانت أقرب حاجة لوشي، وكل ما صوته قرب، قلبي كان بيدق أسرع.
“شوفتوا بنت صغيرة هنا؟”
صوته كان مليان عصبية.
“لابسة فستان أزرق وشعرها غامق.”
حبست نفسي.
كان بيدور عليا.
أنا اللي كان عايز يتجوزني.
أو بالأصح، أنا اللي مرات أبويا، سهير، كانت عاملة المستحيل علشان تجبرني أتجوزه.
فجأة سمعت خطواته وهي بتقرب من الترابيزة.
رجلي كانت باينة سنة صغيرة من تحت الستارة.
وفجأة…
الراجل اللي قاعد فوق الترابيزة حرّك رجله.
حركها بهدوء، وكأنه بيعدل قعدته، لكن في الحقيقة كان بيغطي الجزء الصغير من الفستان الأزرق اللي كان ممكن يفضحني.
هو كان شايفني.
وكان عارف إني مستخبية تحته.
قلبي وقف تقريبًا.
الأستاذ فؤاد وقف قدام الترابيزة.
“إنت يا أستاذ… شوفت بنت داخلة هنا؟”
الراجل اللي قاعد فوق رد بمنتهى الهدوء:
“أنا مش متعود أعد الستات اللي بتدخل وتخرج من الصالونات.”
الأستاذ فؤاد اتنرفز.
“الموضوع مهم.”
رد عليه الراجل ببرود:
“أكيد كل حاجة بتبقى مهمة بعد نص الليل.”
كنت على وشك أضحك من غير ما أقصد.
بس بلعت الضحكة بسرعة.
الأستاذ فؤاد ما كانش شايف الموضوع فيه أي حاجة تضحك.
“دي خطيبتي.”
معدتي اتقبضت.
أنا مش خطيبته.
مهما سهير قالت للناس.
ومهما كانت بتحاول تقنع بابا إن الجوازة دي هي الحل الوحيد.
ومهما كان الأستاذ فؤاد اشترى ديون بابا بعد ما تجارته وقعت.
كان اشترى رهن بيتنا في الريف.
وكان ماسك إيصالات ديون قديمة.
وكمان قرض كبير كان بابا ضامنه بإيجارات أراضي زراعية.
وفي الأول كان بيسمي ده كله “مساعدة”.
لحد ما في يوم قالها صريحة:
“تتجوزيني يا ندى… أو أبوكي يخسر كل حاجة.”
اسمي ندى عبدالسلام.
وبابا كان عنده بيت كبير قديم في المنوفية، وأراضي ورثها عن جدي، لكن بعد الخسارة والديون بقينا مهددين نخسر كل حاجة.
أما الأستاذ فؤاد، فكان شايف إن الحل بسيط.
أنا أتجوزه.
وهو يسدد الديون.
الأستاذ فؤاد سأل الراجل اللي قدام الترابيزة:
“مشوفتهاش؟”
الراجل رد بهدوء:
“ممكن تجرب تشوف في الجنينة.”
“أنا دورت هناك.”
“يبقى جرب الصالون التاني. أنا سمعت صوت ناس هناك من شوية.”
الأستاذ فؤاد تمتم بكلمة مش لطيفة، وبعدها خطواته بدأت تبعد.
قلبي كان لسه بيخبط.
لحد ما سمعت الباب بيتقفل.
سكت ثواني.
ثواني طويلة جدًا.
وفجأة الراجل اللي فوق الترابيزة قال:
“مشي.”
طلعت نفس طويل.
لكنه كمل:
“بس خليكِ مكانك دقيقة كمان.”
اتوترت.
“إنت كنت عارف؟”
“إنك تحت الترابيزة؟”
“أيوه.”
“من أول ما دخل.”
وشي سخن من الإحراج.
“عرفت إزاي؟”
سمعته يضحك ضحكة خفيفة.
“لما الواحد بيخاف، نفسه بيبقى مسموع.”
نفسي اتقطع أكتر.
وبعدين قال:
“وكمان طرف الفستان كان باين.”
غمضت عيني بإحراج.
“دي أسوأ.”
قال بمنتهى الهدوء:
“افتكرت إنك هتفضلي الصراحة.”
سكت شوية، وبعدها قال:
“دلوقتي ممكن تطلعي.”
زحفت ببطء من تحت الترابيزة.
وأول ما وقفت، بصيت للشخص اللي أنقذني.
كان تقريبًا في أوائل التلاتينات.
طويل.
شعره أسود.
عينه لونها رمادي غامق.
ولابس بدلة شيك جدًا، لكن من غير استعراض.
كان شكله هادي بشكل غريب.
وبصته ليا ما كانش فيها لا فضول زائد ولا تطفل.
وده خلاني أرتاح له أكتر.
#انجي_الخطيب
قلت بسرعة:
“أنا آسفة.”
رفع حاجبه.
“على إيه؟”
“إني استخبيت هنا.”
“إنتِ مستخبيتيش عندي.”
“بس أنا ورطتك.”
“لا.”
ابتسم ابتسامة بسيطة.
“أنا بس وجهت راجل مزعج ناحية الجنينة.”
بصيت له.
“وده مش كذب؟”
قال بمنتهى الجدية:
“لو طلع كذب، أنا مستعد أشيل الذنب الأخلاقي لوحدي.”
رغم خوفي، ابتسمت.
ولأول مرة من ساعات حسيت إني ممكن أضحك.
لكن فجأة…
سمعت صوت سهير في الممر.
“ندى!”
جسمي كله اتشد.
الراجل لاحظ التغيير اللي حصل في وشي.
“مرات أبوكي؟”
بصيت له باستغراب.
“عرفت منين؟”
قال بهدوء:
“لما الواحد يسمع صوت حد بيطارده، بيبقى واضح عليه.”
ما عرفتش أرد.
لميت هدومي بسرعة وقلت:
“لازم أمشي.”
لكنه قال:
“على الأقل قولي اسمك.”
وقفت.
كنت عايزة أقول له.
مش عارفة ليه، بس كنت عايزة.
لكن لو عرف اسمي، ممكن يعرف أنا مين.
ممكن يعرف عن ديون بابا.
وعن البيت.
وعن الجوازة اللي كل الناس بتتكلم عنها.
وعن الفضيحة اللي سهير كانت بتحاول تخبيها.
هزيت راسي.
“مش هقدر.”
هو ما ضغطش عليا.
ولا سأل تاني.
بس قال:
“يبقى أتمنى توصلي للمكان اللي رايحاله.”
فتحت باب التراس وخرجت بسرعة.
وبعدها نزلت السلم الخلفي وركبت العربية اللي كانت مستنياني.
طول الطريق، كنت ببص من الشباك وأنا بحاول أستوعب اللي حصل.
هربت من الأستاذ فؤاد.
لكن وأنا في العربية، مددت إيدي علشان أعدل الطرحة…
وفجأة حسيت إن إيدي فاضية.
اتجمدت.
شنطتي الصغيرة!
شنطة أمي.
الشنطة الحرير المطرزة اللي كانت أمي عاملاها بإيديها قبل ما تموت بسنة.
كانت جواها أربع رسومات صغيرة للبيت والأرض اللي في المنوفية.
رسومات أمي بنفسها.




