
نزلت تحت بهدوء شديد ورجعت السرير جنب سارة، عينيا مثبتة على السقف والدم بيغلي في عروقي لكن أعصابي كانت تلاجة، زي ما اتعلمت في خدمتي بالظبط.
مع أول ضوء للنهار، صحيت سارة بتتمطع وبترسم على وشها نفس ابتسامة الزوجة المخلصة الشفقانة على حماتها. بصتلي وقالت بصوت ناعم: «صباح الخير يا حبيبي، هقوم أعملك الفطار وأطلع أأكل ماما بنفسي عشان متتعبش نفسك.»
هزيت رأسي بابتسامة باهتة وقلت لها: «تسلم إيدك يا سارة، ربنا يخليكي لينا.. أنا نازل اشتري شوية طلبات للبيت وجاي على طول.»
أول ما طلعت من باب الشارع، مروحتش السوبر ماركت، طلعت فورًا على الفرع الرئيسي للبنك اللي فيه حساب أمي. قابلت مدير الفرع وبحكم شغلي القديم في التحقيقات ومعايا توكيل رسمي عام وشامل من أمي كان معايا من قبل ما أدخل الجيش، طلبت كشف حساب تفصيلي لأخر سنة وخاطبتهم بشكل رسمي يوقفوا أي معاملات تحويل جديدة أو طلبات سحب إلا بحضوري الشخصي بموجب التوكيل.
الموظف طبخلي الكشف، وهنا كانت الصدمة.. الفلوس مكنتش بتتسحب وبس، ده كان فيه طلب تناول وإعطاء حق تصرف بيترتب بالاتفاق مع موظف جوا البنك عشان ينقل ملكية ودائع كبيرة لاسم سارة بحجة أن أمي غير أهل للتصرف!
رجعت البيت وكأني مش عارف حاجة، لقيت سارة نازلة من فوق وبتقول بنبرة تمثيلية كلها حزن وهي بتعدل قميصها: «ياسين، الحقني.. ماما قامت الصبح مش عارفاني، ولما جيت أديها العلاج ضربت الكوباية من إيدي ووقعت على الأرض بتصرخ وتقول إن فيه ناس عايزين يأذوها! أنا خايفة عليها أوي، الدكتور لازم ييجي فورًا يكتب لها حجز في مصحة.»
مسكت نفسي بالعافية، وطبطبت على كتفها وقلت لها: «طب هدي نفسك يا سارة، تعالي نطلع لها سوا نشوف فيه إيه.»
طلعنا للطبقة الثانية، وفتحت سارة الباب وهي عاملة نفسها خايفة. أمي كانت قاعدة في زاوية الأوضة، حاطة إيديها على رأسها وبتتهز قدام وورا، وعينيها مظلمة تمامًا. أول ما شافت سارة، بدأت تصرخ بصوت مخنوق ومتقطع: «مين دي؟! انتي مين؟! اطلعي بره! فين ابني ياسين؟! انتوا أخدتم ياسين فين؟!»
سارة بصتلي بنظرة معناها «شفت بعينك؟» وقربت من أمي ببطء وهي بتقول بنبرة مزيفة: «يا طنط اهدي، أنا سارة مرات ياسين.. وده ياسين واقف قدامك أهو.»
أمي بصتلي بعينين فاضية تماماً، وقالت بجمود يرعب: «انت مش ياسين.. ياسين مات في الحرب من زمان! انتوا جايبين واحد شبهه عشان تاخدوا الشقة والمصاغ! ارجعوا بره!»
وفجأة زقت الكومودينو الصغير بجنبها فالأباجورة اترمات على الأرض واتكسرت ميت حتة.
سارة اتخضت ورجعت لورا خطوة، وقالتلي وهي بترتعش: «شفت؟ مش قلتلك؟ الحالة بتدهور بسرعة جداً، أنا مجهزة ورق المصحة والدكتور يستنى المكالمة بس عشان يبعت عربية الإسعاف.»
بصيت لأمي اللي كانت باصالي من تحت لفيها بعين فيها لمعة دهاء أبرد من التلج، ردت عليها بهدوء مرعب: «عندك حق يا سارة.. الحالة فعلاً متدهورة ومش هينفع نسكت أكتر من كده.. اتصلي بالدكتور فوراً ييجي يكتب التقرير.»
سارة ابتسمت ابتسامة انتصار سريعة جداً وحاولت تخفيها، وطلعت موبايلها فوراً واتصلت بالدكتور: «أيوة يا دكتور مدحت.. أيوة الأزمة رجعتلها تاني وبقت عدائية جداً وكسرت الأوضة ومشتتة.. ياريت تيجى فوراً بالتقرير اللي جهزناه.»
بعد أقل من ساعة، جيه الدكتور مدحت، راجل في الخمسينات، لابس نظارة ومبين على وشه الجدية والموضوعية المزيفة. قعدنا في الصالون، والدكتور أخرج ملف وقال بثقة: «أستاذ ياسين، أنا تابعت حالة الوالدة الفترة اللي فاتت بناءً على طلب مدام سارة، وللأسف الفحوصات والأعراض بتقول إنها بتعاني من خرف كبار السن المتقدم المصحوب بنوبات ضلالات واضطهاد، والحل الأمثل لسلامتها وسلامتكم إنها تتنقل للمصحة تحت إشرافي، ومحتاجين بس توقيعك على إقرار الوصاية المؤقتة لمدام سارة للتكفل بإجراءات العلاج والمصاريف.»
طلّع الدكتور الورق وحطه على السفرة، وسارة قدمتله القلم وهي بتبصلي بلهفة مكتومة. حطيت إيدي على الورق، وبصيت للدكتور وقلتله: «تمام يا دكتور.. بس قبل ما أوقع، حابب أسألك سؤال بسيط.. هي نوبات الخرف دي بتخلي المريض برضو يرفع قضية حجر أو يوقع على طلبات تحويل بنكي بتمانين ألف جنيه؟»
الدكتور اتهز في مكانه وعينيه اتسعت، وسارة وشها اصفرّ تماماً واللون هرب منه. كملت بصوت واطي وبارد: «وأعراض الخرف برضو بتخلي العلامات الزرقا وعلامات التقييد تظهر على إيد المريض بشكل منتظم كأنه كان مربوط لمدة أسبوع؟»
سارة وقفت فجأة وقالت بتوتر واندفاع: «ياسين! انت بتقول إيه؟! انت بتتهمني بإيه؟ أنا كنت بشيلها من الأرض لما تقع!»
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات ثابتة وناعمة نازلة من السلم. أمي كانت نازلة بكل هدوء، لابسة عبايتها الشيك، وطرحتها متظبطة بالملي، وعينيها فيها ثبات وقوة يهدوا جبل. مشيت بخطوات واثقة وقفت جنب السفرة، بصت لدكتور مدحت وقالت بنبرة حادة وصافية زي السيف: «أهلاً يا دكتور مدحت.. ولا أقولك يا دكتور الحسابات السرية؟ أخبار النسبة اللي سارة وعدتك بيها إيه من الوديعة اللي في بنك مصر؟»
الدكتور قام وقف وهو بيلعثم: «إيه الهبل ده! أنا دكتور محترم ومش هسمح بالإهانات دي!»
أمي ضحكت ضحكة خفيفة وقصيرة، وبصت لسارة وقالت: «أنا مش مجنونة يا سارة.. ولا عندي خرف. الأكل اللي كنتِ بتحطيلي فيه الدواء اللي بيوقف الأعصاب وبيخليني أدروخ وأنسى اسمي، كنت برميه في الورد اللي تحت الشباك من أول يوم. والتعب والتربيط اللي كنتِ بتعمليه فيا وأنا مش واعية عشان أوقع على أوراق التنازل، كنت بكتب كل تاريخ وساعة ولحظة عملتيه فيها في مذكرات صغيرة شايلاها في حتة عمرك ما هتفكري تدوري فيها.»




