
شفت ملك ماشية في الشارع وسط الناس، خطوتها قوية وشعرها النارين بيلمع تحت نور الشمس المباشرة، مش فارق معاها نظرات البياعين ولا كلام الجيران اللي كانوا بيتهامسوا عليها زمان. كانت ماشية مرفوعة الراس كأنها ملكة فعلاً، وزياد ماشى جنبها بيضحكوا سوا، والسلسلة الفضة بتاعة عمر بتلمع فوق صدرها مع كل خطوة.
في اللحظة دي، غمضت عيني ورفعت راسي للسما ودعيت لعمر بالرحمة، وأنا متأكدة إن روحه مرتاحة ومطمئنة دلوقتي.. لأن ملوكة ما بقتش خايفة من العالم، ولأن زياد أثبت إن الحب والجدعنة يقدروا يرجعوا الحياة لروح كانت خلاص بتنطفي.
عدّت الأسابيع، والبيت اللي كان دايماً ساكت ومظلم بقي يتملي كل يوم بعد الظهر بصوت ملك وزياد وهما قاعدين على سفرة الصالة وحواليهم الكتب والمذكرات. ملك كانت بتشرحله كل درس بضمير، تعيد وتزيد لحد ما تتأكد إن المعلومة ثبتت، وزياد كان بيسمعها بتركيز وهدوء كأنه بيحاول يردلها الجميل، وكل ما يلمح علامة تعب في عينها، كان يبتسم ويقولها: «كملي.. أنا معاكي ومش هسقط.»
في اليوم اللي زياد جاب فيه نتيجة الامتحانات التأجيلية، دخل علينا الشقة وهو بيجري على السلم وبيصرخ بفرحة طالعة من قلبه: «جبت 92% يا مدام نجلاء! نجحت وعوضت كل اللي فات!»
ملك كانت واقفة في الصالة، أول ما سمعته جريت عليه وحضنته، والضحكة كانت مالية العمارة كلها. لكن اللحظة الفاصلة بجد كانت يوم اختبار القدرات لملك في كلية الفنون الجميلة.
دخلت القاعة الكبيرة، ورصّت ألوانها وأوراقها بثبات. الدكتور المسئول عن الاختبار وقف في النص وقال للطلبة: «مطلوب من كل واحد يرسم لوحة تعبّر عن الأمل بعد الانكسار.. قدامكم ساعتين.»
ملك مسكت الفرشة، وإيدها ما اترعشتش ولا لحظة. ما رسمتش مناظر طبيعية ولا ورد زي بقية الطلبة. رسمت إيد ولد خشنة، فيها علامات نغزات إبر صغيرة وواضحة، ماسكة سلسلة فضة بتلمع، وطالع من بين صوابعه خيط نور ملفوف حوالين بنت شعرها أحمر صهباء واقفة بين الزحام وبتبتسم بكل كبرياء.
ولما الدكتور جه يمر بين الطاولات عشان يقيّم الأعمال، وقف قدام لوحة ملك أكتر من عشر دقائق من غير ما ينطق كلمة. بصلها بعمق وبعدين بص لملك وقالها بصوت هادي: «اللوحة دي مش مجرد رسم يا بنتي.. دي فيها روح، فيها وجع حقيقي اتحول لجمال. اسمك إيه؟»
ردت بنبرة قوية: «ملك عمر.»
ابتسم هز راسه وقالها: «مبروك يا ملك.. إنتي مكانك هنا من زمان.»
بعد أربع سنين، وفي المعرض السنوي لكلية الفنون الجميلة، كانت القاعة مليانة ناس وناقدين وفنانين كبار. اللوحة الرئيسية في المعرض كانت متغطية بستارة حمرة كبيرة. ملك وقفت في نص القاعة، وبصت للجمهور وقالت في المايك: «النجاح ده مش بتاعي لوحدي.. النجاح ده لروح أخويا عمر اللي علموني أحلم، ولصديق عمري زياد اللي علمني إن الحب والجدعنة يقدروا يرمموا أي روح مكسورة.»
شالت الستارة، والضوء نزل على الفستان الأوف وايت نفسه، معروض جوه صندوق زجاجي ضخم، وبجنبه الرسمة القديمة بتاعة عمر والسلسلة الفضة.
الناس كلها صفقت بحرارة هزت المكان، وزياد كان واقف في أول الصفوف، عينيه بتلمع بالدموع وهو بيبص لملك.. البنت الصهباء اللي التنمر حاول يكسرها زمان، بقت النهاردة بطلة قصتها، وأجمل وأقوى فنانة في المكان كله.
التصفيق فضّل شغال فترة طويلة في القاعة، والناس اتزاحمت حوالين الفترينة الزجاجية، كله عايز يتصور مع الفستان ويكلم ملك.
وسط الزحمة، قرب راجل أنيق باين عليه إنه صاحب أتيليه مشهور ومستثمر كبير في عالم الأزياء، بص للفستان بدقة وبعدين بص لملك وقال لها بإعجاب شديد: «الفستان ده والقصة اللي وراه يسووا ملايين يا أنسة ملك.. أنا مستعد أشتريهم منك دلوقتي بالرقم اللي تطلبيه، ونعمل خط إنتاج كامل باسمك في أكبر محلات القاهرة.»
ملك بصت للفستان الجميل المضيء جوه الإزاز، وبعدين بصت لزياد اللي كان واقف بعيد بيراقبها بابتسامة هادية، ورجعت بصت للراجل وابتسمت بثقة وقالت: «الفستان ده مش للبيع يا فندم، وما ينفعش يتعمل منه نسخة تانية.. الفستان ده اتخيط بحب ودموع ووفاء، والحاجات دي ملهاش تمن في السوق ولا تنفع تتقلد.»
الراجل هز راسه باحترام وانسحب، وزياد شق الزحمة وقرب من ملك بهدوء، طلع من جيب جاكيته علبة صغيرة وُحطها في إيدها.
ملك بصت للعلبة باستغراب وقالت بصوت واطي: «إيه ده يا زياد؟ إنت لسه عندك مفاجآت تانية؟»
زياد فتح العلبة بإيده.. ما كانش جواها خاتم ذهب ولا مجوهرات غالية، كان جواها مفتاح نحاس قديم ملفوف عليه شريط ستان أوف وايت، مقصوص من نفس القماش اللي اتعمل منه الفستان.
زياد بص في عينها وقال بصوت دافي فيه حنية الدنيا كلها: «ده مفتاح المحل الصغير اللي على ناصية الشارع جنب العمارة بتاعتنا.. المحل اللي كان مقفول من سنين. أنا اشتغلت أوفرايم مع دراستي في الهندسة طول السنة اللي فاتت، وأجرته وجهزته، وكتبت عليه من بره أتيليه (عمر).. من بكرة، المكان ده هيبقى بتاعنا سوا. إنتي تصممي وترسمي، وأنا أقص وأنفذ.. هنعمل فيه فساتين لكل بنت حاسة إنها مش شبه الناس، لكل بنت بيمر عليها وقت صعب وفكرا نفسها مش حلوة، هنخليهم كلهم يحسوا إنهم ملكات زي ما إنتي حسيتي في ليلة تخرجك.»
ملك فضلت بصة لمفتاح المحل ولشريط الستان، ودموعها نزلت من غير ما تحس، بس المرة دي كانت دموع أمل وفرحة نابعة من أعماق قلبها. رفعت عينها لزياد وقالت بصوت بيترعش من التأثر: «إنت بجد مش طبيعي يا زياد.. إزاي بتفكر في كل ده وتعمله من غير ما أنا أحس؟»
مسك إيدها وعصر عليها برفق وهو بيبتسم ابتسامته الهادية: «أنا مش بفكر لوحدي يا ملك.. أنا بس بنفذ اللي عمر كان هيعمله لو كان واقف وسطنا النهاردة، والنهارده تبدأ حكايتنا الحقيقية.»
أنا قربت منهم في اللحظة دي، وحضنتهم هما الاثنين وسط القاعة والأنوار بتلمع عليهم، وأنا حاسة إن الوجع اللي عشنا فيه السنين اللي فاتت داب تماماً، واتحول لشيء جميل هينور حياة ناس تانية كتير.. خرجنا من المعرض والمفتاح في إيد ملك، والشمس كانت بتشرق على يوم جديد مليان حياة ونجاح، وأمل ما ينطفيش أبداً.
تمت
حكايات انجى الخطيب

