
بنتي الصهباء الكل كان بيقرف من شكلها وبيتنمر عليها بس اللي حصل يوم تخرجها خلانا كلنا مصدومين.
صديق بنتي المقرّب عملها فستان حفلة التخرج بعد ما كل محلات الهدوم رفضت تبيع لها فستان … بس الحاجة اللي خبّاها جوه الفستان خلت كل اللي في القاعة يسكتوا ومحدش يعرف يقول كلمة.
كل محلات الفساتين في المنطقة تقريبًا رفضت تبيع لبنتي «ملك» فستان لحفلة التخرج.
واحدة من البياعات حتى بصّت لها من فوق لتحت وضحكت بسخرية لما ملك طلبت تقيس فستان كان معروض في واجهة المحل.
وقتها ملك ما ردتش عليها.
بس أنا شفت عيني بنتي وهي بتتكسّر قدامي.
الناس كانوا شايفين جسمها دلوقتي، لكن محدش كان شايف اللي حصل لها خلال السنة اللي فاتت.
من حوالي سنة، أخوها الكبير «عمر» مات في حادثة عربية وهو راجع من شغله.
عمر ماكانش مجرد أخ بالنسبالها.
كان صاحبها وأمانها والشخص الوحيد اللي كانت بتروح له لما القلق يخنقها.
كان دايمًا يناديها «ملوكة»، وكان بيهزر معاها ويقول لها:
«لو محدش رضي يروح معاكي حفلة التخرج، أنا هلبس بدلة وآجي آخدك بنفسي.»
لكن عمر مات.
والجملة دي فضلت معلقة في دماغها من يومها.
بعد وفاته، ملك اتغيّرت جدًا.
بقت بتقعد بالساعات في أوضتها، ومابقتش بتحب تنزل ولا تقابل حد.
أكلها بقى يوم كتير ويوم قليل.
ساعات كانت ترفض الأكل طول اليوم، وساعات تانية كانت تاكل من غير ما تكون جعانة، كأنها بتحاول تسكت الفراغ اللي عمر سابه وراه.
الحزن غيّر بنتي بطريقة أنا نفسي ماعرفتش أوصل لها.
وفي اليوم اللي رجعنا فيه من آخر محل فساتين، دخلت ملك أوضتها وقفلت الباب.
فضلت أخبط عليها بهدوء وأنا بحاول أتماسك.
ردت من ورا الباب بصوت مكسور:
«ماما… أنا مش رايحة الحفلة. أرجوكي بطّلي تسأليني.»
قعدت على الأرض قدام باب أوضتها.
ومقدرتش أمنع دموعي.
فضلت أعيط في صمت، وأنا حاسة إني عاجزة حتى عن إني أفرّح بنتي في يوم كانت مستنياه من سنين.
تاني يوم الصبح، سمعت خبط على باب الشقة.
فتحت…
لقيت «زياد».
زياد كان صاحب ملك من أيام المدرسة الإعدادية، وكان ساكن في العمارة اللي جنبنا.
هادئ جدًا، ومش بيحب يتكلم كتير، لكن عمره ما ساب ملك لوحدها في الفترة الصعبة اللي عدّت بيها.
بص لي وقال:
«مدام نجلاء… أنا محتاج مقاسات ملك.»
بصيت له باستغراب.
فقال بسرعة:
«حفلة التخرج بعد 11 يوم. وأنا هعمل لها الفستان.»
ضحكت من شدة دهشتي وقلت:
«إنت؟! هتعمل فستان؟»
هز راسه بثقة.
«أيوه.»
«بس إنت عندك 17 سنة يا زياد!»
«عارف.»
«وعمرك ما عملت فستان قبل كده.»
سكت لحظة، وبعدين قال:
«بس أنا أقدر أتعلم.»
وبعدها قرب مني وقال بصوت أوطى:
«بس لازم تثقي فيا… وماتقوليش لملك أي حاجة.»
كنت على وشك أرفض.
لكن كان في حاجة غريبة في نظراته.
كان باين عليه إنه مش بيعمل ده عشان يبان بطل قدامها.
كان بيعمله لأنه فعلًا عايز يشوفها تضحك تاني.
فوافقت.
ومن اليوم ده، بدأت أغرب 11 ليلة في حياتي.
كل ليلة، كنت أبص من البلكونة ألاقي نور أوضة زياد لسه شغال.
الساعة واحدة بالليل…
النور شغال.
الساعة تلاتة…
لسه شغال.
وأوقات كنت أصحى على صوت ماكينة الخياطة جاية من شقته.
وفي مرة، والدته قالت لي وهي بتضحك بحزن:
«إيده بقت كلها علامات من الإبرة والخياطة… ومش راضي يوقف.»
كان بيذاكر الصبح، وبعد المدرسة يشتغل على الفستان، وبالليل يكمل لحد الفجر.
حتى إنه أجّل مذاكرة امتحانين مهمين.
ولما والدته حاولت تمنعه، قال لها:
«الامتحان هيتعوض… بس ملك محتاجة تحس إنها لسه ليها مكان وسط الناس.»
اليوم اللي جه فيه حفلة التخرج، أنا نفسي ماكنتش عارفة الفستان هيطلع عامل إزاي.
القاعة كانت متزيّنة بالأنوار والبالونات، والأغاني شغالة، وكل الطلبة لابسين أحلى هدوم عندهم.
وزياد وصل متأخر شوية.
#انجي_الخطيب
كان لابس بدلة بسيطة اشتراها مستعملة من محل هدوم رجالي في وسط البلد، لكنه كان واقف بثقة غريبة.
وبعدها دخلت ملك.
وأنا أول ما شفتها…
اتحبست أنفاسي.
الفستان كان تحفة.
لونه أوف وايت، طويل، ونازل على طبقات ناعمة، وعليه وردات كبيرة متوزعة بطريقة تخلي الفستان شكله راقي جدًا، من غير ما يكون مبالغ فيه.
ملك كانت واقفة قدام باب القاعة ومش مصدقة نفسها.
وأول مرة من سنة كاملة…
بنتي وقفت قدام المراية من غير ما تحاول تخبي جسمها.
بصّت لنفسها.
ابتسمت.
وبعدين دموعها نزلت.
زياد قرب منها وقال بهدوء:
«أنا قولتلك هخليكي تحسي إنك أحلى واحدة في المكان.»
ملك ضحكت وسط دموعها.
ولأول مرة من بعد وفاة عمر…
ضحكت من قلبها.
لكن زياد ماكنش خلّص المفاجأة.
بعد شوية، مشي ناحية الـDJ، وطلب منه الميكروفون.
الموسيقى وقفت.
كل اللي في القاعة بصّوا له.
زياد مسك الميكروفون وقال:
«أنا محتاج أقول حاجة.»
وبعدين بص ناحية ملك.
«ملك… ممكن تبصي تحت أكبر وردة في الفستان؟»
وشها اتغيّر.
بصت له باستغراب.
«إيه؟»
قال:
«اعملي اللي بقولك عليه بس.»
ملك قربت إيدها من أكبر وردة في الفستان.
إيدها كانت بتترعش.
دخلت صوابعها جوه طبقات القماش…
وفجأة لمست حاجة.
حاجة متخبّية بعناية.
سحبتها.
وأول ما شافتها…
صرخت.
صرخة خلت كل الناس في القاعة تسكت.
حتى الموسيقى وقفت تمامًا.
ملك فضلت واقفة مكانها وهي ماسكة الحاجة بإيدين مرتعشتين.
وبعدين رفعتها قدام الكل.
وأول ما كل اللي في القاعة شافوا هي إيه…
القاعة كلها غرقت في صمت تام.
لأن زياد ماكانش خبّى مجرد هدية في الفستان…
كان خبّى حاجة مرتبطة بعمر…
حاجة محدش كان يتخيل إنها لسه موجودة.
وحاجة لو ملك عرفت الحقيقة اللي وراها…
حياتها كلها هتتغير.
#انجي_الخطيب
اللي كانت ماسكاه ملك في إيدها كان ورقة مطوية متغلفة بجراب بلاستيك صغير، وملفوف حواليها السلسلة الفضة بتاعة عمر… السلسلة اللي دورنا عليها في كل حتة بعد الحادثة وما لقيناهاش، وكانت الحاجة الوحيدة اللي فاضلة من ريحته وكان دايماً لابسها في رقبته.
ملك فتحت الورقة بصوابع بترتعش، وشافت رسمة بالرصاص… كانت رسمة دقيقة جداً لنفس الفستان اللي هي لابساه دلوقتي، بنفس كشكشة الطبقات، ونفس الوردة الكبيرة اللي على الجنب، وتحت الرسمة مكتوب بخط عمر اللي هي حافظاه زي اسمها: «عشان حفلة تخرج ملوكتي.. الفستان ده هيخليها أميرة، وأنا هكون أول واحد يرقص معاها.»
صوت زياد طلع في المايك وكسر الصمت المطبق اللي كان في القاعة، قال وصوته مخنوق بالدموع: «عمر ما ماتش وهو راجع من شغله يا ملك.. عمر يوم الحادثة كان راجع من عند خياط قديم في وسط البلد، كان رايح يسلمه الرسمة دي ويشيل القماش عشان يبدأ يعملك الفستان بنفسه. الحادثة حصلت وهو شايل الورقة والسلسلة في جيبه. ولما قعدت جنبه في المستشفى في لحظاته الأخيرة، مسك إيدي وعصرها وقال لي: زياد.. الفستان ده لازم يكمل، أوعدني إن ملوكة مش هتزعل ولا هتحس إنها لوحدها يوم تخرجها.»
القاعة كلها اتجمدت، ومحدش كان قادر يتنفس من هول التأثر.
زياد كمل وهو بيبتسم بدموع نازلة على خده: «الـ 11 يوم اللي فاتوا ماكنتش بتعلم فيهم الخياطة بس يا ملك.. أنا كنت بنفّذ وصية أخوكي خطوة بخطوة. وبطانة الوردة الكبيرة اللي إنتي ماسكاها دي، أنا قطعتها وثبتها من الجاكيت الجينز بتاع عمر اللي كان دايماً بيلبسه لما ياخدك في حضنه. الفستان ده مش أنا اللي عملته.. الفستان ده عمر هو اللي صممه، ورسمه، وبعتلك حتة منه عشان يكون معاكي الليلة دي.»
ملك حطت الورقة والسلسلة على صدرها، وبصت للوردة، وحطت وشها فيها وشَمّت القماش كأنها بتستنشق ريحة أخوها اللي غاب. الانكسار والخوف اللي كانوا مكتومين جوة عينها من سنة كاملة اتلاشوا في ثانية، وحل مكانهم طمأنينة وراحة غريبة مشوفتهاش عليها قبل كده.
ما ردتش بكلمة واحدة، لكنها جِريت على زياد واترمت في حضنه وبكيت بصوت عالٍ، بكاء واحد بيلاقي أمانه بعد طول توهة وغربة.
الدموع نزلت من عين كل واحد كان واقف في القاعة، والتصفيق بدأ بهدوء وبعدين ملأ المكان كله بحرارة هزت الحيطان، حتى الناس اللي كانت بتبص لها بسخرية زمان وطيوا رؤوسهم في الأرض من الخجل والذهول.
أنا ما حسيتش بنفَسي غير وأنا بجري عليهم وبضمهم هما الاثنين في صدري، وأنا حاسة بقلبي بيرجع ينبض من جديد، ومقتنعة إن عمر كان واقف معانا في اللحظة دي.. بيبتسم، وشايف ملوكته وهي أحدث وأجمل عروسة في القاعة كلها.
الموسيقى رجعت تشتغل تاني في القاعة، بس المرة دي كانت هادية وخفيفة، كأن كل حاجة حوالينا بتقول لملك إن الكابوس انتهى.
أول ما اسم «ملك عمر» اتقال في الميكروفون عشان تطلع تستلم شهادة تخرجها، القاعة كلها قامت على حيلها. التصفيق كان طالع من الكل، حتى البياعة بتاعة محل الفساتين اللي كانت حاضرة مع بنتها وكانت بتبص لملك بكسوف ومش قادرة ترفع عينها فيها.
ملك مشيت ناحية المسرح، مش دي البنت اللي كانت خايفة تخرج من باب أوضتها من كام يوم. كانت ماشية ورافع راسها، خطواتها ثابته، والسلسلة الفضة بتلمع فوق الفستان مع كل حركة.
وقفت فوق المسرح، مسكت الشهادة بإيد، وبالإيد التانية ضمت الوردة اللي فيها القماش والسلسلة على قلبها. بصت لسقف القاعة وللأنوار، وشفايقها اتحركت بصوت واطي محدش سمعه غيري: «عملناها يا عمر.. أخيراً عملناها.»
ولما نزلت من على المسرح، ما راحتش تقعد مع زمايلها، راحت مباشرة لزياد اللي كان واقف ورا في آخر القاعة، ساند ضهره على الحيطة وبيتفرج عليها بابتسامة تعب ورضا.
قربت منه وقالت بصوت هادي وفيه نبرة ما سمعتهاش منها من سنة: «إنت عملت ده إزاي يا زياد؟ إزاي قدرت تشيل كل ده لوحدك وتطلّع منه حاجة بالجمال ده؟»
زياد حط إيده في جيب بنطلونه وابتسم: «عمر هو اللي عمل كل حاجة يا ملك.. أنا مجرد إيد كملت الرسمة مش أكتر. وبعدين.. أنا وعدته، وأنا مش بخلف وعدي مع صاحبي.»
ملك مسكت إيده وعصرت عليها جامد: «ولا معايا.. إنت عمرك ما خذلتني.»
رجعنا البيت الفجر. الشارع كان هادي تماماً، ملك دخلت أوضتها، قلعت الفستان بحرص شديد كأنه حاجة غالية أوي، علقته في نص الأوضة، وحطت الرسمة والسلسلة جوه برواز خشبي صغير وحطته على الكومودينو جنبه.
دخلت عليها وأنا شايلة كباية شاي، لقيتها قاعدة على طرف السرير بتبص للفستان وابتسامة هادية على وشها.
قعدت جنبها وحطيت إيدي على شعرها الصهباء اللي كانت دايماً بتحاول تداريه: «سرحانة في إيه يا ملوكة؟»
بصت لي، وعينيها كانت بتلمع بالنور لأول مرة من زمان: «سرحانة في إن الحزن اللي كان خنقني السنة دي كلها مشي النهاردة يا ماما.. عمر مش غايب، عمر كان معايا في القاعة اليوم ده.»
سكتت لحظة وبعدين كملت وهي بتبتسم بثقة: «أنا مش هقعد في الأوضة تاني خلاص.. بكرة الصبح نازلة أقدم في الكلية اللي كان نفسي أدخلها.»
حضنتها جامد، وفي اللحظة دي عرفت إن بنتي مش بس لبست أحلى فستان في الحفلة.. بنتي خفت واتولدت من جديد.
الصبح جه بضوء جديد نزل على الشقة، ضوء مختلف تماماً عن كآبة الأيام اللي فاتت.
صحينا على صوت حركة في أوضة ملك.. الحركة اللي كانت اختفت من سنة كاملة.
خرجت من أوضتها لابسة هدوم بسيطة ومرتبة، ولأول مرة من يوم الحادثة، كانت مسرحة شعرها الصهباء ومسيباه على ضهرها بطبيعته، من غير ما تحاول تداريه ولا تلمه عشان تهرب من نظرات الناس وتنمرهم.
بصت لي وابتسمت، ورفعت ملف أوراقها اللي كان مركون على المكتب وغرقان تراب: «أنا جاهزة يا ماما.. رايحة أقدم في كلية الفنون الجميلة، المكان اللي كان عمر دايماً يقولي إن موهبتي ورسمي هيتحبوا فيه.»
وقبل ما تفتح باب الشقة عشان تنزل، سمعنا خبطة خفيفة على الباب.
فتحت، لقيت زياد واقف. كان باين عليه التعب الشديد، وشها شاحب وعينيه مجهدة من سهر 11 ليلة متواصلة، لكن كان فيه في عينيه رضا وراحة عجيبة. كان ماسك في إيده مذكرات وكتب، ولابس شنطته عشان يلحق درسه والامتحانات التأجيلية اللي وراه.
ملك بصت له، وعينها جت على صوابعه اللي لسه فيها علامات نغزات الإبر، وقالت له بصوت دافي: «إنت رايح فين يا زياد في الحر ده وهو شكل تعبان كده؟»
زياد ابتسم بكسوف وقال: «عندي امتحان بعد ساعتين.. قلت أعدي أطمن إنك قمتي بالسلامة وأشوفك قبل ما أنزل.»
ملك قربت منه، شدّت المذكرات من إيده بهدوء وقالت بصرامة حلوة وثقة: «تخلص امتحانك وترجع على هنا فوراً.. من النهاردة أنا اللي هقعد أذاكرلك وأشرحلك كل الدروس اللي فاتتك لحد ما تعوض كل نقطة خسرتها بسبب الفستان. زي ما شلتني في أكتر وقت كنت مكسورة فيه.. أنا هفضل جنبك لحد ما تنجح وبأعلى مجموع.»
زياد بصلها بذهول، وبعدين ضحك من قلبه.. ضحكة صافية طالعة من واحد حس إن كل نقطة دم ووجع في إيده ما راحتش هدر.
نزلوا هما الاثنين مع بعض من العمارة، وأنا طلعت وقفت في البلكونة أراقبهم.




