منوعات

مراتي كانت في غيبوبة بقالها ٦ سنين

مراتي كانت في غيبوبة بقالها ست سنين، لما بدأت تحصل حاجات مستحيلة جوه بيتنا. هدومها كانت بتتغير وأنا مش واخد بالي، وبرفانها اللي محدش لمسه من سنين بدأت ريحته تملى أوضة النوم بالليل. ولما في الآخر عملت نفسي مسافر شغل ورجعت البيت في الضلمة من غير ما حد يعرف، وقفت تحت شباك أوضتها وبصيت لجوه… اللي شوفته خلّى الدم يتجمد في عروقي.
بالظبط الساعة 1147 كل ليلة، كان بيتنا بيبقى فيه ريحة كحول طبي ممزوجة بريحة خشب الصنوبر القديم.
ريحة غريبة على بيت عيلة هادي… كأن بيتنا اتحول غصب عنه لمستشفى صغيرة.
بعد ست سنين، كنت خلاص اتعودت أعيش وسط الريحة دي، لأنها ببساطة بقت جزء من حياتي مع ندى.
من ست سنين، أنا وندى كنا راجعين بالعربية من عشا متأخر في إسكندرية.
وكنا بنتخانق.
مش خناقة كبيرة، ولا كان فيه بينا خيانة أو مصيبة.
بالعكس…
كنا بنتخانق على حاجة عادية جدًا، من الحاجات اللي أي اتنين متجوزين ممكن يختلفوا عليها.
ندى كانت عايزة ننقل نسكن في مكان أقرب لشغلها، وأنا كنت متردد أسيب شغلي أو أغير حياتي كلها علشان النقلة دي.
واتحول الكلام بينا لسؤال أكبر
هل ممكن اتنين يكونوا بيحبوا بعض فعلًا، وفي نفس الوقت كل واحد فيهم عايز مستقبل مختلف تمامًا عن التاني؟
وفجأة…
الدنيا كلها اتقلبت.
نور كشافات عربية ضرب في الزجاج الأمامي بقوة.
سمعت صوت كلاكس مرعب جاي من جنبنا.
وفي ثانية واحدة، العربية زحفت بالعرض على الطريق.
حاولت أتحكم في الدركسيون…
لكن مفيش فايدة.
وبعدها سمعت صوت الحديد وهو بيتطبق حوالينا.
صوت عمري ما نسيته.
ولا هنساه.
ندى مافتحتش عينيها في الإسعاف.
ولا في المستشفى.
ولا اليوم اللي بعده.
الدكاترة قالوا إنها دخلت في غيبوبة.
وبعد فترة، واحد من الدكاترة استخدم قدامي تعبير أقسى بكتير.
قال بصوت واطي
حالة إنباتية مستديمة.
قالها بهدوء شديد، لدرجة إني تمنيت إني ماكنتش سمعته.
الدكاترة نصحوني أنقل ندى لمركز رعاية طويل الأجل.
قالوا إن ده هيكون أكثر أمانًا ليها، وإن المكان هناك مجهز لحالات زي حالتها، وإن وجودها في مؤسسة طبية متخصصة

هو الاختيار الأكثر ملاءمة.
كانوا بيتكلموا كأن الحب والإخلاص ممكن يتحسبوا بتعليمات المستشفى.
أنا رفضت.
وخدت مراتي ورجعت بيها البيت.
ومن اليوم ده، حياتي كلها اتغيرت.
كل صباح كنت بسخن طبق كبير من الميه، وأجيب فوطة ناعمة، وأغسل وش ندى بهدوء.
أحط الكريم على إيديها.
أسرّح شعرها.
وأتكلم معاها.
كنت بحكيلها عن حاجات عادية جدًا.
لأن الحاجات العادية هي اللي كانت محافظة على عقلي.
كنت أقول لها مثلًا
الراجل جارنا أخيرًا صلح السور المعوج اللي قدام البيت… فاكرة السور اللي كنتي بتقولي عليه شكله زهق من الوقوف؟
وأضحك.
رغم إني عارف إنها مش هترد.
أوقات كنت أقعد جنب سريرها وأقرأ.
وأوقات تانية ماكنتش بعمل أي حاجة.
كنت بس أقعد جنبها وأسمع صوت جهاز الأكسجين، ومعاه صوت الطقطقة الخافتة المنتظمة لمضخة التغذية.
مع مرور السنين، الصوت ده بقى إيقاع حياتي.
لأن في كل مرة كان بيتوقف فيها فجأة…
كنت بحس إن قلبي هو كمان وقف.
كانت فيه ممرضة اسمها مدام سامية بتيجي كل يوم من الساعة تسعة الصبح لحد الساعة تلاتة العصر.
كانت قرب الستين سنة.
ست صريحة جدًا، كلامها مباشر، لكن قلبها طيب.
وكانت دايمًا ريحتها فيها لمسة خفيفة من النعناع بسبب الشاي اللي كانت بتشربه طول اليوم.
كانت بتسجل كل تفصيلة تخص حالة ندى بعناية شديدة.
النبض.
الضغط.
التغذية.
الأدوية.
أي تغير، حتى لو بسيط.
وكانت كل ما تشوفني برفع ندى أو بحاول أدخل دراعها جوه كم البلوزة تقول لي
يا محمود، إنت كده هتبوظ ضهرك خالص.
فكنت أرد عليها
ما أنا باظت مني حاجات كتير أصلًا.
ونضحك إحنا الاتنين…
ونعمل نفسنا مصدقين إني بهزر.
لكن بالليل…
كنت أنا وندى لوحدنا.
على الأقل…
ده اللي كنت فاكره.
من حوالي تلات شهور، دخلت أوضة ندى قرب نص الليل.
وأول ما دخلت…
وقفت مكاني.
الصبح، أنا فاكر كويس جدًا إني كنت ملبسها بلوفر رمادي فيه زراير صغيرة شبه اللؤلؤ.
أنا اللي لبستهولها بإيدي.
لكن دلوقتي…
ندى كانت لابسة كارديجان أزرق.
كارديجان أنا أصلًا ماكنتش بحبه.
كنت بكرهه لأن القماش بتاعه كان دايمًا بيتعلق في ضوافرها.
فضلت واقف كام ثانية ببص لها من غير ما أفهم.
وبعدين قلت لنفسي
أكيد أنا تعبان.
ست سنين من النوم المتقطع كفاية تخلي أي إنسان ينسى هو عمل إيه من كام ساعة.
يمكن أنا اللي غيرت هدومها ونسيت.
يمكن مدام سامية غيرتها وأنا نسيت إنها قالت لي.
أي تفسير منطقي…
كان أحسن من السؤال اللي بدأ يدخل دماغي.
لكن وأنا هخرج من الأوضة، عيني وقعت على سلة الغسيل.
وقفت.
وقربت منها.
البلوفر الرمادي كان جوه السلة.
لكن مش مرمي.
كان متطبق بعناية شديدة على شكل مربع كامل.
إيدي بدأت تترعش.
لأن أنا عمري ما كنت بطبق الهدوم بالطريقة دي.
أنا كنت من النوع اللي يرمي الهدوم في سلة الغسيل، أو يحشرها في الدرج وخلاص.
لكن ندى…
قبل الحادث…
كانت بتطبق كل حاجة بالطريقة دي بالظبط.
كانت عندها هوس غريب بالنظام.
كل قطعة هدوم لازم تتطبق بنفس المقاس تقريبًا.
نفس الزوايا.
نفس الترتيب.
وقفت قدام السلة وأنا ببص للبلوفر.
وقلبي بيدق بسرعة.
تاني يوم الصبح، أول ما مدام سامية وصلت، سألتها فورًا
إنتي غيرتي هدوم ندى امبارح؟
بصت لي باستغراب.
لأ.
متأكدة؟
بصت في الورق اللي في إيديها وقالت
طبعًا متأكدة.
قلت
كانت الصبح لابسة البلوفر الرمادي، ولما دخلت لها بالليل لقيتها لابسة الكارديجان الأزرق.
مدام سامية رفعت عينيها وبصت لي.
وبعدين قالت
أنا مغيرتش هدومها.
سكت شوية.
فقالت
وبعدين أنا أصلًا مالمسش سلة الغسيل بتاعتها يا محمود. دي منطقتك إنت.
حاولت أضحك.
لكن ماعرفتش.
وبعدها…
ظهر البرفان.
كان لندى زجاجة برفان مفضلة.
ريحة دافية فيها لمسة دخان خفيفة.
الزجاجة كانت موجودة على التسريحة من يوم الحادث.
ست سنين كاملة.
ولا مرة قدرت أرش منها.
كنت عارف إن مجرد إني أشم ريحتها ممكن يخليني أتخيل إن ندى لسه ماشية في البيت.
والمشكلة إن التظاهر إنها لسه عايشة حياتها الطبيعية كان أوجع بالنسبالي من إني أتقبل صمتها.
لكن في ليلة…
فتحت باب أوضة ندى.
وفي اللحظة اللي دخلت فيها…
الريحة ضربت في وشي.
برفان ندى.
برفان مرشوش من قريب.
وقفت عند الباب.
ماكنتش قادر أتحرك.
شميت تاني.
مفيش شك.
نفس البرفان.
قربت من ندى بسرعة.
شميت شعرها.
ريحة الشامبو بس.
قربت من رقبتها وإيديها.
ريحة كريم الشوفان اللي كنت بحطهولها كل صباح.
البرفان…
ماكنش عليها.
الريحة كانت في الهوا نفسه.
كأن شخص كان واقف جنب سريرها من ثواني…
ورش البرفان…
وخرج قبل ما أدخل مباشرة.
في الليلة دي، لأول مرة، دخلت دماغي فكرة غير منطقية تمامًا.
يمكن…
يمكن روح ندى بتتحرك في البيت.
يمكن لأنها محبوسة في جسدها بقالها ست سنين.
يمكن أنا اللي رافض أسيبها تمشي.
يمكن هي بتحاول تقول لي حاجة.
لكن كان فيه احتمال تاني.
احتمال أخوف بكتير.
إن فيه شخص من لحم ودم بيدخل أوضة مراتي وأنا فاكر إننا لوحدنا في البيت.
ومن اللحظة دي، قررت أعرف الحقيقة.
لكن ماينفعش أفضل صاحي ومستني.
لو فيه حد فعلًا بيدخل البيت، أكيد عارف مواعيدي.
وعارف إني موجود.
وعارف مواعيد الممرضة.
علشان كده عملت خطة.
قلت لكل الناس إني مسافر شغل.
حتى مدام سامية عرفت إني مسافر.
جهزت شنطتي.
حطيتها في العربية.
وخرجت من البيت في المعاد اللي قلت لهم عليه بالظبط.
سقت بالعربية بعيد.
لكن أنا ماكنتش مسافر.
استنيت لحد ما الدنيا ضلمت.
وبعدين رجعت.
ركنت العربية بعيد عن البيت علشان محدش يشوفها.
وكملت باقي الطريق على رجلي.
ماكنتش عايز أفتح الباب.
ولا أشغل نور.
ولا أعمل أي صوت يخلي الشخص اللي جوه يعرف إني رجعت.
لفيت حوالين البيت لحد ما وصلت لشباك أوضة ندى.
كانت الساعة…
1147 بالليل.
نفس الوقت تقريبًا اللي كنت دايمًا بحس فيه إن ريحة البيت بتتغير.
قعدت تحت الشباك.
وضهري لازق في الحيطة.
وقلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت خايف الشخص اللي جوه يسمعه.
فضلت ثواني أحاول آخد نفسي بهدوء.
وبعدين…
رفعت راسي ببطء.
سنتيمتر ورا سنتيمتر.
لحد ما عيني بقت في مستوى الزجاج.
بصيت جوه أوضة مراتي.
وفي اللحظة دي…
جسمي كله اتجمد.
كان فيه شخص جوه الأوضة.
واقف عند سرير ندى.
وأنا واقف بره الشباك…
بتفرج عليه.
واللي شوفته بعدها…
خلّى الدم يتجمد في عروقي.
الجزء الثاني
لثواني، نسيت إزاي آخد نفسي.
كان فيه ست قاعدة جنب سرير ندى.
الأباجورة اللي فوق التسريحة كانت منورة نور خافت ودافي، عامل دايرة صغيرة بلون ذهبي جوه الأوضة. ومن مكاني تحت الشباك، ماكنتش شايف غير ضهرها في الأول.
شعر غامق مربوط براحة عند رقبتها.
بلوفر لونه

أوف وايت.
وإيد واحدة محطوطة فوق الغطا جنب دراع ندى.
ماكنتش بتلمس الأجهزة.
ماكنتش بتفتش في الأدراج.
وماكنتش بتتصرف زي حرامية دخلت البيت.
كانت…
بتتكلم.
بصوت واطي.
رفعت نفسي شوية أكتر.
وفجأة الست لفت راسها.
قلبي وقع.
سلمى؟!
سلمى، أخت ندى الصغيرة، ماكنتش دخلت بيتي بقالها تقريبًا خمس سنين.
رجعت لورا من عند الشباك وأنا متلخبط، ورجلي خبطت في طرف حوض الزرع، وكنت هقع فوق شجيرات الورد اللي ندى نفسها زرعتها الصيف اللي قبل الحادثة.
وللحظة غريبة جدًا، فضلت واقف في الضلمة، ببص ناحية الشباك المنور وكأني ممكن أكون بتخيل.
وبعدين لفيت ناحية باب البيت.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدخل المفتاح في القفل.
دخلت.
البيت كان صوته زي كل ليلة.
الهمهمة الهادية بتاعة الأجهزة في أوضة ندى.
صوت التلاجة وهي بتشتغل وتفصل.
والدفاية القديمة وهي بتعمل طقطقة معدنية خفيفة.
لكن المرة دي كان فيه صوت تاني.
صوت ست.
سلمى كانت بتقول
وماما لحد دلوقتي مصرة إن الفطيرة ما اتحرقتش. بتقول اتحمرت زيادة بس. أصل طبعًا فيه فرق كبير لما تكوني إنتي اللي نسيتيها في الفرن!
دخلت الأوضة.
سلمى قامت بسرعة لدرجة إن رجلين الكرسي حكوا في الأرض بصوت عالي.
وشها شحب.
ولا أنا اتكلمت.
ولا هي.
خمس سنين غيروها.
ظهر حوالين عينيها خطوط بسيطة ماكنتش موجودة قبل كده، وشعرها بقى أقصر.
بس لسه عندها نفس حواجب ندى.
ونفس الدقن الرفيعة.
ونفس الحركة اللي كانت ندى بتعملها لما تتقفش في حاجة وماتبقاش عارفة تقول إيه.
بصيت عليها.
وبعدين بصيت على ندى.
الليلة دي ندى كانت لابسة بلوزة خضرا ناعمة.
وأنا قبل ما أخرج، كنت ملبسها قميص نوم أبيض.
وعلى التسريحة…
كانت زجاجة البرفان.
والغطا الفضي بتاعها محطوط جنبها.
قلت
سلمى.
قالت بسرعة
أنا أقدر أشرح.
قلت ببرود
ياريت.
بصت لندى قبل ما تبصلي.
أنا كنت فاكرة إنك في القاهرة.
قلت
وأنا كنت فاكر إن مفيش حد بيدخل بيتي بالليل.
ملامحها اتشدت.
كنت عايز أتعصب.
ولأسابيع أنا كنت مرعوب من احتمالات كل يوم أغرب من اللي قبله.
كنت بقفل الشبابيك مرتين قبل ما أنام.
غيرت كالون الباب الخلفي.
ووصل بيا التفكير إني يمكن بدأت أفقد عقلي من كتر الحزن.
وفي الآخر…
أخت مراتي كانت داخلة خارجة من بيتي من غير ما أعرف.
سألتها
بتدخلي إزاي؟
وطت عينيها.
من باب المطبخ.
باب المطبخ مقفول.
معايا مفتاح.
قلت
إنتي ماعندكيش مفتاح.
فتحت شنطتها وطلعت مفتاح وحطته فوق التسريحة.
عرفته فورًا.
الغطا المطاط الأزرق الباهت.
مفتاح ندى الاحتياطي القديم.
قالت
ندى ادتهولي من سنين… قبل الحادثة.
فضلت باصص عليه.
قلت
بقالك تلات شهور بتيجي؟
قالت
تقريبًا أربعة.
وإنتي اللي بتغيري هدومها؟
ساعات.
والبرفان؟
آه.
والبلوفر اللي كان متطبق؟
سلمى بلعت ريقها.
آه.
المفروض الإجابات دي كانت تريحني.
لكن اللي حسيت بيه كان أعقد.
راحة مخلوطة بخيانة.
امتنان مخلوط بغضب.
قلت
ليه؟
سلمى بعدت الكرسي شوية عن السرير.
كأن المسافة بينا هتخلي الكلام أسهل.
علشان كنت عايزة أشوف أختي.
قلت
كان ممكن تخبطي على الباب.
بصتلي.
جربت مرة.
وفجأة افتكرت.
من خمس سنين.
كان يوم شتوي رمادي.
وماكانش فات على الحادثة سنة.
سلمى جت البيت ومعاها كيس من المخبز اللي ندى كانت بتحبه.
وأنا وقتها كنت بنام ساعتين أو تلاتة في اليوم بالعافية.
وأي حد كان يكلمني عن ندى كنت بحس إنه بيتهمني، حتى لو ماقصدش.
سلمى وقتها قالت يمكن الأفضل ننقل ندى لمركز تأهيل متخصص.
وأنا ما سمعتش من كلامها كله غير جملة واحدة
إنت مش هتقدر تعمل ده للأبد.
فطردتها.
بعدها بعتتلي رسائل.
ما رديتش.
وبعدين الرسائل قلت.
وبعد كده وقفت خالص.
قلت بصوت أهدى
أنا عارف إني ماكنتش سهل في الكلام وقتها.
قالت
لأ.
قالتها بهدوء.
وده خلّاها توجع أكتر.
قلت
بس ده برضه ما يفسرش إنك تتسللي بيتي.
بصت على ندى.
ماكنتش عايزة خناقة تانية.
فشايفة إن دخول البيت من غير إذن أحسن؟
قالت
جيت مرة. وبعدها المرة بقت اتنين.
مشيت لحد آخر سرير ندى.
البلوزة الخضرا اللي سلمى اختارتها كانت واحدة من البلوزات اللي ندى كانت بتحب تلبسها يوم الجمعة.
فاكر إني كنت برخم عليها وأقول لها
هو لازم كل حاجة عندك تتكوى؟
وكانت ترد
فيه ناس لسه مؤمنة إن الحضارة تستاهل نحافظ عليها.
بصيت لسلمى.
قلت
إنتي بتلبسيها هدومها القديمة.
آه.
ليه؟
ترددت.
وبعدين فتحت شنطتها تاني.
المرة دي طلعت نوتة صغيرة سودا.
فتحتها.
كانت الصفحات مليانة تواريخ وملاحظات.
قلت
إيه ده؟
قالت
حاجة كان المفروض أوريهالك من بدري.
بدأ صبري يخلص.
سلمى.
رفعت عينيها وقالت
أنا شايفة إن ندى بتستجيب لبعض الحاجات.
كل الأفكار في دماغي وقفت.
قلت
إيه؟
قالت بسرعة
مش كل مرة. وأنا مش بقول إنها فاقت. أنا عارفة الدكاترة قالولك إيه، وعارفة قالولنا كلنا إيه. بس لما بدأت أجيلها، جبت لها حاجات كانت تعرفها.
زي إيه؟
موسيقى. برفان. حكايات. هدوم.
بصيت على زجاجة البرفان.
قلت
يعني البرفان ماكنش ليكي.
لأ.
إنتي اللي كنتي بترشيه.
على منديل. عمري ما رشيته عليها مباشرة.
ما رديتش.
فتحت النوتة.
قالت
23 مارس. شغلتلها الأغنية السخيفة اللي كانت بتحبها أيام الجامعة.
قلت
أنهي أغنية سخيفة؟ ما هي كان عندها كتير.
غصب عني كنت هبتسم.
كملت
جفونها اتحركت كذا مرة أثناء الكورس.
قلت
ده ممكن يحصل.
عارفة. الممرضين شرحولنا موضوع ردود الأفعال من سنين.
قلبت صفحة.
30 مارس. سألتها فاكرة لما بابا وقع ديك الرومي بتاع العزومة؟
افتكرت القصة.
أبو ندى فتح الفرن، فالديك الرومي وقع منه واتزحلق في المطبخ، والكلب عاش أسعد نص دقيقة في حياته.
قالت سلمى
تنفسها اتغير.
قلت
وده برضه ممكن يحصل.
عارفة.
قلبت صفحة تانية.
4 أبريل. مسكت إيدها وطلبت منها تضغط على إيدي.
قلبي بدأ يدق أسرع.
قالت
ما عملتش حاجة.
وللحظة حسيت براحة، وكرهت نفسي على الإحساس ده.
لكن سلمى كملت
بس لما قلتلها ندى، لو سامعاني حركي صباع الإبهام… أنا حسيت إنه اتحرك.
قلت
إنتي حسيتِ.
قالت
آه.
وبقالك شهور مستنية أي علامة.
رفعت عينيها.
وإنت كمان.
الكلمة نزلت بينا بهدوء.
لفيت وشي.
كانت عندها حق.
سنين وأنا بدرب نفسي ما اعتبرش كل حركة معناها حاجة.
لأن الأمل لما يبقى من غير مكان يروح له، بيتحول لعذاب.
في الأول، كانت عيني ندى تفتح فجأة.
وكنت أقول لنفسي إنها بتبصلي.
الدكاترة قالوا دي دورات نوم وصحيان.
كان فمها يتحرك أوقات، وأتخيل إنها بتحاول تتكلم.
قالوا رد فعل لا إرادي.
ومع الوقت…
كان لازم أتعلم الفرق بين اللي نفسي يكون حقيقي واللي حقيقي فعلًا.
قلت
كان لازم تقوليلي.
قالت
كنت خايفة تقول إني بتخيل.
غالبًا كنت هقول.
عارفة.
بصيت لندى.
قلت
مدام سامية تعرف؟
لأ.
أي دكتور؟
لأ.
يعني كله مبني عليكي إنتي.
قالت
آه. علشان كده فضلت أجيلها. كنت عايزة يبقى عندي ملاحظات كفاية قبل ما أقول حاجة. مش مجرد إني نفسي أصدق.
قفلت النوتة.
مسحت وشي بإيديا.
جزء مني كان عايز يطرد سلمى.
وجزء تاني كان عايز يقعد من التعب.
لكن الجزء اللي جوايا كزوج…
كان عايز حاجة واحدة.
قلت
وريني.
رفعت عينيها.
إيه؟
اللي بتعمليه. وريني.
رجعت الكرسي جنب ندى.
فضلت دقايق ماعملتش حاجة مميزة.
ظبطت الغطا.
شالت خصلة شعر من على جبين ندى.
وبعدين قربت منها.
وقالت
يا نودي…
الاسم ده ماكانش حد بينادي ندى بيه غير سلمى.
محمود موجود معانا النهارده.
كنت واقف جنب التسريحة، ضامم دراعاتي.
ابتسمت سلمى.
شكله متعصب، يعني الدنيا رجعت طبيعية.
مفيش حاجة حصلت.
صوت الجهاز مستمر.
المضخة بتطقطق.
سلمى جابت المنديل اللي عليه البرفان وخلته بعيد شوية عن ندى.
وقالت
فاكرة الريحة دي؟
مفيش حاجة.
حطته.
ومسكت إيد ندى اليمين.
يا نودي… لو سامعاني، إنتي عارفة تعملي إيه.
استنينا.
ولا حاجة.
عشر ثواني.
عشرين.
تلاتين.
طلعت نفسي.
قلت
سلمى…
وفجأة…
إبهام ندى اتحرك.
حركة صغيرة جدًا.
تكاد تكون رعشة.
بس أنا شفتها.
وسلمى شافتها.
ولا واحد فينا اتحرك.
همست
ممكن تبقى حركة لا إرادية.
قالت
آه.
عينيها دمعت، لكن صوتها فضل ثابت.
علشان كده ما بوقفش من أول مرة.
قربت أكتر.
وقالت
نودي… اعمليها تاني.
مفيش حاجة.
الإحباط جه جوايا بسرعة لدرجة إني اتكسفت منه.
لكن سلمى غيرت السؤال.
قالت
ندى، لو محمود واقف جنبي وبيعمل فيها عنيد كالعادة… حركي إبهامك.
بعدها كنت أقسم إن سلمى قالت الجملة دي علشان عارفة إنها حاجة ندى كانت هتضحك عليها.
لكن وقتها كنت هقول لها إن الطريقة دي مش عادلة.
وفجأة…
إبهام ندى اتحرك تاني.
المرة دي ببطء.
وبوضوح.
مسكت طرف التسريحة بإيدي.
سلمى بصتلي.
ولا واحد فينا قال كلمة
فاقت.
كنا خايفين نقولها.
تاني يوم الصبح، كلمت دكتور المخ والأعصاب المتابع لحالة ندى.
اسمه بقى دكتور شريف علام.
كان متابعها بقاله أربع سنين، رغم إن الزيارات في آخر فترة بقت مجرد مراجعات سنوية.
حكيتله اللي حصل.
وكان حذر جدًا.
قال
الحركة المتكررة بناءً على أمر ممكن

تكون ذات معنى. بس لازم تقييم طبي حقيقي.
قلت
إمتى؟
أقدر أرتب تقييم قريب.
تقييم إيه؟
اختبارات سلوكية الأول، وممكن أشعة أو فحوصات مخ حسب اللي نشوفه.
بصيت من الباب ناحية ندى.
سلمى كانت نامت على الكنبة عندي.
ولأول مرة من ست سنين حسيت إني محتاج إذن علشان أسمح لنفسي أتمسك بالأمل.
كمل الدكتور
محمود، لازم أجهزك لحاجة. رجوع الوعي بعد المدة دي غير شائع. وحتى لو فيه درجة من الإدراك، الاستجابة ممكن تبقى غير منتظمة.
قلت
فاهم.
بس الحقيقة إني ماكنتش فاهم.
مش بجد.
سأل
بقالكم قد إيه ملاحظين ده؟
بصيت لسلمى.
قلت
كام شهر.
سكت شوية.
وقال
وليه ماحدش كلمني؟
قلت
الموضوع معقد.
قال
معظم العائلات معقدة.
وبعدين صوته هدي.
هاتوا النوتة معاكم.
قبل الضهر، مدام سامية كانت عرفت كل حاجة.
وقفت في أوضة ندى وإيدها على وسطها وسلمى بتحكيلها عن زيارات الليل.
قالت
دخلتي من الشباك؟
لأ.
كسرتي كالون؟
لأ.
استخدمتي مفتاح قديم؟
آه.
مدام سامية بصتلي.
وإنت ماخدتش بالك؟
قلت
خدت بالي في الآخر.
قالت
إنتوا الاتنين ممكن تعقدوا حتى عمل ساندوتش جبنة.
سلمى ضحكت بتوتر.
مدام سامية ما ضحكتش.
راحت لندى وبدأت تكشف عليها بنفس هدوئها المعتاد.
قلت
مدام سامية… إنتي لاحظتي حاجة؟
أخدت وقت قبل ما ترد.
يمكن.
حدقت فيها.
يعني إيه يمكن؟
قالت
يعني فيه مواقف كتبتها علشان ماكنتش متأكدة.
طلعت ملف ندى.
10 يونيو متابعة بالعين لفترة قصيرة.
22 يونيو استجابة محتملة للصوت.
2 يوليو حركة متكررة في اليد اليمنى بعد أمر لفظي.
حسيت بريقّي نشف.
قلت
إنتي كاتبة ده؟
قالت
دي شغلتي.
وماقولتيليش؟
قالت
قلتلك موضوع العين.
افتكرت.
وقتها أنا اللي قللت منه.
قلت إن ندى أصلًا ساعات عينيها بتتجه ناحية الشباك بسبب النور.
قفلت مدام سامية الملف.
وقالت
محمود، ست سنين بيغيروا طريقة الإنسان في السمع. ساعات الواحد بيبطل يسمع الاحتمالات لأن الاحتمالات وجعته كتير قبل كده.
ماعرفتش أجادلها.
حددنا التقييم للأسبوع اللي بعده.
والسبع أيام دول كانوا من أطول أيام حياتي.
بطلت أختبر ندى طول الوقت لأن الدكتور حذرني إني ما أتعبهاش وما أحولش كل تواصل معاها لاختبار.
فرجعت للحاجات العادية.
غسلت وشها.
سرحت شعرها.
قريت الجرنال جنبها.
بس كل حاجة بقت مختلفة.
لما حكيتلها إن سور الجيران اتعوج تاني، ركزت في عينيها.
لما الكاتل صفر، ركزت في صوابعها.
لما سلمى دخلت البيت المرة دي من الباب الأمامي زي البشر الطبيعيين، ركزت في تنفس ندى وهي بتسمع صوت أختها.
وفي نفس الوقت…
أنا وسلمى بدأنا نتعلم نقعد في نفس المكان تاني.
في ليلة، طلبنا أكل وقعدنا في المطبخ.
فجأة سلمى قالت
أنا كرهتك فترة.
كنت هوقع الشوكة من إيدي.
قلت
إنتي داخلة مباشر كده؟
قالت
بتدرب على الصراحة.
قلت
واضح.
بصت على طبقها.
لما بطلت ترد عليا، افتكرت إنك بتحاول تمحي عيلة ندى من حياتها.
قلت
ماكنتش بعمل كده.
قالت
عارفة دلوقتي.
وإيه اللي غير رأيك؟
بصت ناحية أوضة ندى.
وقالت
فهمت إنك ماكنتش بتبعدنا علشان مش بتحبنا. إنت كنت بتبعد أي حاجة تخوفك من إن حد يقنعك تستسلم.
فضلت ساكت.
هي قالت الحقيقة اللي عمري ماعرفت أقولها.
قلت
كنت حاسس إن الكل مستني مني أقول خلاص.
قالت
ماكناش.
قلت
أمك كانت عايزة تنقل ندى.
قالت
لمستشفى تأهيل. مش علشان نتخلى عنها.
قلت
وقتها ماكنتش سامع الفرق.
هزت راسها.
وماما ماكانتش فاهمة ده.
كان بينا ست سنين من السكوت.
أعياد ميلاد عدت.
مكالمات أعياد ما اتردش عليها.
حمايا كان بيبعت كروت رغم كل حاجة.
وحماتي بطلت في الآخر تبعت، لأن سلمى قالت
كل ظرف كان بيرجع لها تقيل أكتر من اللي قبله.
سألت
هما عارفين حاجة عن اللي بيحصل؟
لأ.
ماقولتيش لهم؟
لأ.
ليه؟
قالت
علشان كنت عايزة أتأكد قبل ما أديهم أمل.
اتفاجئت.
سلمى زمان كانت بتحكي لأمها كل حاجة.
قلت
إنتي اتغيرتي.
قالت
وإنت كمان.
قلت
مش شرط للأحسن.
ابتسمت.
لسه بنتحسن.
يوم الثلاثاء اللي بعده، أخدنا ندى المستشفى.
وعملت ساعات من الاختبارات المنظمة.
أوامر.
أصوات.
صور.
فترات صمت.
أسئلة بتتكرر.
الدكتور شريف ماكانش بيتفاعل بحماس.
ولا الدكتورة اللي كانت معاه، اسمها دكتورة مريم راووف.
شرحت لنا إنهم بيدوروا على نمط متكرر.
مش على حركة واحدة.
قرب نهاية الاختبارات، وقفت دكتورة مريم ناحية يمين ندى.
حطت صورتي وصورة سلمى قدامها.
وقالت
ندى، بصي ناحية صورة سلمى.
في الأول عينيها فضلت تايهة.
وبعدين…
اتحركت.
ناحية سلمى.
الدكتورة استنت شوية.
وقالت
دلوقتي بصي ناحية محمود.
عيني ندى اتحركت.
ببطء.
لكنها اتحركت.
حسيت حلقي قفل.
كرروا الاختبار.
نجح تاني.
والمرة التالتة كمان.
في الرابعة…
ما حصلش حاجة.
لكن حتى ده كان مهم بالنسبالهم.
الدكتورة كتبت ملاحظاتها.
بعدها أنا وسلمى قعدنا في غرفة استشارات وندى كانت بتستريح.
الدكتور شريف شال نضارته.
وقال
أنا عايز أبقى دقيق جدًا في الكلام.
إيديا كانت متشابكة بقوة بين ركبتي.
قلت
تمام.
قال
التشخيص القديم كان بيقول إن ندى في حالة إنباتية مستديمة. بناءً على فحص النهارده… أنا مش شايف إن التشخيص ده بيوصف حالتها الحالية بدقة.
سلمى شهقت.
قالت
طب توصف بإيه؟
رد
شفنا أكتر من سلوك متوافق مع حاجة اسمها حالة وعي محدود.
بصيتله.
قلت
يعني إيه؟
قال
يعني فيه علامات، محدودة ومش ثابتة، لكنها مهمة… بتشير إن ندى ممكن تكون عندها درجة من الوعي بنفسها وباللي حواليها.
حسيت الأوضة نورها زاد فجأة.
قلت
يعني هي عارفة إننا موجودين؟
قال
ما نقدرش نحدد هي فاهمة قد إيه.
قلت
بس ممكن تكون عارفة.
قال
آه.
بصيت لسلمى.
كانت بتعيط في صمت.
الدكتور كمل
ولازم أوضح إن ده ما يقولناش شكل التعافي في المستقبل. الاحتمالات واسعة جدًا.
هزيت راسي.
أنا كنت فاهم كل كلمة لوحدها.
بس لما اتحطوا جنب بعض…
كانوا شبه المستحيل.
قلت
إمتى الحالة دي اتغيرت؟
قال
ما نعرفش.
سألت السؤال اللي كنت خايف منه
ممكن تكون واعية بقالها سنين؟
الدكتور شريف بص للدكتورة مريم.
وبعدين قال
ممكن أحيانًا الوعي مايبانش عند ناس حركتهم محدودة جدًا. لكن ماينفعش نفترض حاجة ما نقدرش نثبتها.
حاجة جوايا اتكسرت.
ست سنين وأنا بكلم ندى وأنا بسرح شعرها.
أشتكيلها من الجو.
أقرأ لها روايات بوليسية رديئة.
أعتذر لها لما أحرق التوست.
أقول لها إني خايف.
وساعات، لما التعب كان ياكلني خالص، أقعد جنبها وماقولش كلمة.
طب لو كانت سمعت جزء من ده؟
لما رجعنا البيت في نفس اليوم، سلمى وقفت عند باب البيت.
وقالت
فيه حاجة تانية.
بصيتلها.
شكلها كان متوتر بطريقة مختلفة.
قلت
إيه كمان؟
قالت
ماما احتفظت بحاجة بعد الحادثة.
إيه؟
صندوق من مكتب ندى.
قطبت.
قلت
أنا فضيت مكتبها.
قالت
مش كله.
وحكتلي إن قبل الحادثة بأيام، ندى كانت خدت شوية حاجات شخصية من مكتبها وحطتهم عند أهلها.
علشان كانت بتفكر تسيب الشغل.
وقفت مكاني.
قلت
كانت بتفكر تعمل إيه؟
وش سلمى اتغير.
قالت
إنت ماكنتش تعرف؟
قلت
لأ.
وفجأة الخناقة اللي كانت بيني وبين ندى ليلة الحادثة رجعت في دماغي بكل تفاصيلها.
النقلة.
الشغل.
مستقبل مين أهم.
ست سنين وأنا فاكر إن الخلاف ده اتوقف في النص.
قلت
أنا كنت فاكر إنها عايزاني أنقل علشان شغلها.
قالت سلمى
هي كانت عايزة ده فعلًا.
وسكتت لحظة.
في الأول.
بصيتلها.
يعني إيه في الأول؟
قالت
بعدين حاجة اتغيرت.
إيه؟
هزت راسها.
ماعرفش. ماما رفضت تفتح الصندوق.
قلت
ليه؟
قالت
قالت إنه يخص ندى.
بصيت من الشباك ناحية أوضة مراتي.
من ست سنين، كنت مقتنع إن الحادثة جمدت آخر خلاف بينا للأبد.
لكن دلوقتي…
لأول مرة، خطر في بالي إن ندى يمكن كانت حسمت قرارها أصلًا قبل الحادثة.
قرار أنا عمري ما سمعته.
وفي بيت أمها…
كان فيه صندوق ممكن يكون جواه الإجابة.
الجزء الثالث والأخير
بيت أم ندى كان على بعد حوالي أربعين دقيقة من عندنا.
طول الطريق، أنا وسلمى ما اتكلمناش تقريبًا.
كنت سايق، وعيني على الطريق، لكن دماغي كانت في مكان تاني خالص.
صندوق.
مجرد صندوق قديم في بيت حماتي.
بس جواه ممكن يكون آخر قرار أخدته مراتي قبل الحادثة.
قرار ما سمعتوش.
وكل ما قربنا من البيت، كنت حاسس إن الست سنين اللي فاتوا كلهم راكبين معايا في العربية.
وصلنا قبل المغرب بشوية.
نفس البيت.
نفس الشجرة الكبيرة قدام الباب.
نفس الشباك اللي ندى كانت دايمًا تقف عنده لما نزور أهلها.
نزلت من العربية.
لقيت الباب اتفتح قبل حتى ما نوصل له.
كانت واقفة هناك.
مدام فاطمة… أم ندى.
كبرت.
أكتر بكتير مما توقعت.
شعرها بقى أبيض تقريبًا، ووشها خسر الاستدارة اللي كنت فاكرها.
لكن أول ما شافتني…
ما قالتش حاجة.
فضلت تبصلي.
وأنا كمان.
خمس سنين من الخصام كانوا واقفين بينا عند باب البيت.
سلمى قالت بهدوء
ماما…
فاطمة رفعت إيدها.
وبصتلي وقالت
ندى عاملة إيه؟
السؤال ده كسر حاجة جوايا.
لأن رغم كل اللي حصل…
هي سألت على بنتها الأول.
قلت
الدكاترة شايفين إن عندها

درجة وعي.
إيديها اترعشت.
يعني إيه؟
قلت
يعني ممكن تكون سامعانا. ممكن تكون فاهمة جزء من اللي حواليها.
فاطمة غطت بقها بإيدها.
ووقفت ثواني من غير صوت.
وبعدين قالت
يا رب.
دخلتنا البيت.
ماكانش فيه لوم.
ولا خناق.
ولا حتى كلام عن السنين اللي فاتت.
يمكن لأن فيه حاجات بتصغر جدًا لما الأمل يدخل الأوضة.
قعدنا في الصالة.
فاطمة اختفت دقايق.
ورجعت شايلة صندوق كرتون متوسط الحجم.
قديم.
عليه شريط لاصق اصفر من الزمن.
حطته قدامي.
وقالت
ده بتاعها.
بصيت للصندوق.
ما مدتش إيدي.
سألت
إنتي فتحتيه؟
قالت
لأ.
ليه؟
بصتلي باستغراب بسيط.
لأنه مش بتاعي.
قلت
بس ندى بقالها ست سنين…
قاطعتني
عارفة بقالها قد إيه.
سكت.
قالت
كنت كل سنة أقول يمكن في يوم تصحى وتيجي تاخده بإيديها.
سلمى نزلت عينيها.
أنا فتحت الصندوق.
أول حاجة لقيتها كانت مج صغير مكتوب عليه اسم الشركة اللي ندى كانت شغالة فيها.
بعده مفكرة.
صورتين ليا وليها.
قلم فضي كنت جايبهولها في أول ذكرى جواز.
وبعدين…
مظروف أبيض.
مكتوب عليه بخط ندى
لمحمود لو ماعرفتش أقول الكلام ده.
إيدي اتجمدت.
سلمى خدت نفس طويل.
فاطمة قامت من مكانها.
قالت
هسيبك تقراه لوحدك.
لكن قلت
لأ.
بصتلي.
قلت
اقعدوا.
فتحت المظروف.
جواه ورقتين.
خط ندى.
نفس الخط اللي نسيت شكله من كتر ما بقيت أشوف اسمها مطبوع في تقارير المستشفى بس.
بدأت أقرأ.
محمود…
أنا عارفة إننا بنتخانق كتير الفترة دي، وعارفة إن كل واحد فينا حاسس إن التاني مش سامعه.
إنت فاكر إني بطلب منك تضحي بشغلك علشاني.
وأنا كنت فاكرة إنك رافض علشان شغلي أقل أهمية بالنسبالك.
بس الحقيقة إني بدأت أفهم إننا الاتنين بنحاول نكسب نفس الخناقة بدل ما ننقذ نفس الجواز.
وقفت.
عيني بدأت تزغلل.
كملت.
أنا قدمت استقالتي النهارده.
لسه ماقولتلكش.
مش علشانك.
ومش علشان أثبت إني بحبك أكتر.
أنا اكتشفت إني أصلًا مش عايزة الشغل ده زي ما كنت متخيلة.
كنت متمسكة بيه لأني كنت خايفة أغير حياتي وأندم.
بس أنا عايزة أبدأ حاجة جديدة.
معاك.
مش بعيد عنك.
صوتي بدأ يختنق.
سلمى كانت بتعيط.
فاطمة بصت للأرض.
كملت آخر سطور.
كنت ناوية أقولك بعد العشا.
وأقولك كمان حاجة تانية.
إحنا طول الوقت بنتكلم عن مستقبل كل واحد فينا لوحده.
بس أنا عايزة مستقبل فيه إحنا.
مش محمود.
ومش ندى.
إحنا.
ولو اتخانقنا وإحنا راجعين البيت، وأنا اتعصبت، فكّرني إني كتبت الكلام ده.
لأن غالبًا أنا هكون عنيدة كالعادة.
بحبك.
ندى.
الورقة نزلت من إيدي.
ماعرفتش أتكلم.
آخر خناقة بينا…
أنا عشت ست سنين فاكر إنها كانت آخر حاجة بينا.
وفاكر إن ندى ماتت جوا الحادثة وهي زعلانة مني.
لكن الحقيقة…
إنها كانت راجعة معايا علشان تقول إنها اختارتنا.
غطيت وشي بإيديا.
وقلت
أنا ما ادتهاش حتى فرصة تقولها.
فاطمة ردت بهدوء
الحادثة هي اللي ما ادتهاش فرصة.
بصيتلها.
قالت
مش إنت.
سكتنا.
وبعدها لأول مرة من خمس سنين، قالتلي
محمود… أنا آسفة.
قلت
على إيه؟
قالت
إني افتكرت إنك أخدت بنتي مني.
قلت
وأنا آسف إني فعلًا بعدتكم عنها.
فاطمة بكت.
وقالت
إحنا كلنا كنا بنحاول نعيش.
رجعنا البيت في نفس الليلة.
الصندوق كان معايا.
وأول ما دخلت أوضة ندى، حسيت إن كل حاجة مختلفة.
قعدت جنبها.
سلمى وفاطمة وقفوا بعيد.
طلعت الرسالة.
وقلت
ندى… لقيت حاجة بتاعتك.
مفيش حركة.
قلت
إنتي طلعتي مخبية عني قرار كبير يا ست ندى.
سلمى ضحكت وهي بتعيط.
قربت من ندى.
قلت
أنا قريت الرسالة.
نفسها كان منتظم.
قلت
وعرفت إنك كنتي ناوية تختارينا.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
وأنا آسف إني فضلت ست سنين فاكر إن آخر حاجة بينا كانت خناقة.
صوابع ندى ما اتحركتش.
عينيها ما اتحركتش.
لكن المرة دي…
ماكنتش محتاج علامة.
كملت
أنا موجود.
وفاطمة قالت من ورايا
وإحنا كمان.
الأيام اللي بعدها دخلت في نظام جديد.
جلسات تأهيل.
اختبارات.
تمارين بسيطة.
الدكاترة فضلوا حذرين.
محدش وعدنا بمعجزة.
كانوا بيقولوا
أي تقدم بعد ست سنين لازم نقيسه بهدوء.
وأنا اتعلمت ما أسألش كل يوم
هتفوق إمتى؟
وبدأت أسأل سؤال تاني
إيه اللي تقدر تعمله النهارده؟
أحيانًا كانت تبص ناحية الصوت.
أحيانًا تحرك إبهامها.
أحيانًا مفيش أي استجابة يوم كامل.
وفي أيام تانية…
كانت تبهرنا.
بعد حوالي ثلاثة شهور، بدأوا يستخدموا معاها لوحة بسيطة.
نعم ناحية اليمين.
لا ناحية الشمال.
في الأول، النتائج كانت غير ثابتة.
لكن مع الوقت…
بقت أوضح.
وفي يوم، الدكتور شريف سألها
ندى، اسمك ندى؟
عينيها راحت ناحية نعم.
سأل
سلمى أختك؟
نعم.
محمود جوزك؟
نعم.
قلبي وقف.
الدكتور بصلي وقال
ماتسألهاش حاجات عاطفية دلوقتي.
طبعًا أول حاجة عملتها إني سألتها حاجة عاطفية.
قربت.
وقلت
ندى… إنتي سامعاني من زمان؟
الدكتور كان هيوقفني.
لكن عيني ندى اتحركت.
ناحية…
نعم.
الأوضة كلها سكتت.
حسيت رجلي ضعفت.
قلت
من إمتى؟
طبعًا ماكانش عندها طريقة تجاوب.
بس السؤال اللي خوّفني أكتر خرج لوحده
كنتي سامعاني وأنا بكلمك؟
نعم.
دموعي نزلت.
ضحكت وسط العياط.
قلت
حتى روايات البوليس السخيفة؟
فضلت عينيها ثابتة.
قلت
دي المفروض لا يا ندى.
سلمى انفجرت ضحك.
وفجأة…
حصل شيء صغير.
زاوية فم ندى اتحركت.
الدكتور قرب فورًا.
كلنا سكتنا.
الحركة كانت خفيفة جدًا.
لكنها كانت شبه…
ابتسامة.
بعد ست شهور من أول ليلة شفت فيها سلمى من الشباك، ندى قدرت تنطق أول صوت مفهوم.
ماكانش اسمي.
ولا اسم أختها.
ولا اسم أمها.
كنت واقف جنبها، وهي في جلسة تخاطب، والأخصائية كانت بتحاول تخليها تشكل كلمات بسيطة.
ندى أخدت نفس متقطع.
فتحت بقها.
وحاولت.
مرة.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين قالت بصوت ضعيف جدًا
ما…
كلنا قربنا.
الأخصائية قالت
حاولي تاني.
ندى حركت شفايفها.
وقالت
مح…
أنا بدأت أعيط قبل ما تكمل.
وبعد مجهود كبير…
قالت
محمود.
حطيت إيدي على بوقي.
وقلت
أنا هنا.
ندى بصتلي.
وبعدها بدقايق، قالت كلمتين غيروا الست سنين كلها.
بصوت مكسور وبطيء
كنت… سامعاك.
ماقدرتش أرد.
قعدت جنبها ومسكت إيدها.
وقالت بعد وقت طويل
كله.
ضحكت وأنا بعيط.
قلت
كله؟ حتى لما كنت بشتم الجيران؟
زاوية فمها اتحركت.
وبصعوبة قالت
خصوصًا… الجيران.
سلمى خرجت من الأوضة وهي بتضحك وتعيط في نفس الوقت.
لكن كان فيه سؤال لازم أسأله.
استنيت يومين.
لحد ما كانت ندى مرتاحة.
وقعدت جنبها.
قلت
ندى… الرسالة اللي في الصندوق.
عينيها اتغيرت.
قلت
كنتي ناوية تسيبي الشغل؟
هزت عينيها ناحية نعم.
قلت
وكنتِ ناوية تقوليلي إنك عايزة نبدأ من جديد؟
نعم.
بلعت ريقي.
قلت
لسه عايزة ده؟
المرة دي، ندى ما بصتش على اللوحة فورًا.
فضلت بصالي.
ثواني طويلة.
وبعدين حركت عينيها ناحية
نعم.
بس بعدها رجعت بصتلي.
وحاولت تتكلم.
طلعت الكلمة بصعوبة
بس…
قربت.
بس إيه؟
قالت
مش… زي… زمان.
في اللحظة دي فهمت.
أنا طول الست سنين كنت مستني ندى ترجع.
نفس ندى.
نفس البيت.
نفس الجواز.
نفس الحياة.
لكن مفيش حد بيرجع من ست سنين زي ما كان.
ولا هي.
ولا أنا.
قلت
مش لازم.
عينيها دمعت.
قلت
نبدأ من جديد. من الصفر لو لازم.
بعد سنة من الليلة اللي رجعت فيها البيت من غير ما حد يعرف، ندى ماكنتش ماشية.
ماكنتش رجعت لحياتها القديمة.
وكان كلامها لسه بطيء، وحركتها محدودة، وكانت محتاجة مساعدة في أغلب حاجاتها.
لكنها كانت موجودة.
بإرادتها.
بصوتها.
بعينيها.
بسخريتها اللي رجعت شوية شوية.
وفوق كل ده…
عيلتها رجعت.
فاطمة بقت تيجي كل سبت.
سلمى بطلت تدخل بالمفتاح القديم، رغم إني قلتلها تحتفظ بيه.
ومدام سامية كانت كل ما تشوفنا كلنا متجمعين تقول
أخيرًا بقيتوا عيلة طبيعية.
فأقول
إحنا عمرنا ما كنا طبيعيين.
فترد ندى بصوتها الضعيف
صح.
وفي ليلة، كنت بساعدها تستعد للنوم.
طلعت الكارديجان الأزرق اللي كنت بكرهه.
قلت
فاكرة ده؟
هزت راسها.
قلت
بسبب البلوزة دي أنا افتكرت إن البيت فيه عفريت.
ضحكت.
ضحكة صغيرة.
ضعيفة.
بس حقيقية.
وبعدين قالت
سلمى… غبية.
صرخت من الصالة
أنا سامعاكي!
ندى ضحكت أكتر.
مسكت إيدها.
وبصيت حواليّ.
نفس الأوضة.
نفس الأجهزة تقريبًا.
نفس البرفان فوق التسريحة.
لكن البيت ما بقاش ريحته مستشفى.
بقى ريحته بيت تاني.
بيت ناس اتكسروا…
واتعلموا يرجعوا لبعض بشكل مختلف.
وقبل ما أطفي النور، ندى شدت صباعي بإبهامها.
الحركة اللي بدأت منها الحكاية كلها.
بصيتلها.
قالت ببطء
ما… تروحش.
قعدت جنبها.
وقلت
مش رايح في حتة.
ولأول مرة من ست سنين…
ماكنتش بقولها لزوجة ساكتة مستني إنها تسمعني.
كنت بقولها لندى.
وهي…
كانت سامعاني فعلًا.
النهاية.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى