منوعات

امي رفضت تاخد بالها من تؤامي حكايات انجى الخطيب

 

وحساب العربية بتاعة أمي اتجمد.

 

وموبايلي بدأ يرن.

 

ماما.

 

بابا.

 

نجلاء.

 

مكالمة ورا مكالمة.

 

وبعدين رسائل صوتية، ورسائل مكتوبة، واتصالات من أرقام مختلفة.

 

لكن أنا ما رديتش على أي حد.

 

لأول مرة في حياتي، قررت أسيبهم يواجهوا نتيجة اعتمادهم الكامل عليا.

 

وقبل الفجر بشوية، اتصل بيا الأستاذ كريم تاني.

 

لكن المرة دي صوته كان مختلف.

 

هادئ زيادة عن اللزوم.

 

ومتوتر.

 

ـ مريم… أنا لقيت حاجة في ملفات نجلاء وحسابات العقارات بتاعتك.

 

حسيت بألم شديد في جسمي وأنا بحاول أرفع نفسي من على السرير.

 

ـ لقيت إيه؟

 

سكت المحامي.

 

والصمت اللي حصل بعدها كان أسوأ من أي إجابة.

 

لأني فجأة فهمت إن قطع الفلوس عن عيلتي… ماكانش نهاية المشكلة.

 

ده كان مجرد بداية.

 

وبطريقة ما، الفلوس اللي كنت فاكرة إنها بتحمي عيلتي…

 

كانت مخبية سر أخطر بكتير مما أتخيل.

“نطقي يا كريم.. فيه إيه؟” صوتي طلع بحشرجة مكتومة، والوجع في ضلوعي بيسمّع مع كل نفس باخده.
سمعت صوت تقليب أوراق سريع من الناحية التانية، وتنهيدة الموت اللي بتسبق الكارثة.
“نجلاء عاملة توكيل عام رسمي باسمك من ست شهور.. بتوقيع مزور يا مريم.”
غمضت عيني، وحسيت بنبض قلبي بيسرع في جهاز المتابعة اللي جنبي، بيزمر بصوت منتظم وبارد.
“توكيل إيه؟ وعملت بيه إيه؟”
“رهنت الشقة اللي أهلك قاعدين فيها، والعمارة الجديدة بتاعة التجمع.. وسحبت قروض بضمان شركاتك بـ 12 مليون جنيه.. بس دي مش المشكلة الكبيرة يا مريم.. الكارثة في الورقة اللي لقيتها مسحوبة من محكمة الأسرة من أسبوعين بس.”
“ورقة إيه؟”
“طلب الحجر وعدم الأهلية.. نجلاء وأمك كانوا بيجهزوا ملف طبي وقانوني يثبت إنك غير قادرة عقلياً ونفسياً بعد وفاة جوزك وإصابتك في الخدمة.. عشان ياخدوا الوصاية الكاملة على ولادك.. وعلى كل أملاكك.”
الدم هرب من عروقي. الحجم البشع للخيانه ماكانش مجرد جشع أو قسوة قلب.. ده كان مخطط مكسوب بالمسطرة للاستيلاء على حياتي وولادي وأنا صاحية. كانوا مستنيين الموت ياخدني، ولما ما متّش في الانفجار، قرروا يدفنوني بالحيا.
وفجأة.. الباب الألوميتال بتاع الأوضة اتفتح بقوة.
دخلت أمي وهي لابسة ترينج البادل الشيك، وشها أحمر من الغضب وعيونها بتطلع شرار، ووراها أبويا باصص في الأرض بمنتهى الجبن، ونجلاء داخلة بتتسحب وشايلة شنطة ماركة من الفلوس اللي اتجمدت من ساعتين.
أمي ما سألتش عن صحتي، ولا بصت للجبيرة اللي مغطية نص جسمي. وقفت عند طرف السرير وزعقت بصوت واطي بس ملغوم شر: “إنتِ اتجننتي يا مريم؟ إيه اللي عملتيه ده؟ الكارت اتعلم عليه رفض قدام صحابي في النادي! والنادي وقف عضويتنا وسحبوا العربية من تحت البيت! إنتِ عاوزة تفضحينا؟”
أبويا اتكلم بصوت مرعوب ومتردد: “يا بنتي اختك نجلاء كان عندها شيك بمبلغ كبير هينزل الصبح.. لو الحسابات اتجمدت هتتحبس! افتحي الحسابات فوراً دي حركة ما تطلعش من بنتنا!”
أنا ما اتكلمتش. فضلت باصة لهم بالهدوء الشديد اللي بيبص بيه القائد للميدان قبل ما يدي أمر الضرب.
نجلاء قربت خطوة، وبصوت فيه لؤم ومسكنة مزيفة قالت: “مريم.. إحنا أهلك، عيب اللي بتعمليه ده. إحنا كنا بنساعدك وبنشيل عنك حمل الأملاك والشركات عشان تركزي في شغلك العسكري.. افتحي الحسابات ونعدي الأزمة دي.”
بصيت لنجلاء.. وشفت في عينها الرعب.. مش من قطع الفلوس، لكن من إن التوكيل المزور والورق يتكشفوا.
مسكت الموبايل اللي في إيدي ببطء شديد، ورفعت صوت السبيكر.
“استاذ كريم.. معاك العقيد مريم عبدالرحمن.”
صوت كريم جه واضح ومجلجل في الأوضة: “معاكي يا سيادة العقيد.”
“اتصل فوراً برئيس النيابة العسكرية، وبلغه ببلاغ رسمي مني: تزوير في أوراق رسمية، واستيلاء على أموال ومعاملات تجارية باستخدام صفة ضابط عامل في القوات المسلحة، ومحاولة النصب والتزوير لإضرار أمن أسرته.”
نجلاء وشها اتخطف، والشنطة وقعت من إيدها على أرضية الأوضة.
أمي صرخت وهي بتقدم خطوة: “تزوير إيه ونيابة عسكرية إيه؟ إنتِ هتحبسي أختك؟ عشان كام جنيه؟”
بصيت لأمي في عينها.. النظرة اللي خلتاها ترجع خطوة لورا وتسكت خالص.
“التوكيل المزور اللي نجلاء عملته، القروض بتاعته متصلة بحسابات بنكية موثقة باسمي في الخدمة.. يعني القضايا دي مش مجرد خناقة عائلية يا نجلاء.. دي قضايا أمن دولة، وجنايات تزوير، وعقوبتها السجن المشدد.”
نجلاء اترمت على الكرسي وهي بتبكي بهستيريا: “والله هي اللي قالتلي! أمي هي اللي قالتلي امنني نفسك وأختك كده كده معرضة للموت في أي وقت في سينا! والله ما كان قصدي!”
أبويا مسك راسه وقعد على الأرض مش قادر يقف، وأمي وقفت مشلولة، المظهر الشيك والرفاهية الكدابة طاروا في لحظة، ومفاضلش غير الحقيقة العريضة.. إنهم ولا حاجة من غيري.
صوت خبط خفيف جه على باب الأوضة، واتفتح الباب.. ودخل اثنين من رجال الشرطة العسكرية بزيّهم الرسمي الميري، أدّوا التحية العسكرية بكامل الانضباط: “يا سيادة العقيد.. قوة الحراسة والمتابعة جاهزة برة الأوضة زي ما سيادتك أمرتي، والأستاذ كريم وصل تحت ومعاه ضباط المباحث عشان يستلموا المتهمين.”
بصيت لأمي اللي الدموع اتجمدت في عينها من الصدمة، وقُلت بنبرة هادية خالصة، نبرة ما فيهاش نقطة ضعف واحدة:
“كنت محتاجة أم تشيل ولادي كام أسبوع لحد ما أقوم على رجلي.. بس اكتشفت إن ولادي أنضف بكتير من إنهم يتربوا في وسطكم. الفلوس اللي جابتلكم العربية والنادي والبيت.. هي هي اللي هتقفل عليكم أبواب السجن.”
شاوريت للضباط بهدوء:
“خدهم من قدامي.. مش عايزة أشوف حد فيهم تاني.”
وعلى صوت صريخ أمي وتوسلات نجلاء وهما بيتسحبوا للشارع، بصرت لصورة يوسف وليان جنب السرير.. وحسيت ولأول مرة من سنة.. إن الوجع اللي في ضلوعي بيخف، وإن الحق لما بيرجع.. بيبقى أقوى من أي انفجار.

الهدوء اللي ساد في الأوضة بعد ما الباب اتقفل كان أتقل من المسكنات اللي بتجري في دمي. صوت جهاز المتابعة بيزمر بهدوء، وصوت نفسي المنتظم بقى هو الصوت الوحيد الموجود.
دخل الأستاذ كريم بخطوات سريعة، وشايل في إيده حافظة جلد سوداء تقيلة. وشه كان أصفر، وعيونه فيها ذهول من اللي شافه في الممر برة.
“أنا أخدت الشنطة والورق من أختك قبل ما يركبوا عربية الترحيلات.. مريم، أنتِ بجد هتمشي في القضية دي للآخر؟ دي أختك وأمك!”
بصيت له بثبات، وصوتي طلع صارم ما فيهوش نقطة شك: “اللي يحاول يسرق ولادي وأنا مرمية في المستشفى بين الحياة والموت، ينزع بإيده صفة الدم والأهل. الورق اللي في إيدك ده فيه إيه تاني يا كريم؟”
قعد على الكرسي اللي جنب السرير، وفتح الحافظة بإنهاك: “الكارثة إن نجلاء ما عملتش كل ده لوحدها.. الـ 12 مليون جنيه اللي اتسحبوا بضمان شركاتك، ما دخلوش حساب أختك.”
ضايقت عيني وأنا بحاول أتحمل وجع ضلوعي: “أومال راحت فين؟”
“تحويلات فورية لشخص اسمه طاهر الشيمي.. صاحب شركة مقاولات مشبوهة عليه قضايا غسيل أموال وتهرب ضريبي. نجلاء كانت مدبوسة معاه في شيكات بدون رصيد، وهو اللي استغل خبر حادثة الانفجار بتاعك، وفهمها إن دي فرصتها الوحيدة عشان تخرج من ورطتها وتاخد كل حاجة.”
قبل ما أستوعب كلامه، موبايلي اللي على التربيزة جنب السرير رن. رقم غير مسجل.
شاورت لكريم يسكت، وفتحت السبيكر.
“أهلاً بسيادة العقيد.. ألف سلامة عليكِ من الانفجار.” صوت رجالي غليظ، فيه نبرة ثقة مستفزة وضحكة مكتومة.
“مين معايا؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى