
“طاهر الشيمي.. أظن الاسم مش غريب عليكِ دلوقتي. أنا المتلقي الأخير للـ 12 مليون اللي اختك سحبتهم.. وأحب أقولك إن التوكيل اللي اتعمل، حتى لو مزور، فيه إيصالات أمانة وشيكات متوقعة باسم شركاتك أنتِ شخصياً. يعني بالبلدي كده.. لو حبستي أختك، أنا هحجز على كل عقاراتك وشركاتك بالتنفيذ الجبري، ومش هنسيبلك أنتِ وعيالك ولا مليم.”
كريم كان هينطق، بس رفعت إيدي وأنا بغمض عيني وبستجمع قوتي. مسكت الحافة الحديد للسرير، وضغطت عليها بكل غلي لحد ما عروق إيدي ظهرت.
“أنت فاكر نفسك بتكلم مين يا طاهر؟”
ضحك بصوت عالي: “بكلم ست مصابة في حوضها وضلوعها، مش قادرة تقوم من على السرير، وعيلتها نصابين ورامينها.. وبصراحة كده، الجيش مش هينفعك في قضية مدنية وشيكات وتواقيع.”
سكت ثانية، والابتسامة ظهرت في نبرة صوتي.. ابتسامة باردة تخوف.
“أنت بقى نسيت أنا بشتغل إيه يا شيمي.. الفلوس اللي أنت أخدتها من التوكيل المزور، جزء منها كان رايح لتمويل شحنات أجهزة طبية لمستشفيات القوات المسلحة. يعني أنت دخلت نفسك في قضية الإضرار بالمال العام، والتعامل مع مستندات عسكرية مزورة لمساسها بأحد ضباط الجيش أثناء الخدمة في منطقة عمليات.”
الصوت على الناحية التانية سكت فجأة.. الضحكة اختفت تماماً.
كملت بنبرة أشد قسوة: “التلفون ده متسجل يا طاهر.. والأستاذ كريم جنبه دلوقتي بيبعت التسجيل ورقم المحفظة البنكية لنيابة الأموال العامة العسكرية. قدامك بالضبط نص ساعة.. لو الفلوس ما رجعتش لحساب الشركة، والشيكات ما كانتش مفرومة تحت إيد المحامي بتاعي، مش هتحصل أختي في السجن العادي.. أنت هتعيش بقية حياتك في لمَان طرة.”
قفلت السكة في وشه من غير ما أستنى أسمع رده.
بصيت لكريم اللي كان باصصلي بذهول مش مصدق السرعة والهدوء اللي أدرت بيهم الموقف.
“كريم.. خد الورق ده، واطلع فوراً على مكتب المدعي العام العسكري. انسخ كل إيميلات نجلاء والمكالمات، ومش عايز أي ثغرة تفلت منه.”
“حاضر يا مريم.. حاضر فوراً!” قام وقف بسرعة وأخد شنطته وهو بيلمس كتفي بجدية: “ربنا يقويكِ.. أنتِ فعلاً جبل.”
أول ما خرج كريم وأوضة المستشفى فضيت تاني، غمضت عيني، وحسيت بنغزة الوجع بتزيد في حوضي. بس المرة دي ما كانتش عاجزة.
ضغطت على زرار الاستدعاء جنب السرير. بعد ثواني دخلت الممرضة بسرعة: “أفندم يا سيادة العقيد؟”
“هاتيلي العكازين من ورا الباب.. والممرضين يساعدوني أقف.”
الممرضة اتخضت: “يا فندم الدكتور قال حضرتك محتاجة راحة تامة على السرير على الأقل أسبوعين كمان! الحوض لسه ما التأمش!”
بصيت لها ونبرة الأمومة القوية غطت على نبرة الضابط: “ولادي في حضانة الطوارئ تحت.. ومش هسيبهم دقيقة واحدة كمان بعيد عن حضني. هاتلي العكازين.”
بعد محاولات ووجع يهد الحيل، وحبس للدموع بالعافية، وقفت على رجلي.. متسندة على العكازين ورجلي بتترعش من الألم، بس جسمي كان مفرود ومرفوع الرأس.
مشيت في ممر المستشفى ببطء، خطوة ورا خطوة، وكل خطوة كانت بتدفي قلبي وتفكرني إن اللي أخدته في الحرب ما كسَرنيش.. يبقى شوية جشعين ومشترين بالرخيص مش هما اللي هيهدوني.
نزلت دور الحضانة، والبَاب الزجاجي اتفتح. أول ما شفت يوسف وليان نائمين في السراير الصغيرة، وشهم الصافي ما فيهوش أي أثر للشر اللي كان بيدور حواليهم، الدموع نزلت من عيني لأول مرة.. بس دي ما كانتش دموع ضعف.
قربت منهم، وطيت بضهري بالعافية، وبست راس كل واحد فيهم وأنا ببتسم:
“خلاص يا حبايبي.. العاصفة عدت، ومفيش حد في الدنيا دي كلها يقدر يمسكم وأنا عايشة.”
عدت أسبوعين في المستشفى كان كل يوم فيهم معركة جديدة بين جسمي الضعيف وإرادتي اللي رافضة تتكسر. العلاج الطبيعي كان بيموتني من الوجع، بس كنت بضغط على سناني وبقوم، عشان يوسف وليان اللي بقوا عايشين معايا في جناح المستشفى بقرار استثنائي من القيادة.
وفي صباح يوم مشمس، دخل الأستاذ كريم ومعاه ضابط برتبة مقدم من النيابة العسكرية. كريم وشه كان مستريح، وماسك ملف أبيض تقيل في إيده.
“سيادة العقيد.. طاهر الشيمي رجع الـ 12 مليون بالكامل لحساب الشركة، وسلّم أصل الشيكات والتوقيعات المزورة، وكتب إقرار رسمي إنه اتخدع من نجلاء وإنه مالوش أي حقوق عندك.”
الضابط العسكري قدم التحية وقال بنبرة جادة: “يا سيادة العقيد، النيابة العسكرية أنهت التحقيقات الأولية. نجلاء متهمة رسمياً بالتزوير في أوراق رسمية واستغلال اسم ضابط بالقوات المسلحة، والدتك ووالدك تم التحقيق معاهم كشركاء في التستر ومحاولة رفع قضية حجر بطرق غير قانونية. الملف جاهز للمحاكمة، والقرار النهائي في إيدك أنتِ لو حابة تتنازلي عن الحق المدني بالنسبة لوالدتك ووالدك.”
كريم بصلي بهدوء وطلع تلفونه: “أمك كلمتني من المقر خمس مرات النهاردة بتبكي.. عايزه تسمع صوتك يا مريم.”
مسكت التلفون ببرود وفتحت الخط.
جالي صوت أمي مبحوح ومكسور، بيكح من البكا، صوت ما سمعتوش منها طول حياتي: “مريم.. يا بنتي حني عليا! أنا أمك اللي ربتك! أختك هتتحبس مستقبلها ضاع! وأبوك محجوز في المستشفى ضغطه عالي ومش قادر يتحمل الحبس! سامحينا يا مريم.. والله كنا مغميين والفلوس كانت عاميانا.. ارجعي لوادك وأختك وعفي عنا!”
سكت لحظة، وبصيت ليوسف وليان وهما بيلعبوا على السجادة الصغيرة في الأوضة وضحكتهم المبتسمة مالية المكان.
“أمي؟ إنتِ افتكرتي إنك أمي دلوقتي؟ لما كنت مرمية في العناية المركزة مش قادرة أتحرك، وطلبت منك تشيلي ولادي كام يوم، قلتيلي عندك تمرين بادل ومحتاجة وقت لنفسك.. ولما نجلاء كانت بتزور إمضتي عشان تتهمني بالجنون وتاخد ولادي، كنتِ واقفة جنبها بتشجعيها.”
صوت أمي زاد في البكا: “كنت غلطانة يا بنتي.. الشيطان دخل بينا! اعفي عن أختك عشان خاطري!”
“الأمومة مش مجرد كلمتين في شهادة الميلاد يا هدى هانم.. الأمومة حماية وتضحية وسند. وأنتم كلكم بعتوني في لحظة ضعف، وكنتم مستنيين موتي عشان تورثوني وأنا حية.”
“مريم! أختك هتدخل السجن!”
“أختك هتاخد جزاء اللي عملته بالقانون.. والقانون ما بيعرفش القرايب. أنتِ وأبويا حسابكم موقوف، والشقة اللي عايشين فيها هترجع ملكيتها للشركة، وهينزلكم منها دخل شهري كفاف يعيشكم مستورين بس من غير أي رفاهية ولا عربيات ولا نوادي.. وده مش عشانكم، ده عشان ربنا ما يحاسبنيش إن سيبت أبويا للشارع.”
قفلت السكة في وشها قبل ما أسمع باقي توسلاتها، ورجعت التلفون لكريم.
بصيت للضابط العسكري وقلت بوضوح: “تستمر الإجراءات القانونية ضد نجلاء في قضية التزوير والإضرار المالي، ويُكتفى بإخلاء سبيل والدي ووالدتي مع إقرار بعدم التعرض لي أو لولادي نهائياً.”
الضابط أدّى التحية بصرامة: “علم ويُنفذ يا سيادة العقيد.”
لما خرجوا، كريم ابتسم وقالي: “ده أعدل قرار أخدتيه في حياتك يا مريم.. دلوقتي بقى، بالنسبة لشركاتك وأملاكك؟”
“كل العقارات والشركات هتتنقل فوراً لوقف أهلي باسم يوسف وليان، وتحت إدارة لجنة قانونية عسكرية لحد ما يكبروا.. مفيش مخلوق هيقدر يمس مليم واحد منهم بعد النهاردة.”
مسكت العكازين، وقومت من على السرير ببطء. الوجع كان لسه موجود في حوضي وضلوعي، بس المرة دي كنت بقف بثبات وأنا حاسة برأسي مرفوعة للسما.
مشيت ناحية الشباك الكبير اللي بيبص على حديقة المستشفى، والشمس كانت طالعة دافية بتنور الأوضة.
وطيت مسكت إيد يوسف وإيد ليان، وبصيت في عيونهم الصافية.
“الدرس انتهى يا كريم.. العيلة مش بالدم، العيلة باللي يصونك في وقت ضعفك قبل قوتك.. وأنا من النهاردة، عيلتي بدأت من جديد.”
بعد مرور سنة كاملة…
شمس الصبح كانت طالعة دافية على ميدان التدريب في إحدى القواعد العسكرية.
أنا واقفة بزيي الميري الكامل، على رجلي الاتنين من غير عكاز ولا مساعدة من حد. العلاج الطبيعي كان رحلة طاحنة من الوجع والدموع، بس كل نغزة ألم في حوضي وضلوعي كانت بتفكرني إن اللي ما بيموتش بيخليك أقوى.
النهارده كان يوم خاص جداً.. يوم تكريمي ورجوعي لقيادة وحدتي من جديد بعد التعافي التام.
في المدرجات، كان فيه كرسيين صغيرين جنب الأستاذ كريم.. قاعد عليهم يوسف وليان، كبروا وبقت ضحكتهم بتملى الدنيا، لابسين وبصين عليا بفخر، ورافعين إيديهم الصغيرين بيسقفوا أول ما اسمي اتقال في الميكروفون بصلابة: “سيادة العقيد مريم عبدالرحمن”.
مشيت بخطوة عسكرية منتظمة وثابتة، الأرض كانت بتهتز تحت رجلي بثقة. استلمت الأنواط، وأديت التحية العسكرية بظهر مفرود ورأس مرفوعة، وعيني على ولادي اللي هما سندي الحقيقي والوحيد في الدنيا دي.
من أسبوع واحد بس، كريم جابلي آخر أخبار “العيلة”.
نجلاء بتقضي عقوبتها في السجن بعد ما الحكم بقى نهائي بخمس سنين مشدد في قضية التزوير والإضرار المالي. أمي وأبويا سابوا الشقة الواسعة والعربية الفارهة، ونقلوا لشقة صغيرة بسيطة، بيعيشوا على المبلغ الشهري البسيط اللي بيوصلهم في موعده بالمليم.. مش أكتر ولا أقل، عشان ستر الحياة وبس. أمي سابت النادي ولعبة البادل والمظاهر الكدابة، وقعدت تواجه الحقيقة العريضة في وحدة وجدران فاضية.. حقيقة إنها خسرت بنتها اللي كانت شيلاهم على راسها، لمجرد إنها طمعت وقست في وقت الضعف.
لما مراسم التكريم خلصت، نزلت من على المنصة، ووطيت على ركبتي.. الركبة اللي الدكاترة قالوا زمان إنها مش هتتني بسهولة تاني.
يوسف وليان جريوا عليا واترموا في حضني. مسكتهم الاتنين، وقمت وقفت بيهم على رجلي بثبات، وأنا حاسة إن أتقل حمول الدنيا بقت خفيفة في وجودهم.
بصيت للسما، وابتسمت بتنهيدة طويلة طالعة من وسط قلبي..
الضربة اللي ما تكسرش الظهر، بتبنيه من جديد. وأنا ما خسرتش عيلة.. أنا بس قطعت أغصان ميتة عشان الشجرة الجديدة تكبر خضراء وقوية. أنا العقيد مريم عبدالرحمن.. أم، وضابطة، وجبل ما بتهزوش الرياح.
تمت
حكايات انجى الخطيب




