عزت اتجمد مكانه، الابتسامة اختفت من وشه كأنها ما كانتش موجودة، وبص للشاشة بدهشة شلت تفكيره.
فريد برّق عينيه بصدمة وصصرخ من على الأرض: “إيه؟! عدم تطابق؟! الولد مش ابني يا فريدة?! أنتِ خنتيني?!”
عزت مسك فريدة من شعرها بغضب جحيمي وصوت هز جدران الفيلا: “إيه المهزلة دي؟! الدم ده مش مطابق لسلالة التامي!! فين الولد الحقيقي يا فريدة?!”
في اللحظة دي… الدموع اللي كانت في عينين فريدة اختفت تماماً.
رفعت رأسها وبصت لعزت النمري في عينيه مباشرة… وابتسمت.
ابتسامة سودا، مرعبة، مليانة غل وذكاء أبرد من ثلج سانت كاترين، وقالت بصوت هادي جداً هز كيان كل اللي في الأوضة:
“أنت فاكر إن الست اللي اتزقت من فوق الجبل، وعاشت المعجزة دي كلها… هتديكوا ابنها بالبساطة دي يا عزت بيه؟”
عزت بلع ريقه بعصبية: “يعني إيه?!”
فريدة قربت وشها منه وهمست في ودنه: “الطفل اللي في حضني ده… طفل يتيم خدته من المأوى الصبح بمساعدة هاني.. ابنك الحقيقي يا فريد؟ ابني الحقيقي في مكان ما يعلمهوش غير شخص واحد بس في مصر كلها…”
سكتت للحظة، وبصت للشباك لما سمعت صوت طيارة هليكوبتر ثانية صوت محركاتها بيقرب جداً فوق الفيلا، وكشافاتها العملاقة بدأت تضرب على أوشاش رجالة عزت بره…
كملت كلامها بصوت حاد كالمشرط: “… شخص لو سمعت اسمه دلوقتي يا عزت… هتعرف إن المنظمة بتاعتك كلها اتباعت لحساب الحكومة من ساعتين فاتوا!”
صوت الزجاج المكسور كان زي الانفجار!
قنابل الصوت والضوء اتحدفت من السقف والشباك في نفس اللحظة، نور أبيض حارق مع صوت مكتوم هز الفيلا وطير عزت ورجالته على الأرض وهما ماسكين ودانهم وعينيهم بتنزف دموع.
“عمليات خاصة! ارمي السلاح!! ارمي السلاح أنت وهو!!”
أصوات الصراخ والضرب المتبادل بره كانت بتنتهي في ثواني معدودة. رجالة القوات الخاصة بدريساتهم السودا وأقنعتهم المصفحة اقتحموا الأوضة من الشباك ومن باب الصالة، ثبتوا كل نقطة في المكان في لمحة عين. اللي يرفع إيده بيتكتف، واللي بيحاول يمسك سلاحه بياخد الرصاصة في رجله.
عزت النمري كان مرمي على الأرض، النظارة اتكسرت، والعصا الأبنوس اتحدفت بعيد. مسكوه اثنين من رجال الضبطية ورزوعوه على ركبه.
ومن وسط الدخان اللي مالي الأوضة… دخل راجل بطول فارع، لابس بالطو كحلي فخم، شعره شايب بوقار، وعينيه أهدى من المحيط.
عزت رفع راسه بصعوبة، ولما شاف وشه، شفايفه اتجمدت والدم اتسحب من جسمه بالكامل: “اللواء… اللواء جلال؟!”
اللواء جلال قرب بثبات، وقف قدام عزت وقعد على طرف الطاولة، طلع علبة السجاير بتاعته وولع سيجارة بهدوء شديد: “سنتين يا عزت… سنتين وأنا سايبك تصرح وتمرح، وتعمل فيها المايسترو اللي بيلعب بالكل. كنت فاكر إنك بتستغل فريد وفريدة؟ أنت كنت المظلمة اللي إحنا مستنيينها تقفل القضية للإنتربول بالكامل.”
فريد كان بيزحف على الأرض زي السحلية، عينيه مبرقة وشهابه طالع: “حضرة الظابط! أنا مجبر! أنا عزت وهشام هددوني! فريدة مراتي.. فريدة قولي لهم!”
فريدة بصت لفريد اللي تحت رجليها.. نظرة خالية تماماً من أي كره، ونظرة ألعن من الكره: العدم.
جلال بص لفريدة، وابتسملها بنبرة احترام حقيقية: “حمد الله على السلامة يا مدام فريدة… الخطة مشيت بالحرف زي ما اتفقتِ معايا من لحظة ما خرجتِ من المستشفى في سانت كاترين.”
فريد صرخ بصوت هيستيري وهو مش قادر يستوعب: “أنتِ… أنتِ اللي سلمتيهم؟! أنتِ اللي خططتي لكل ده؟!”
فريدة قربت من فريد، وطت لمستواه، وهمست في ودنه بكلمات كانت أبرد من الثلج اللي وقفت عليه فوق الجبل: “أنا لما وقعت من فوق الجبل يا فريد… ما وقعتش كزوجة مكسورة. أنا وقعت كشاهدة على قذارتك. كنت فاكر إن الـ 50 مليون جنيه هيشترولك حياة جديدة مع سلمى؟ الـ 50 مليون دول هما اللي اشترولك المشنقة. وابنك… ابني الحقيقي في أمان، مع ناس هيعلموه يعني إيه راجل، مش يعني إيه خاين بيبع مراته عشان شويه ورق.”
هشام، وعزت، وفريد… كلهم اتكلبشوا وانسحبوا ورا بعض زي أشباح مكسورة. فريد وهو بيتسحب كان بيبكي ويصرخ باسم فريدة، بيترجاها تبصله بصة واحدة، بس فريدة ما دورتش وشها ناحيته ولا لثانية واحدة.
بعد ساعتين…
على مشارف القاهرة، والشمس بتبدأ تطلع وترمي ألوانها الدافية على السما.
كانت فريدة واقفة قدام مستشفى عسكري راقي. باب العربية المرسيدس السودا اتفتح، ونزلت منه طبيبة لفت وشها وابتسمت لفريدة، وكانت شايلة بين إيديها طفل صغير ملفوف في بطانية كحلي دافية.
فريدة مشيت ناحيتها بخطوات ثابتة، قلبيها كان بيدق بسرعة مش من الخوف… من الحنية.
مسكت ابنها الحقيقي لأول مرة بين إيديها في النور.. بصت لملامحه الهادية وهو نايم بسلام، وشفايفها ابتسمت ابتسامة صافية بعد رحلة عذاب وطريق طويل من الانتقام.
حطت شفتها على راسه، وهمستله والبرد بيمشي من تحت رجليها للأبد:
“خلاص يا حبيبي… الموت فات، والظلم اندفن، وماما رجعت عشان تبدأ معاك الدنيا من جديد.”
بصت للسما اللي بتنور مع أذان الفجر… ولفت ضهرها للمكالمات والشرطة والماضي كله، ومشيت بثبات في طريقها الجديد، بعد ما قفلت أبواب الجحيم وراها… ودفنت اللي حاولوا يدفنوها.
تمت
حكايات انجى الخطيب




