منوعات

امي خدت فلوس ابوبا المريض بالسرطان حكايات انجى الخطيب

“النياشين اللي نجلاء باعتها للتاكر…” عماد ابتسم ابتسامة مكسورة وفيها مرار، “كانت فاكرة إنها بتبيع حديد وتذكارات… مكنتش تعرف إن النياشين دي هي المفتاح الكودي اللي مع اللواء عبد الرحمن عشان يفك الصندوق الإئتماني… ومن غير الخاتم ده.. النياشين ملهاش أي قيمة تجارية.”
قمت من جمبه ببطء شديد. طلعت تلفوني من جيب البالطو. مكنتش سارة الدكتورة المصدومة، كنت النقيب سارة… دكتورة جراحة الطيران اللي متدربة تتعامل مع أعتى حالات الطوارئ تحت الضغط.
طلبت رقم الطوارئ الطبية بالمستشفى العسكري بمصطفى كامل: “معاكم النقيب دكتورة سارة… عايزة عربية عناية مركزة مجهزة فوراً للعنوان (…) الحالة سرطان بنكرياس متأخر مع انتكاسة حادة وتسمم وتجويع… جهزوا غرفة العناية المركزة فوراً تحت إشرافي.”
قفلت الخط وطلبت رقم تاني… الرقم المباشر لمكتب اللواء عبد الرحمن.
“سيادة اللواء… أنا النقيب سارة. أنا واقفة حالياً جنب النقيب المتقاعد عماد… والوصية أزفت على الفتح يا فندم.”
الصوت من الناحية التانية اتغير في ثانية، وبقى مليان جدية وحزم: “نص ساعة وعربية إسعاف القوات الجوية وهجوم الشرطة العسكرية هيكونوا عندك يا سارة… وعماد ينزل المستشفى حالاً. بالنسبة لنجلاء وكريم ومنى…”
رديت بصوت خالي من أي رحمة وانا ببص لكرت التابلت اللي عليه صورة كريم وهو بيشرب عصير على ظهر المركب في وسط البحر المتوسط: “سيبهم يستمتعوا بالرحلة البحرية يا فندم… السفرية لسة فاضل فيها أسبوع… وأنا عايزة الترحيلات تستناهم على الرصيف أول ما المركب ترسي في ميناء إسكندرية.”
وطيت على عماد، غطيته ببطانيتي الخاصة اللي كانت في شنطتي، وبست دماغه الشاحبة.
“نام وارتاح يا عماد… حقك وحق أبويا وحقي… هيرجع بالمليم.”
صوت صفارات سيارة الإسعاف العسكري شق هدوء الشارع الساقع، وشريط الأضواء الحمراء والزرقا كان بينور أثاث الصالة المتربة. نزل طقم التمريض الطبي بسرعة، ونقلوا عماد بحرص شديد على النقالة المجهزة. كنت ماسكة إيده، وحاسة بضربات نبضه الضعيفة بتنتظم أول ما أخد مسكن حقيقي وشباك العناية المركزة أتقفل عليه.
في مستشفى مصطفى كامل العسكري، كانت الحركة زي الخلية. عماد دخل العناية الفائقة، وأنا واصلت الوقوف ورا الزجاج المؤدي لغرفته لحد ما سمعت خطوة جزمة عسكرية ثقيلة بتمشي في الممر.
لتفتّ، كان اللواء عبد الرحمن واقف ببدلته العسكرية الرسمية، ووشه فيه صرامة تهز المكان. بص لعماد من ورا الزجاج، وبعدها بصلي ونزل عينيه على الخاتم اللي كنت لسة قابضة عليه بإيدي.
“حمد الله على سلامتك يا سارة… وعاش من شافك نقيب بجد يسد في الأزمات.”
“سيادة اللواء… النياشين.”
قاطعني وهو بيرفع إيده بهدوء وبيعطيني ملف أسود تقيل: “النياشين رجعت من نص ساعة. كريم وأمك بياعين خايبين، باعوا ميداليات حرب وأوسمة شرف لتاجر أنتيكات في محطة الرمل بتراب الفلوس عشان يلموا كاش كازينو المركب. قوة من المباحث العسكرية قطعت خط التاجر وقبضت عليه بتهمة التجارة في ممتلكات عسكرية مشفرة. الملف ده فيه أوراق الصندوق الائتماني اللي أبوك الشهيد سابهولك… وفيه حظر كامل على كل حسابات أمك وأخواتك من ديوان النائب العام العسكري.”
بلعت ريقي وبصيت للملف: “وهما؟”
ابتسم اللواء عبد الرحمن ابتسامة حادة: “المركب بتدخل المينا دلوقتي… قدامنا نص ساعة نكون على الرصيف.”
في ميناء إسكندرية، كان الهواء المحمل بريحة اليود مالي المكان، والمركب السياحي العملاقة بتقف ببطء على الرصيف رقم أربعة. كانت الأغاني شغالة على ظهر السفينة، والركاب نازلين يضحكوا وشايلين أكياس الماركات العالمية.
من وسط الزحمة، ظهرت نجلاء، أمي، لابسة نظارة شمس عريضة وفرو خفيف على كتفها، وجنبيها كريم أخي وهو شايل شنط هدايا غالية وبيهزر مع خطيبته، ومنى أختي بتتكلم في التليفون وبتقول بصوت عالي: “أول ما نوصل البيت هنام أسبوع… أنا تعبت من السهر في الكازينو!”
كريم ضحك وقال لها: “المهم بس نشوف سارة عملت إيه مع الجثة… تكونش اتصلت بالإسعاف وعملت لنا مناحة؟”
أمي ردت ببرود وهي بتعدل نظارتها: “تعمل اللي تعمله، المهم الفلوس اللي في الحساب خلصت، وهي معاها مرتبها بالدولار تصرف بيه عليه وعلى البيت… إحنا خدنا حقنا.”
أول ما حطوا رجليهم على أرض الرصيف، وقف كريم فجأة، والضحكة اتجمدت على وشه.
كانت خطوط من ضباط الشرطة العسكرية واقفتين في نصف دائرة، وقافلين كل منافذ الخروج من المينا. وفي نص الدائرة، كنت واقفة أنا… ببدلتي العسكرية الرسمية، وجنبي اللواء عبد الرحمن ومعه ضابط نيابة عسكرية ماسك في إيده إذن قبض وتفتيش.
أمي بصتلي بصدمة، ونزلت النظارة من على عينها وهي بتتراجع خطوة لورا: “سارة؟! إنتِ… إنتِ واقفة كده ليه؟ ومين الناس دول؟”
كريم حاول يتعامل بفزلكة، وقرب خطوة وهو بيضحك ضحكة متوترة: “إيه يا سارة الفلم الهندي ده؟ طالعة لنا ببدلتك ليه؟ هو عماد جراله حاجة ولا إيه؟”
ما رديتش عليه. قدمت خطوة واحدة بس، وبصيت في عين أمي مباشرة. بصة خالية من أي دمعة، وخالية من أي حنية.
الضابط فتح الورقة وقرأ بصوت جهوري هز الرصيف: “نجلاء… كريم… منى… صادر ضدكم أمر ضبط وإحضار من النيابة العسكرية بتهم السرقة المشددة، الشروع في القتل بالإهمال المتعمد، الاتجار في أدوية مخدرة جدول أول، والاستيلاء على ممتلكات وأوسمة عسكرية مشفرة تابعة للجيش.”
أمي صرخت: “قتــل إيه وسرقة إيه؟! دي فلوسنا وده جوزي! إنتِ يا بت قايلة لهم إيه؟!”
كريم وشها اصفر، وساب الشنط من إيده لما شاف ضابطين عسكريين بيقربوا منه والكلبشات الحديدية في إيديهم. حاول يرجع لورا: “يا فندم في غلط! المورفين ده أنا… أنا ماليش دعوة! هي اللي قالت لي تصرف!”
منى بدأت تعيط بهستيريا: “أنا ماليش دعوة يا سارة! هما اللي خدوني معاهم! أنا ما لمستش الفلوس!”
قربت من أمي لحد ما بقت الفاصلة بيني وبينها سنتيمترات. أمي كانت بترتعش، مش من البرد… من الخوف.
“الفلوس اللي سرقتوها من الحساب كانت حسني الوحيد ليكم…” قلت لها بصوت واطي ومستقر زي السكين، “لكن الفلوس اللي في الصندوق الائتماني اللي أبويا الشهيد سابهولي… دي اللي عمرك ما هتشوفي منها مليم. النياشين رجعت يا نجلاء… وعماد في العناية المركزة في المستشفى العسكري، والقضية مش مجرد السرقة… القضية شرك في شروع في قتل ضابط متقاعد.”
أمي بصتلي برعب، وصوتها طلع بالعافية: “أبوكي… إنتِ عرفتي منين؟”
“عرفت كل حاجة.”
الضباط مسكوا كريم وأمي ومنى، وكلبشوا إيديهم ورا ظهرهم وسط ذهول ورعب بقية ركاب السفينة اللي كانوا بيبصوا عليهم وبيصوروا بالموبايلات. كريم كان بيصرخ وبيحاول يملص إيده: “سارة! إحنا أخواتك! اتكلمي! سارة!”
لتفتّ واديتهم ظهري، ومسكت الملف الأسود تحت دراعي، ومشيت جمب اللواء عبد الرحمن ناحية عربية الجيش.
“هيروحوا فين يا سيادة اللواء؟” سألته وأنا بفتح باب العربية.
بصلي اللواء عبد الرحمن وقال بصلابة: “على الحجز العسكري فوراً… والمحاكمة العاجلة تبدأ بكرة الصبح.”
ركبت العربية، وبصيت من الشباك على المينا اللي بقى ورايا. السماء كانت بدأت تمطر مطر خفيف على بحر إسكندرية، وفي الحظة دي بس… حسيت إن البيت الساقع اللي دخلته من ساعات، بدأ يدخل فيه الدفا لأول مرة من سنين.
مرت 72 ساعة زي الكابوس السريع بالنسبة لنجلاء ولادها. في المحكمة العسكرية بمصطفى كامل، كان مشهد كريم وهو بيتوسل للنيابة العسكرية يقطع القلب من الهوان والكسرة. الولد اللي كان لابس نضارة شمس براند وواقف بيتجمع بحجم الفلوس على سطح المركب، كان واقف دلوقتي في القفص ببدلة السجن البيضا، وشه أصفر وشفايفه بتترعش من الخوف، وبيرمي التهمة كلها على أمه وهو بيصرخ: “هي اللي قالتلي يا فندم! هي اللي قالتلي المورفين غالي ونقدر نبيعه ونكسب منه! أنا ماكنتش فاهم حاجة وهي اللي خططت لكل حاجة!”
نجلاء كانت واقفة جنب إبنها في القفص مش مصدقة، كانت بتبص له بصدمة ذهول، إن إبنها اللي فضّلته على كل الدنيا وسرقت علاج جوزها عشان تسعده، بيبيعها في أول قلم عشان ينفذ بججمجمته. بصت للقاضي العسكري وصوتها بيتخنق بالدموع المتأخرة: “أنا أمه يا فندم… هي سارة بنت حرام تعمل في أمها وأخواتها كده؟”
القاضي العسكري ما رمش له جفن، ضرب بالشاكوش على الترابيزة ونطق بالحكم اللي نزل على القاعة زي الصاعقة: السجن المشدد 15 سنة لكريم بتهمة الإتجار في المواد المخدرة والشروع في القتل، و10 سنين لنجلاء بتهمة السرقة المشددة والاستيلاء على ممتلكات مشفرة تخص القوات المسلحة، و3 سنين لمنى بتهمة التستر والتشارك، مع مصادرة كل حساباتهم وعقاراتهم لحساب رد المبالغ المسروقة وتكاليف علاج النقيب المتقاعد.
في نفس الوقت، كنت قاعد في الصالون الملحق بمكتب اللواء عبد الرحمن في قيادة القوات الجوية. الترابيزة الخشب الكبيرة كان محطوط عليها الخزنة الحديدية المشفرة الخاصة بأبويا الشهيد. اللواء مسك الخاتم اللي خدته من عماد، وحطه في المجرى المخصص ليه، وشاشة ديجيتال صغيرة نورت باللون الأخضر، وصوت التكة بتاعة الفتح رن في الأوضة الساكتة.
لما غطا الخزنة اترفع ببطء، ماكنتش مجرد أوراق وأسهم بمليونات… كان في دفتر مذكرات قديم بغلاف جلدي، وصورة تجمع أبويا الشهيد وعماد وهما شباب ببدلة الطيران العسكرية، وتحتيها رسالة بخط إيد أبويا: “إلى ابنتي سارة… إن لم أكن بجانبك عندما تقرأين هذه الكلمات، فاعلمي أنني تركت لكِ رجلاً أؤتمن على روحك وشرفك قبل مالي. هذه الثروة مخصصة لبناء مؤسسة طبية لعلاج أورام أسر الشهداء والمصابين، لتكملي رسالتي ورسالة عماد في الحياة.”
شلت الصورة والرسالة، وجريت على المستشفى العسكري. دخلت أوضة العناية المركزة، كان عماد محطوط على الأجهزة، لكن وشه كان هادي ورايق، والوجع اللي كان بياكل في جسمه تلاشى بفضل الرعاية الحقيقية والدوا الأصلي اللي بدأ ينزل في وريده. قعدت جنبه، مسكت إيده اللي بقت دافية لأول مرة، وحطيت الصورة في كفه.
فتح عينيه ببطء شديد، وبص للصورة، ودمعة دافية نزلت من عينيه وهو بيبتسم ابتسامة صافية.
“رجعتي حقه يا سارة؟” همس بصوت ضعيف بس طالع من قلب مستريح.
نزلت على إيده بستها وقلتله ونفسي مقطوع من العياط: “رجعت حقكم كلكم يا بابا… كريم ونجلاء ومنى خدوا جزائهم بالقانون. الخزنة اتفتحت، وأبويا الشهيد سابلي وسام وشرف، وسابلي الراجل الحقيقي اللي رباني وصانني طول عمره.”
عماد غمض عينيه ببطء، وكأن الروح كانت مستنية اللحظة دي بالذات عشان ترتاح وتطمن إن الأمانة اتسلمت لإيد أمنة. جهاز نبضات القلب بدأ يطلع نغمة منتظمة وهادية. العناية المركزة كلها كانت ساكتة، وأنا واقفة ببدلتي العسكرية، رفعت إيدي وضربت له تعظيم سلام عسكري بكل فخر واعتزاز. الراجل اللي ما خلفنيش بس حماني بشرفه، أخد حقه كاملاً… وخرجت من باب المستشفى وشمس إسكندرية طالعة تنور البحر، وأنا عارفة إن الفلوس والنياشين ممكن تروح وتيجي، بس الحق والشرف هما الحقيقة الوحيدة اللي بتعيش للأبد.
بعد ست شهور، في يوم مشمس على كورنيش إسكندرية، كانت الواجهة الزجاجية الضخمة لـ “مركز الشهيد أحمد والنقيب عماد لعلاج الأورام” بتلمع تحت شمس النهار. المكان اللي كان مجرد وصية على ورق في خزنة قديمة، بقى حقيقة وصرح طبي بيفتح أبوابه مجاناً لأسر الشهداء والفقراء.
عماد كان قاعد على كرسي متحرك عند مدخل المستشفى الرئيسي، لابس بدلة كحلي شيك، ووشه اللي كان زمان شاحب ونحيف ردت فيه الصحة والعافية بعد أشهر طويلة من العلاج المكثف والرعاية اللي يستحقها. كان ماسك قصاصة الشريط الأحمر بإيده اللي بطلت ترتعش، وجنبه اللواء عبد الرحمن وأنا ببدلتي العسكرية الرسمية.
قبل ما يقص الشريط بدقايق، قرب مني عسكري ومسكني جواب مظروفه أصفر، مبعوث من إدارة سجن النساء. الجواب كان من نجلاء… خطها كان مرعوش وكلامها مليان توسل ودموع: “الحقيني يا سارة… أخوكي كريم اتبهدل في سجن طرة ومبقاش قادر يستحمل، ومنى جايلها انهيار عصبي، وأنا المفاصل كلت جسمي في السجن… ارحمينا يا بنتي وسحبي البلاغ أو ادفعي الكفالة، إحنا أهلك ودمك، مالكيش غيرنا في الدنيا.”
طبقت الجواب ببطء وحطيته في جيبي من غير ما عيني ترمش. الدم مش مجرد كلام مكتوب في شهادة ميلاد… الدم أفعال ومواقف وصون للأمانة. اللي يسيب راجل عظيم يموت في البرد والجوع عشان يسرق فلوسه ومورفينه، مش من حقه يفتكر صلة الرحم لما الأيام تدور عليه والكلبشات تقفل على إيديه.
عماد حس بيا، مد إيده وطبطب على إيدي بصوت هادي ودافي: “سارة… الجواب من أمك؟”
بصيت له وابتسمت، ووطيت على إيده بستها: “ده جواب من الماضي يا بابا… والماضي خلاص قفلنا بابه.”
عماد ابتسم ابتسامة صافية، ومسك المقص وقص الشريط الأحمر، وضج المكان كله بصوت التسقيف والتحية العسكرية من كل الضباط والأطباء الواقفين.
اللواء عبد الرحمن بصلي بفخر، وقال بصوت جهوري: “أبوكِ الشهيد أحمد لو كان واقف وسطنا النهارده، كان هيعرف إن الأمانة وصلت لأصحابها، وإن بنته بقت سند وحماية لكل مظلوم.”
زقيت كرسي عماد ببطء ودخلنا سوا لمبنى المستشفى النظيف والدفيان. وبصيت من الشباك الزجاجي الكبير على البحر، وحسيت ولأول مرة إن البرد والوجع اللي عاشوا جوايا السنين اللي فاتت اتلاشفوا تماماً، وإن الحق لما بيرجع بياخد معاه كل القسوة، وبيسيب الدفا والعدل يملوا المكان.
تمت
حكايات انجى الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى