منوعات

جوز بنتي في محطة الاتوبيس حكايات انجى الخطيب

وقفت، حطيت النظارة الشمسية، وهزيت رأسي لوكيل النيابة بشكر هادي. خرجت لممر المجمع، وضوء الشمس كان دافي وبيغمر المكان. ركبت الشاهين وطلعت على المستشفى عشان أروح بمريم لبيتها الأصلي.. المكان اللي اتولدت فيه وعاشت طول عمرها غالية، ومحمية بضهر عمره ما ينكسر.
وصلت مستشفى الشرطة، لقيت مريم مستنياني عند الباب الخارجي.. كانت لابسة جاكيت تقيل، وشها لسه فيه بقايا كدمات خفيفة، بس نظرة انكسار الفجرية كانت اختفت تماماً وحل مكانها هدوء وارتياح. أول ما شافت الشاهين بتقرب، ابتسمت بصفاء وجت ناحيتي بخطوات ثابته. فتحت لها الباب، قعدت جنبي وسندت رأسها على الكرسي.
سألتها وأنا بدوّر العربية: «جاهزة ترجعي بيتك الأصلي يا مريم؟»
هزت رأسها بابتسامة حقيقية وصوت طالع من القلب: «جاهزة يا أمي.. من غير أي خوف تاني.»
مشينا في شوارع القاهرة اللي كانت غرقانة في ضوء شمس الظهرية. الشارع اللي كان من كم يوم مالي خيانة وظلم، بقى دلوقتي هادي ومطمن. الأسابيع مرت بسرعة، والعدالة خدت مجراها من غير أي تعطيل؛ محكمة الجنايات كانت حاسمة، وأصدرت حكمها بالسجن المشدد لمدحت وأمه سهير، مع إلزامهم بالتعويض المادي والتمكين الكامل لمريم من شقتها وكل حقوقها الشرعية والقانونية.. حتى الشقة اللي كانوا هيعزموا فيها الغريبة، بقت ملك لمريم بالقانون وبتنفيذ جبري من الشرطة.
أول ما فتحت باب بيتنا القديم، ريحة بخور العود والقهوة بالحبهان ردت فينا الروح. مريم دخلت أوضتها القديمة، وشفتها لأول مرة من سنين بتتنفس بحرية، بتفتح الشباك على آخره عشان تدخّل الشمس والهواء النظيف اللي حرموها منه.
مشيت بالراحة لممر الشقة، وفتحت الدولاب.. سحبت العلبة الحديد الثقيلة من مكانها. فتحت الغطاء وبصيت لعلامة النسر الفضي وشارة اللواء اللي لمعت تحت النور. مسحت عليها بظاهر إيدي بامتنان، وقضيت ثواني صمت بفتكر فيها كل سنة قضيتها في خدمة الحق. قفلت العلبة بالمفتاح ورجعتها مكانها، وكأني بقول لها: “مهمتك تمت بنجاح.”
دخلت عليا مريم الأوضة وهي شايلة صينية عليها كوبايتين شاي بالنعناع، وقعدت جنبي على طرف السرير. حطت الصينية وشبكت صوابعها في إيدي: «عارفة يا أمي.. أنا زمان كنت بفتكر إن القوة في الصوت العالي والافتراء.. بس النهاردة عرفت إن القوة الحقيقية هي الهدوء والكرامة.. وأن لي ضهر يسند أمة بحالها.»
طبطبت على إيدها بوالدية وابتسمت ابتسامة دافية: «طول ما أنا بتنفس يا مريم.. عينك ما تنزلش الأرض أبداً، ولا تنسي أنتِ بنت مين.. الحق ما بيموتش، والظالم مهما افتكر نفسه قوي، بيبقى أضعف من القشة قدام ربنا والقانون.»
سندت مريم رأسها على كتفي وهي بتشرب الشاي، وصوت ضحكتها الرقيقة رجع يملى أركان البيت من تاني.. العاصفة عدت، والشمس طلعت، وحق بنتي رجع يزين صدرها وزي النسر اللي ما بيوطيش راسه أبداً.
تمت
حكايات انجى الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى