
تليفون جوز أمي جالي قبل الفجر وأنا في معسكر التدريب في سيناء، وكان بيضحك بشر وهو بيبشرني إنه باع شالية أبويا الله يرحمه عشان يسدد ديونه ويُفسح بنته في دبي قبل ما تدخل الجامعة. كان فاكرني هنهار وأصرخ، بس كل اللي قلته ببرود: “شكراً إنك عرفتني”.. مدحت مكنش يعرف إيه المخفي في أوراق الشهر العقاري، وبعد ثلاث ساعات بس، المحامي بتاعه كان هينقُص من الصدمة وهو بيكتشف الحقيقة.
المكالمة جات الساعة 5:42 الصبح. كنت واقفة برة خيمة الصيانة، غبار الصحرا مغطي البيادة، ريحة الجاز في الجو، وفي إيدي كوباية شاي كشري تقيلة وسخنة لما مدحت قالها بكل بساطة وبدم بارد: “أنا بعت شالية أباكي.”
وقفت مكاني والدم اتجمد في عروقي: “عملت إيه؟”
قال بضحكة مستفزة: “الشالية اللي على البحر ده.. خلاص، بعته ومضيت العقد إمبارح.”
وبعدين كمل: “كنا محتاجين الفلوس يا مريم، ديوني كترت، ونورهان بنتي تستاهل تسافر دبي تتبسط شوية قبل الجامعة.”
إيدي اتعصرت على كوباية الشاي لما غطا البلاستيك اتقطم في إيدي.
الشالية ده مكنش مجرد شالية على البحر! ده أبويا الله يرحمه بناه طوبة طوبة، كنت بشوفه وعرق جبينه نازل وهو بيمسك الأسمنت وبيحول الحتة الفاضية للمكان الوحيد اللي كنت بحس فيه بالأمان والبيت الحقيقي.
ولما كان عمري 12 سنة، مسك إيدي وقال لي: “اللي بتبنيه ببطء وإتقان بيعيش يا مريم، والاستعجال والعك بيفك على طول.”
بعد ما مات، كان الشالية ده المكان الوحيد اللي بحس إن صوته وريحة وجوده لسه فيه.
وبعدين مدحت رما كلمته الخبيثة:
“آه، وصندوق الأوسمة والنواشين القديمة بتاعة خدمته العسكرية؟ رميتهم في الزبالة.. محدش محتاج الكراكيب دي.”
نواشين أبويا!
كل عرق فيا كان بيصرخ عشان أطلع العاصفة اللي جوايا. سنين خدمتي في الاستخبارات العسكرية علمتني إزاي أقف ثابتة وباردة زي الثلج وسط أعتى الأزمات، بس لما الراجل ده وصف أوسمة أبويا بـ “الكراكيب”، الانضباط جوايا كان هينهار.
#انجي_الخطيب
وقبل ما أرد، أمي سحبت الخط منه:
“مريم.. بلاش تعملي لنا دراما من بتوعك وتكبري الموضوع.”
“أمي.. قولي لي إنه بيكدب!”
اتنهدت أمي وقالت ببرود:
“إنتي ضابطة في الجيش وبتتنقلي من معسكر لمعسكر.. هتعملي إيه بشالية؟ مدحت عليه ديون وتعبان، ونورهان مرت بسنة صعبة.. العيلة محتاجة تضحية يا مريم.”
وقفت أبص على أفق الصحرا، وبلعت كل كلمة نار كانت هتحرقهم.
يعني التضحية معناها إني أفرط في تاريخ أبويا عشان ست نورهان تروح تشرب عصاير على البحر في دبي؟!
أمي كملت: “أرجوكي بلاش تتصلي تعكني على الناس وتعملي مشكلة.”
والخط اتقفل.
ماتصلتش بيهم فعلاً.
بدالها، فتحت ملف مشفر على تليفوني شايلالة من سنين. جوة الملف صور مسحوبة بالكسان لدفاتر الشهر العقاري، وحجة وقف ونسب، وعقد ملكية مشهر باسمي أنا بس.. عقد مدحت بعمى قلبه وعصبيته معمرهوش فكر يدور عليه ولا يكتشفه.
وقعدت واستنيت.
بعد ثلاث ساعات بالتمام، تليفوني رن.
مدحت مكنش بيضحك خالص المرة دي.
صوت صريخ وهيصة وراء الخط، وقبل ما ينطق، واحد تاني سحب التليفون منه بلهفة:
“حضرة الضابط مريم؟ أنا الأستاذ فريد السمسار والمحامي اللي بخلص بيعة الشالية.. إحنا عندنا مصيبة سودة هنا!”
صوت ورق بيتقلب بعنف.. ومدحت بيزعق في الخلفية: “هات التليفون ده هنا!”
المحامي طنشه وصوته بدأ يترعش وهو بيقرأ العقد:
“لـ.. لحظة واحدة.. هو الاسم المكتوب في حجة الملكية المسجلة بالشهر العقاري ده… اسم مين?!”
ولأول مرة الصبح ده.. ابتسمت.
#انجي_الخطيب
قلت ببرود هز أركان التليفون: “اسم مريم أحمد الجبالي.. المالك الوحيد والشرعي للأرض والمبنى.. والوريث الوحيد لسجلات الخدمة العسكرية للعميد أحمد الجبالي.”
صوت فريد المحامي اتقطع، وسمعت صوت شهقة مكتومة منه وهو بيقلب الصفحات بسرعة مرعبة، وقبل ما مدحت ينطق كلمتين، المحامي صرخ فيه بصوت هستيري: “أنت ورطتني في مصيبة سودة يا مدحت! الأرض دي حجة وقف أهلي مشهرة بقرار جمهوري لصالح بنته، ومحظور التصرف فيها أو بيعها بدون إذن هيئة التنظيم والإدارة بالجيش! ده مش بيع يا غبي.. ده تزوير محرر رسمي واعتداء على ملكية خاضعة للحماية العسكرية!”
سمعت صوت كركبة جامدة، وكرسي بيتقلب، وصوت المشتري اللي كان واخد مدحت بعيد عن السمع بيعلى فجأة كأنه بركان انفجر: “يعني إيه الكلام ده يا روح أمك؟! أنا دافع مليون جنيه عربون كاش أهو! الفلوس فين يا نصباصي؟!”
مدحت صوته طالع مرعوب، مكسور، طالع من حتة غريقة ومفيهاش أي شياطين من اللي كانوا بيتكلموا معايا الفجر: “مريم.. الحقيني يا مريم! الفلوس اديتها للديانة، ودفعت بقيتها لحجز تذاكر وفندق دبي! المشتري معاه رجالة وهيموتني في بيتي! قولي للمحامي إنك موافقة.. قولي له إنك مسامحة يا بنتي!”
وقفت بطولي وسط الصحرا، الهواء البارد كان بيخبط في وشي، وريحة الجاز والطين طالعة من العربيات اللي بتستعد للخروج في الدورية. رديت بنفس الصوت الهادي، اللي يقطع زي المشرط: “تؤ.. أنا مش بنتك يا مدحت، وأبويا الله يرحمه علمني إن اللي بيتبنى ببطء وإتقان بيعيش، والعك بيتكشف وبيفك على طول.. أظنك فاكر المقولة دي كويس؟”
“أمك يا مريم! أمك بتبكي وجت تحت رجلي!”
“أمي اختارت تقف جنبك وهي عارفة إنك بتاكل حق يتيمة وتبيع تاريخ جوزها عشان فستق دبي.. خليها تنفعك بقى وأنت بتتسحب على قسم الشرطة.”
المحامي سحب الخط منه تاني وصوته بيرتعش: ” يا حضرة الضابط.. أنا ماليش دعوة بالقصة دي، أنا كنت بخلص ورق مش أكتر، الراجل ده قالي إنه معاه توكيل عام من الهانم والدتك!”
“التوكيل ده تبلوا وتشربوا ميته يا أستاذ فريد، لأن حجة الوقف بتلغي أي توكيلات عادية.. وقبل ما تقفل معايا، بلغ المكتوب في البلاغ اللي طالع حالا للنيابة: صندوق الأوسمة والنواشين اللي موكلك رماها في الزبالة؟ قدامه بالضبط ساعتين يقلب زبالة الشارع حتة حتة ويدور عليه، ويرجعه زي ما كان بيلعن، وإلا العريضة اللي هتترفع مش هتبقى نصب بس.. هتبقى إتلاف ممتلكات دولة وإهانة رمز عسكري، ودي مفيهاش كفالة ولا خروج لغاية ما تعجز جوة.”
سكت ثانية واحدة أسمع صوت نَفَسه المقطوع، وصريخ أمي اللي بدأ يعلى في الخلفية، ونورهان وهي بتبكي بانهيار لما فهمت إن السفرية طارت.
“نورهان مش هتشوف دبي السنة دي يا مدحت.. بس أبشر، الزيارة في سجن طرة بتبقى أسهل بكتير في الشتا.”
قفلت السكة، رميت كوباية الشاي البلاستيك في صندوق الزبالة، وطلعت مفتاح العربية العسكرية وأنا بدوس ببيادتي على تراب الصحرا، وسماء سينا بتتفتح على أول خيط نور للشمس.
سُقت العربية وطريق الساحل بيمتد قدامي فاضي وسريع. علبة النواشين كانت محطوطة على الكرسي اللي جنبي، كل ما ألمسها أحس إن أبويا قاعد في صالون العربية وبيبتسم لي بنفس الابتسامة الهادية اللي كان بيبتسمها لما يخلص بناء حيطة في الشالية ويهز رأسه برضا.
وصلت قدام الشالية مع عصر اليوم. البحر كان صوته عالي، وموجه بيكسر على الصخر بانتظام كأنه بيلحن مارش عسكري. حطيت المفتاح النحاس القديم في الباب، فتح بصوت زئير خفيف، وطلعت ريحة الصوف ووداع السنين مع ريحة اليود. كل حتة خشب، كل كرسي، وحتى بلاط الأرضية المزركش، كان لسه عليه بصمة إيد أبويا.
مشيت بالبطيء لحد المكتبة الخشب اللي في الصالة، فتحت الدرج السري اللي أبويا علمهولي وأنا صغيرة، وحطيت علبة الأوسمة والنواشين في مكانها الأصلي. قفلت الدرج ورجعت خطوة لورا.. ولأول مرة من الصبح، حسيت إن نَفَسي رجع طبيعي.
تليفوني رن. المرة دي كان الأستاذ فريد المحامي، بس صوته كان مختلف تماماً.. خاضع ومكسور: “يا سيادة الضابط مريم.. أنا بس بتصل أعتذر لك بصفة شخصية. أنا انسحبت رسمياً من قضية مدحت، والنيابة حَبسته أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة النصب والتزوير في أوراق رسمية. المشتري كمان قدم فيه بلاغ بتبديد المليون جنيه.. الراجل لابس قضية مش هيطلع منها قبل أربع أو خمس سنين.”
“وده جزاء اللي يلعب في ملكية غيره يا أستاذ فريد.. ياريت تكون اتعلمت الدرس أنت كمان.”
قبل ما أقفل، سمعت صوت حركة برة عند الباب الخارجي للجنينة. بصيت من الشباك، شفت عربية أوجرة واقفة، ونزل منها أمي ونورهان. أمي كانت ماشية بجر قدميها، الهدوم متوسخة من وقفة الشارع، ونورهان وراها طافية وشها أحمر من كثرة العياط.. جايين يجروا ورايا المكان الوحيد اللي عارفين إنهم هيلاقوني فيه.
فتحت الباب ووقفت على العتبة، مربعة إيدي وباصة لهم ببرود.
أمي وقفت على أول درجة سلم، وصوتها متحشرج بالدموع: “يا مريم.. الشالية فاضي أهو ومحدش خده منك.. خلاص بقى، روحي تنازلي عن المحضر في النيابة! مدحت محبوس في الحجز مع المجرمين، ونورهان جالها انهيار عصبي ومش قادرة تتنفس.. حرام عليكِ اللي بتعمليه في أهلك ده!”
نورهان بكت بصوت عالي: “أنا آسفة يا أبله مريم.. والله ما كنت اعرف إن بابا عمل كده! أنا مش عايزة أروح دبي ولا عايزة حاجة.. بس خليهم يخرجوا بابا من السجن!”
بصيت لنورهان، وبعدين نقلت عينيا لأمي، وقلت بصوت واطي بس حاد زي السيف: “البيت ده اتبنى بعرق راجل شريف أخد رصاصة في جسمه عشان البلد دي تعيش.. والبيت ده مش ملجأ للنصابين ولا للي بياكلوا الحرام. مدحت مش محبوس بسببي.. مدحت محبوس بسبب طمعه وإيدك اللي كانت بتطبطب على سرقته.”
أمي صرخت: “أنا أمك يا مريم! بتطرديني من بيت جوزي المرحوم?!”
“البيت ده مش بيت جوزك المرحوم.. البيت ده حجة وقف باسم مريم أحمد الجبالي.. وأنتِ بعتي حق جوزك الميت من الفجر عشان رضاه هو وبنتك. ودلوقتي.. الشارع قدامكم، قدامكم نص ساعة تلموا فيها أي كراكيب تخصكم من الأوضة القديمة وتطلعوا برة البوابة.. وإلا هطلب دورية حراسة المنشآت العسكرية تطلعكم بتهمة اقتحام ملكية خاصة.”
أمي بلعت ريقها وبصت في عيني، ولأول مرة في حياتها تفهم إن البنت الصغيرة اللي كانت بتمشي كلامها عليها زمان.. كبرت، ولابسة بدلة جيش، ومبقتش تتكسر.
سيبتهم واقفين على السلم مذهولين، ودخلت جوة، قفلت الباب الخشبي الضخم ورايا بالترباس. وقعدت على الكرسي الهزاز قدام البحر، مسكت النجمة الذهبية في إيدي، وابتسمت وأنا أسمع صوت الموج برة وهو بيمسح آثار أقدامهم من على الرمل.
مرت النص ساعة في صمت قاطع. كنت واقفة ورا الستارة في الصالة، بتابعهم ببرود وهم بيلموا حاجتهم في شنط قماش قديمة من الأوضة الخلفية ويرموها في شنطة العربية الأوجرة. أمي كانت كل شوية تلتفت لورا، تفرك إيديها وتبص للباب الخشب المقفول كأنها مستنية الترباس يتفتح، بس لما لقيت الباب متسمر مكانه، مشيت بجسم مهدود وركبت، ونورهان وراها حاطة وشها بين إيديها وبتبكي بكسرة. العربية تحركت وغاب صوت موتورها وسط زئير الموج.
تليفوني رن، الشاشة نورت باسم “العقيد هشام – الشئون القانونية”.
رديت بثبات: “تمام يا فندم.. الضابط مريم.”
جالي صوته الرزين الهادي: “يا مريم، النيابة العسكرية تدخّلت رسمياً بناءً على المذكرة. القضية بقت تزوير في محررات رسمية واعتداء على أرض وقف عسكري، ومدحت اتنقل رسمياً للحبس الاحتياطي ومفيش خروج بكفالة. أي محاولة للضغط عليكي من أي طرف هتنتهي ببلاغ تهديد مباشر.. الشالية والأرض بقوا تحت الحماية القانونية الكاملة، وحق أبوكِ الله يرحمه محمي بقوة القانون.”
أخدت نفس عميق حسيت بيه بيغسل صدري من جوة: “تمام يا فندم.. متشكرة جداً.”
“جاهزة ترجعي لمعسكرك في سينا؟”
“جاهزة يا فندم.. أرباع ساعة وأكون في الطريق.”
قفلت المكالمة ومشيت لحد وسط الصالة. فتحت العلبة القطيفة وطلعت وسام نجمة سيناء. جبت مسمار صلب وشاكوش من صندوق عدة أبويا القديم، ودقيته بثبات في نص الحيطة الرئيسية اللي بتطل على البحر مباشرة. علقت الوسام، وتحته حطيت برترييه أبويا بالبدلة الميري وهو بيبتسم.
بصيت للصورة وقفت مشدودة الضهر وقلت بصوت واطي: “حقك رجع كاملاً يا سيادة العميد.. والبيت طاهر وزي ما سيبته بالظبط.”
قفلت باب الشالية بالمفتاح النحاس، وشيلت المفتاح في سلسلتي حولين رقبتي مع الكارت الميري. مشيت بخطوة ثقيلة وثابتة لعربيتي، فتحت الشباك وريحة يود البحر طالعة مع أول خيط لغروب الشمس. دورت الموتور وطلعت على صحرا سينا، وأنا عارفة إن الصفحة اتقفلت للأبد.. مدحت ورا القضبان، وأمي ونورهان بياكلهم الندم في الشارع، وأنا راجعة لخدمتي، شايلة اسم العميد أحمد الجبالي فوق راسي زي السيف اللي عمره ما يتكسر.
العربية كانت بتشق ظلام الطريق الدولي، وأنوار نفق الشهيد أحمد حمدي بتعكس إضاءة صفرا منتظمة على وشي. الصحرا بالليل ليها هيبة تفرز الجدع من الخسيس، كأن الجبال حواليا بتهز رأسها وتقول لي: “عاش يا بنت الجبالي.”
وصلت المعسكر الساعة اتنين بعد نص الليل. هدوء المعسكر، صوت خطوات الحراسة، وضربات البيادة على الأرض الزلط.. كل ده كان بيرجعني لنيتي الأصلية، للسبب اللي خلاني ألبس البدلة دي من الأول.
نزلت من العربية، وقبل ما أدخل عنبر الضباط، تليفوني رن برقم غريب. فتحت الخط وسكتّ.
جالي صوت أمي، بس المرة دي كان صوت مكسور، خايف، ووراها صوت دوشة وصريخ في الصالة: “مريم.. المشتري بعت ناس البيت! كسروا باب الشقة وياخدوا العفش والتلفزيون بياخدوا حق المليون جنيه يا مريم! مدحت في التخشيبة بينزف بعد ما المساجين ضربوه.. الحقيني يا بنتي أنا ونورهان محبوسين في الأوضة ومش عارفين نطلع!”
سكوتي كان أتقل عليهم من السلاح. بلعت ريقي وقلت بنفس النبرة المحسوبة: “كلمي النجدة يا هانم.. النجدة بترمى رقمها في كل مكان. أنتِ اخترتي تبقي مراته، استحملي بقى نتايج أفعاله. والبيت اللي بيتسرق ده؟ أنتِ اللي فتحتي بابه لما فرطتي في بيت جوزك.”
“أنا أمك يا مريم!! هتهوني عليكي كده?!”
“أمي ماتت لما وافقتِ إن أوسمة أبويا تترما في الزبالة عشان بنتك تروح دبي.. قفلي الخط عشان عندي دورية الصبح ومش فاضية لكلام الدراما.”
قفلت السكة وحظرت الرقم للأبد.
الساعة جات 5:42 الصبح بالتمام.. نفس الدقيقة اللي رن فيها التليفون إمبارح بالليل وكسر الدنيا.
كنت واقفة نفس الوقفة، قدام خيمة الصيانة، غبار الصحرا على بيادتي، وريحة الجاز في الجو، وفي إيدي كوباية الشاي الكشري السخنة.
نور الشمس كان بيشق سماء سينا بالبطيء، بيلون الصحرا بلون دهبي يقطع النفس. الضابط زميلي قرب مني، ضرب تعظيم سلام وقال بصوت رجولي ثابت: “جاهزين للدورية يا سيادة الضابط مريم؟”
بصيت لأفق الصحرا الممتد، حطيت إيدي على وسام أبويا اللي مستخبى في جيبي الميري، حسيته بيدفيني في برد الصبحية.
ابتسمت بثبات، ولبست الخوذة وأنا برُد: “جاهزين يا فندم.. السلاح جاهز، والحق مبيضيعش.”
ركبت عربية الدفع الرباعي في طليعة الدورية العسكرية، وصوت الموتور كان بيرج الصحرا الفاضية الممتدة قدامنا. الشبكة على التليفون بدأت تروح بالتدريج، شرط الإشارة بتختفي خطوة ورا خطوة، وكأن جبال سينا بتتأكد إن مفيش صوت غريب من الماضي يقدر يوصل لي أو يلوث الهدوء اللي وصلت له.
الضابط زميلي بص لي من جنب الدكسيون وهو شايف الهدوء العجيب اللي مالك وشي: “شكلك رايقة النهاردة يا مريم.. عكس إمبارح خالص.”
ابتسمت وأنا ببص من الشباك على الجبال الشاهقة اللي بتلمع تحت شمس الصبح: “إمبارح كان فيه حسابات قديمة بتتقفل يا أحمد.. والنهاردة الحساب اتصفى على آخر مليم.”
على الضهر، بعد ما خلصنا تمشيط القطاع ورجعنا نقطة الارتكاز، الضابط النبطشي سلمني جواب رسمي مقفول بالشمع الأحمر جاي من الشئون القانونية. فتحت الجواب بثبات؛ مدحت صدر ضده قرار حبس مشدد على ذمة التزوير وإتلاف عسكري، والشقة اللي كان عايش فيها هو وأمي جرى عليها حجز تحفظي لصالح المشتري للوفاء بمليون الجنيه.. يعني أمي ونورهان بقوا في الشارع بالمعنى الحرفي، بيدوقوا نفس الطعم اللي كانوا عايزين يذوقوه لي.. بس المرة دي، بحكم العدل مش بظلم البشر.
طلعت وسام نجمة سيناء من جيبي الميري، ولمسته ببطء بصوابعي. المعدن كان دافي من حرارة جسمي ومن الشرف اللي شايله. افتكرت كلمة أبويا القديمة وهو بيبني حيطة الشالية: “اللي يتنازل عن حقه مرة يا مريم، بيفضل طول عمره يتداس عليه.. واللي يبني أصله صح، مفيش طوفان يقلعه.”
قفلت إيدي على الوسام، وقمت وقفت بطولي وسط الضباط والعساكر في قلب الصحرا. أخدت نفس عميق مليان بريحة العزة والكرامة، وحسيت لأول مرة من سنين إن روح أبويا مرتاحة ومستقرة، شايفاني من فوق ومبتسمة.
مبقاش فيه مكان للضعف، ولا بقى فيه نقطة دم واحدة تتصرف على ناس اختاروا الرخص والخيانة. أنا مريم أحمد الجبالي.. ضابطة في الجيش المصري، بنيت نفسي ببطء وإتقان، والجيل اللي أبويا رباه.. مابيتكسرش.
تمت
حكايات انجى الخطيب