
جوزي الطيار اختار حبيبته القديمة تركب معاه آخر كرسي في الهليكوبتر، وساب ابني يترجاه ما يسيبناش وسط الحريق
أكتر حاجة عمرها ما خرجت من دماغي، مش كانت النار وهي بتاكل كل حاجة حوالينا…
ولا الدخان اللي كان مالي السما.
ولا الرماد اللي كان لازق في وشي من العرق والخوف.
ولا حتى صوت مروحية جوزي وهي بتلف فوق راسنا وسط السما اللي لونها بقى برتقالي من كتر النار.
الحاجة اللي فضلت فاكرها لحد النهارده…
كانت سكوت ابني.
ابني اللي عنده تسع سنين.
من ثواني بس، كان بيصرخ بكل قوته:
“بابا! بابا استنى! والنبي ما تسيبناش!”
وبعدين…
سكت.
سكت خالص.
وقف مكانه، وشه كله تراب ورماد، وعينيه مليانة دموع، وبص على أبوه وهو بيطلع بالهليكوبتر لفوق…
ومعه ست تانية.
آخر كرسي فاضي في الهليكوبتر كان ليها.
حبيبته القديمة.
وبعد ما الهليكوبتر اختفت شوية وسط الدخان، ابني بصلي.
صوته كان واطي أوي.
“ماما… بابا هيرجع؟”
بصيت له.
وماعرفتش أرد.
لأني كنت عارفة إن النار حوالينا بتقرب بسرعة، وإن الوقت اللي قدامنا قليل جدًا.
وكنت عارفة حاجة تانية أخطر…
إن جوزي ماكانش غلطان.
هو ماكنش اتلخبط.
هو اختار.
اختار يطلع بيها…
ويسيبنا.
اسمي سارة عبد الرحمن.
كنت وقتها عندي سبعة وتلاتين سنة، وبشتغل أخصائية علاج طبيعي وتأهيل في مركز كبير في القاهرة.
كنت متجوزة من طيار مروحية اسمه ياسر عبد الرحمن.
ياسر كان من النوع اللي كل ما المصيبة تكبر، تلاقيه أهدى.
وده كان أكتر شيء شدني ليه في الأول.
كان دايمًا واثق في نفسه.
اشتغل سنين في الطيران، وكان بيشارك في عمليات إنقاذ ونقل مصابين، وبيطلع بطائرات الهليكوبتر في المناطق الصحراوية والطرق الجبلية، وشارك قبل كده في إنقاذ ناس اتعرضت لحوادث خطيرة في البحر الأحمر وسيناء.
كنت دايمًا بقول لنفسي:
“جوزي راجل يعتمد عليه.”
وكان فعلًا شاطر جدًا في شغله.
يمكن شاطر زيادة عن اللزوم.
لأن مع الوقت، ياسر بدأ يصدق إن خبرته في الطيران بتخليه دايمًا هو الصح.
في أي خناقة بينا، كان عنده جملة محفوظة بيكررها بمنتهى الهدوء:
“يا سارة، الطيارة ملهاش دعوة بالمشاعر.”
وأنا كنت بتجنن من الجملة دي.
كان يكمل:
“الوزن وزن، والبنزين بنزين، والجو جو. ساعات القرار الصح بيبقى قاسي، بس ده مش معناه إنه غلط.”
سنين وأنا مصدقاه.
لأني كنت بثق فيه.
لحد ما ظهرت منى الشافعي.
منى كانت مرتبطة بياسر قبل ما يعرفني.
علاقتهم استمرت حوالي خمس سنين.
وبعدين انتهت لما منى سافرت تشتغل في الإمارات.
ياسر كان دايمًا بيأكدلي إن مفيش خيانة حصلت بينهم، وإن الموضوع انتهى بسبب السفر والظروف وإن كل واحد اختار طريق مختلف.
والكلام ده وقتها طمني.
قلت لنفسي:
“خلاص، ماضي وانتهى.”
وفي البداية فعلًا كانت الأمور عادية.
منى تبعتله رسالة في عيد ميلاده.
ماشي.
يسأل عليها لو عرف إنها تعبانة.
ماشي.
تسأل عليه من وقت للتاني عن طريق أصحابهم القدام.
ماشي.
لكن بعد ما منى رجعت مصر…
كل حاجة اتغيرت.
فجأة بقت محتاجة ياسر في كل حاجة.
مرة ماسورة عندها ضربت في الشقة ومحتاجة حد يفهمها تعمل إيه.
مرة كلبها تعب ومحتاجة حد يوديها للدكتور.
مرة عربيتها عطلت وكانت عايزة رأيه.
ومرة قالت إنها محتارة في شغلها ومستقبلها، وإن محدش بيفهمها زي ياسر.
وأنا بدأت أحس إن فيه ست تانية دخلت جوا حياتنا من غير ما حد يستأذنني.
وفي ليلة، رجع ياسر البيت حوالي الساعة حداشر ونص.
أول ما دخل، سألته:
“كنت فين؟”
قال بمنتهى البرود:
“كنت بتعشى.”
“مع مين؟”
سكت ثانية.
وبعدين قال:
“مع منى.”
بصيت له.
“مش كنت بتقول إنك هتساعدها في موضوع العربية؟”
“آه، ساعدتها وبعدين اتكلمنا شوية.”
“شوية؟”
“آه.”
“أربع ساعات؟”
اتنهد، وبصلي كأني أنا اللي عاملة مشكلة.
“يا سارة، منى كانت جزء كبير من حياتي.”
“أنا عارفة.”
“وهي ملهاش أهل كتير هنا.”
قلت له:
“عندها أصحاب.”
رد بعصبية هادية:
“أهو ده اللي أنا بتكلم عنه.”
“بتتكلم عن إيه؟”
“إنتِ بتحولي أي حاجة لحاجة تهدد جوازنا.”
بصيت له في عينه.
وقلت:
“أنا مش مهددة من ماضيك يا ياسر.”
سكت.
وكملت:
“أنا متضايقة من اللي بيحصل في حاضرك.”
“مفيش حاجة بتحصل.”
“بتمسح رسايلها.”
اتوتر.
“إنتِ فتشتي موبايلي؟”
“لا. إنت كنت سايب المحادثة مفتوحة على ترابيزة المطبخ.”
فضل ساكت.
فقلت:
“قريت الرسالة اللي كانت بتسألك فيها إذا كنت ندمان إنك اتجوزتني.”
وشه اتغير.
تغيير بسيط جدًا…
بس أنا خدته بالي.
مسك راسه بإيده وقال:
“مفيش حاجة حصلت.”
قلت:
“أنا ما سألتكش حصل ولا لأ.”
“أمال بتسأليني عن إيه؟”
“بسألك إذا كانت حبيبتك القديمة بقت ليها نسخة خاصة من جوازنا… نسخة أنا نفسي مش مسموحلي أعرف عنها حاجة.”
بصلي شوية.
وبعدين مشي وسابني واقفة.
بعدها بحوالي تلات أسابيع، اكتشفت حاجة خلت قلبي يقبض.
ياسر كان قال لمنى مواعيد معسكر ابني عمر.
عمر كان عنده تسع سنين، وكان نفسه يروح معسكر صيفي تابع لمدرسة خاصة في منطقة العين السخنة.
كان صاحبه المقرب كريم رايح، فعمر فضل يزن عليا لحد ما وافقت.
وأنا كمان وافقت أروح مع المجموعة باعتباري من الأهالي المتطوعين، خصوصًا إن كريم كان عنده سكر، وعمر كان بيعاني من حساسية صدر، وكان فيه طفل تاني لازم يفضل معاه قلم الحساسية بتاعه طول الوقت.
وصلنا يوم السبت الصبح.
المكان كان قريب من منطقة جبلية، بعيد عن الزحمة، وفيه شاليهات وخيام ومناطق مفتوحة.
كنت فاكرة إن اليوم هيعدي عادي.
لحد ما شوفت منى.
كانت جاية ومعاها بنت أختها.
أول ما شافتني، فتحت عينيها وقالت باستغراب مصطنع:
“سارة؟! إنتِ هنا؟”
ابتسمت ابتسامة باردة.
وقلت:
#انجي_الخطيب
“آه… الدنيا صغيرة.”
ردت:
“والله أنا ماكنتش أعرف إنك جاية.”
بس بعدها بساعات، واحدة من المشرفات قالتلي بالصدفة:
“منى سجلت متأخر جدًا، تقريبًا قبل المعسكر بيومين.”
وقتها قلبي وقع.
طلعت موبايلي واتصلت بياسر.
رد بعد كام رنة.
قلت:
“إنت قلت لمنى مواعيد المعسكر.”
سكت.
قلت تاني:
“صح؟”
قال:
“قلت لها يمكن.”
“ليه؟”
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
“كانت بتسألني عن المكان.”
“ومين سمحلك تقولها مواعيد ابني؟”
“يا سارة، إنتِ مكبرة الموضوع.”
“أنا مكبرة الموضوع؟”
“آه.”
“إنت فاهم هي جت هنا ليه؟”
“عشان بنت أختها.”
ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.
“بنت أختها عمرها عشر سنين ومش مسجلة أصلًا في المعسكر إلا من يومين!”
سكت.
فقلت:
“ياسر… هي جت عشانك.”
قال بنبرة باردة:
“متبدأيش.”
وقتها ماكنتش أعرف إن المكالمة دي كانت آخر مرة أتكلم فيها معاه وأنا مطمنة.
لأن بعد أقل من أربع وعشرين ساعة…
النار بدأت.
في الأول، كنا فاكرينها مجرد حريقة صغيرة في أرض فضاء قريبة.
الدخان كان خفيف.
وبعدين الرياح زادت.
والنار بدأت تنتشر بسرعة مخيفة في المنطقة الجبلية.
المشرفين بدأوا يجروا الأطفال ناحية نقطة التجمع.
الناس كانت بتصرخ.
عربيات بتحاول تتحرك في نفس الوقت.
الدخان دخل في كل مكان.
وأنا كنت ماسكة إيد عمر بكل قوتي.
كان بيكح.
وكل شوية يبصلي ويقول:
“ماما… أنا مش قادر أتنفس.”
حاولت أطلعه بعيد عن الدخان.
لكن الطريق الرئيسي كان اتقفل.
وفي وسط الفوضى…
سمعنا صوت الهليكوبتر.
رفعت راسي.
ولأول مرة في حياتي، حسيت إن صوت طائرة جوزي مش مطمني.
ياسر كان جاي ينقذنا.
أو ده اللي أنا كنت فاكرة.
الهليكوبتر نزلت قريب من نقطة التجمع.
والناس بدأت تتزاحم.
كان فيه مكان محدود جدًا.
وأنا كنت ماسكة عمر، وبجري ناحيته.
“ياسر!”
بصلي.
وبعدين بص لعمر.
ابني جري عليه.
“بابا!”
مسك إيد أبوه.
“بابا خدنا معاك!”
ياسر بص ناحية الهليكوبتر.
وبعدين بص وراه.
منى كانت واقفة.
وشها مرعوب.
قال لها:
“تعالي.”
في اللحظة دي…
حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
قلت:
“إيه؟”
ياسر بصلي.
“سارة، المكان محدود.”
قلت:
“عمر الأول.”
قال:
“أنا عارف.”
عمر كان بيبكي.
“بابا، والنبي خدني معاك.”
لكن ياسر مد إيده لمنى.
ودخلها الهليكوبتر.
وكان ده…
آخر كرسي فاضي.
ابني وقف قدامي، وشه مليان رماد ودموع.
وبص لأبوه.
“بابا؟”
ياسر ما ردش.
الهليكوبتر بدأت تستعد للإقلاع.
عمر صرخ:
“باباااا!”
لكن ياسر قفل الباب.
الهليكوبتر طلعت.
والنار كانت بتقرب.
وابني سكت.
وبصلي.
“ماما…”
بلع ريقه.
“هو اختارها علينا؟”
ماعرفتش أقول حاجة.
لأن لأول مرة…
أنا كمان كنت عارفة الإجابة.
آه.
اختارها.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…
إن اللي حصل فوق الجبل ده كان مجرد بداية.
لأن بعد ما الهليكوبتر اختفت في السما…
لقيت حاجة على الأرض جنب نقطة التجمع.
حاجة وقعت من شنطة ياسر.
ورقة صغيرة.
فتحتها وأنا إيدي بتترعش.
وأول ما قريت أول سطر…
حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
لأن الورقة دي كانت هتثبت إن ياسر…
ماجاش ينقذنا بالصدفة.
كان جاي مخصوص علشان منى.
وكان فيه سبب أخطر بكتير من اللي أنا كنت متخيلة…
سبب لو عرفته قبلها بيوم واحد بس…
كان ممكن جوازي كله ينتهي قبل ما نوصل للنار أصلًا.
#انجي_الخطيب
إيدي كانت بتترعش والورقة مبلولة من العرق والدموع. ورقة مروّسة بختم شركة الطيران الخاصة اللي ياسر شغال فيها، وتاريخها كان من إمبارح بالليل.. يعني قبل الحريقة ما تبدأ بـ 12 ساعة كاملة.
كانت أصل فاكس رسمي بطلب إخلاء طارئ مدفوع الأجر، مكتوب فيه اسم واحد بس في خانة الراكب الوحيد المصرّح له بالإخلاء: منى الشافعي. وتحتها بخط إيد ياسر نفسه، كاتب ملحوظة قاسية: “في حالة تجاوز الحمولة أو حدوث ظروف جوية معقدة، يقتصر الإخلاء على الاسم المذكور فقط، وتُؤجل أي حالات أخرى لحين إشعارات قادمة.”
ياسر ما جاش ينقذ ناس، ولا جه ينقذنا بالصدفة ولقى المكان محدود.. ياسر كان طالع برحلة إخلاء خاصة متخطط لها ومتدفع ثمنها من إمبارح علشان ياخد منى لوحدها، وكان عارف إن فيه مؤشرات حريق في المنطقة ورتب مع المطار إنه يطلع بالطيارة تحت غطاء “عملية إنقاذ تطوعية” عشان يغطي على التكلفة ويسحبها هي بس وسط الزيطة. كان حاسب كل حاجة بالورقة والقلم.. الوزن، البنزين، والست اللي هيطلع بيها. والشيء الوحيد اللي ما حطوش في حسابه.. هو إحنا.
صوت فرقعة الأشجار والنار وهي بتاكل الخشب على بعد أمتار صحاني من الشلل اللي كنت فيه. عمر شد جيب جاكتتي بصوت مبحوح مكتوم وهو بيكح بحشرجة تخوف: “ماما.. النار بتعدي الشارع! ماما أنا مش قادر آخد نفسي!”
مسحت الرماد اللي كان عامي عينيا، وحطيت الورقة في جيبي الداخلي وقفلت عليها السوستة. الصدمة كانت كفيلة تهد جبل، بس صرخات ابنك لما تحس إنه بيموت بين إيديك بتخلق فيكي وحش ما تعرفيش جاب القوة دي منين. بصيت حواليا.. الدخان بقى ثقيل ولونه أسود فحم، والأهالي المتبقين كانوا بينطوا في العربيات بعشوائية، بس الشارع الرئيسي الموصل للطريق الساحلي كان اتسد تماماً بعربية نقل اتقلبت وولعت في نص السكة.
جبت الشال بتاعي، بليته من آخر بقية مية في الإزازة اللي معايا، ولفيته على وش عمر. شلته على دراعي رغم إنه كبر على الشيل، وجريت بيه ناحية ممر صخري ورا مبنى الشاليهات.. ممر قديم كنت شفت خريطته في مكتب الاستقبال وأنا بيسجل الدخول، كان بيعدي من ورا المحجرة ويبعد عن حركة الرياح اللي بتزق النار علينا.
عمر كان حاطط راسه في رقبتي، وبهمس مكسور قال: “ماما.. هو بابا سابنا ليه؟ هو زعلان مني عشان كنت بعيط؟”
الجملة نزلت على قلبي زي السيخ المحمي، بس مسكت نفسي وبصيت في عينيه بثبات وصوت ناشف مش عارفة طلعت القوة دي كلها منين: “بابا مش زعلان منك يا عمر.. بابا هو اللي اختار غلطة مش هيعرف يصلحها طول عمره. بس أنا معاك.. وإحنا هنخرج من هنا دلوقتي زَي الأبطال، اتفقنا؟”
هز راسه بتعب. طلعت أجري بيه فوق الصخور الملساء والنار بتعوي ورا ظهرنا كأنها وحش بيطاردنا. عند آخر الممر، لقيت عربية نص نقل قديمة تابعة لعمال الموقع، والراجل السواق قاعد ورا الدركسيون بيبكي ويده بتترعش ومش عارف يعشق الفتيس من كتر الرعب.
ربخت بإيدي على الإزاز بقوة، الراجل فتح وهو بيصرخ: “المكان هيتحرق! الشارع الرئيسي مقفول والناس اتحبست ورا!”
زعقت فيه بصوت يزلزل المكان: “افتح الباب ودخل الولد ده جواه! الممر الخلفي للمحجرة فاضي والنار لسه ما وصلتش له.. امشي ورايا أو سوق وأنا هقولك الطريق، لو قعدت تعيط هنا كلنا هنولع!”
الراجل بص لوشي المليان رماد وعيني اللي ما كانش فيها نقطة خوف واحدة باقيالي، وفتح الباب بسرعة. حطيت عمر وجمبه طفلين تانيين من اللي كانوا معزولين في المعسكر، ونطيت أنا في الصندوق الورااني ومعايا مشرفين اتنين. العربية اتحركت بأقصى سرعتها وسط جحيم من الشرار والدخان اللي كان بيغطي الزجاج، والراجل بيسوق بعمي بس أنا كنت بصرخ فيه وبوجهه خطوة بخطوة: “اكسر يمين هنا! انزل مع النزلة دي هتبعدنا عن مجرى الهوا!”
عشرين دقيقة من الجحيم، الرئة فيها بتستغيث والصهد بيلسع جلودنا، لحد ما العربية كسرت آخر ساتر صخري.. وظهر قدامنا الطريق الساحلي المفتوح.
صوت سرينات عربيات الإسعاف والإطفاء كان مالي الجو، والشرطة قافلة الطريق ومجمعة الناس اللي هربت. السواق ضرب فرامل، وأول ما العربية وقفت، نزلت وشلت عمر في حضني وحطيت راسي على صدره.. كان بيتنفس، صدره بيطلع وينزل بصعوبة، بس حي.. ابني عايش.
المسعفين جُم يجروا علينا، أخدوا عمر وحطوا له ماسك الأكسجين، وأنا قعدت على الإسفلت السخن، هدومي متفحمة ووشي أسود من الدخان، وجسمي كله بيترعش.. مش من الخوف، من الغضب اللي تحول لدم جاري في عروقي.
مسكت موبايلي اللي كان الشاشة بتاعته متشرخة، ولقيت الشبكة رجعت ضعيفة. كان فيه 4 مكالمات فائتة من ياسر، ورسالة صوتية منه مدتها عشر ثواني.
فتحت الرسالة، جه صوته الهادي المنتظم اللي كنت زمان بشوفه حكمة، ودركت في اللحظة دي إنه مجرد برود نرجسي حقير: “سارة.. أنا نزلت منى في أقرب نقطة إسعاف في السخنة لأنها كانت بتفقد الوعي. أنا طالع بالطيارة تاني عشان أدور عليكوا، طمنيني انتوا فين؟”
ضحكت.. ضحكة قصيرة مفيهاش أي صوت، ضحكة ست اتولدت من جديد وسط النار.
فتحت تسجيل المكالمات، ودست اتصال على رقمه. رد من أول رنة، وصوته فيه نبرة تمثيل متقنة: “سارة! انتوا فين؟ أنا فوق المعسكر والدخان مغطي كل حاجة!”
رديت عليه بصوت أهدى من التلج، صوت خلاه يسكت تماماً على الناحية التانية:
“ما تتعبش نفسك يا ياسر.. النار خلصت، وعمر عايش وفي حضني. بس الورقة اللي وقعت من شنطتك تحت طيارتك وأنت بتاخد منى.. الورقة دي في جيبي دلوقتي. الورقة اللي بتقول إنك بايعنا من إمبارح بالليل ومأمن خروج حبيبته بس.”
سكت.. وما سمعتش غير صوت مروحية الطيارة في الخلفية.
كملت وكأن كل حرف بيخرج مني بيقطع حبل كان بيننا: “وفر بنزين طيارتك يا كابتن.. عشان الرحلة الجاية مش هتكون لإنقاذ حد. المحامي بتاعي هيستناك في المطار.. ومش بس عشان دعوى طلاق، ده عشان بلاغ للنيابة العامة بتهمة التخلي عن طفل في مكان خطر والشروع في قتله.”
قفلت السكة في وشي قبل ما ينطق بكلمة، ورميت الموبايل في الإسفلت. بصيت لعمر وهو ماسك إيدي وبيبتسم لي من تحت ماسك الأكسجين، وبصيت للسما اللي بدأت تصفى من الدخان البرتقالي.. وفي اللحظة دي، عرفت إن سارة الضعيفة المطيعة أتحرقت في الجبل ورايا، والست اللي واقفة على الطريق دي.. مش هترحم حد.
حكايات انجى الخطيب
مستشفى السويس العام كانت دوشة وجمهرة تنمل لها الأبدان. ريحة المطهرات والكلور متخلطة بمرة الدخان اللي مالية زمارة رقبتنا. النور الأبيض بتاع الطوارئ كان يوجع العين، خصوصاً بعد السواد والشرار اللي عشنا فيه ليلة كاملة.
عمر كان قاعد على السرير، ماسك الجهاز اللي بيبخ أكسجين في صدره، وعينيه مستناني أتحرك من جنبه خطوة واحدة. كان خايف، مش من الموت ولا النار، كان خايف أختفي زي ما أبوه اختفى في السما.
قبل ما الباب يتفتح، طلعت موبايلي بإيد بتهتز، صورت الورقة اللي في جيبي يجي عشر صور، بعتّها لنفسي على الإيميل، وبعتّها على الواتساب لأشرف حلمي، المحامي صاحب بابا، وكبّرت الجزء اللي فيه خط إيد ياسر وتوقيعه. طويت الورقة الأصلية وحطيتها في الكيس البلاستيك الشفاف بتاع قناع الأكسجين، ودخلتها في المخدة اللي ورا ظهر عمر.
وفجأة.. الباب المزدوج بتاع الطوارئ اترزع بقوة.
دخل ياسر. بدلته الكحلي بتاعة الطيران كانت متفحمة عند الأكمام، كاب الطيارة مش معاه، وشعره منكوش على غير عادته الباردة المنظمة. كان باين عليه إنه جري في الطرقات لحد ما وصل. أول ما شافني، عينيه اتركزت عليا بحدّة، ونظرته ما كانتش نظرة أب مرعوب على ابنه.. كانت نظرة حرامي أدرك إن الخزنة المفتوحة اتصوّرت.
قرب بخطوات سريعة، صوته كان واطي ومبحوح وهو بيهجم عليا بالكلام:
“سارة.. هاتي الورقة دي فوراً.”
ما تحركتش من مكاني. فضلت باصة له في عينيه، من غير ما أرمش.
قال وهو بيبص حواليه برعب إن حد يسمعه:
“إنتِ مش فاهمة حاجة! الورقة دي طلب إخلاء إداري روتيني، منى كانت في مهام عمل في المنطقة التابعة للشركة، وأنا طياري المسئول! هاتي الورقة بلاش تهور، دي لو وصلت للنيابة أو للإعلام شغلانتي هتروح، والمستقبل اللي بصرف منه على ابنك ينتهي!”
رديت بصوت هادي أوي، أهدى من التلج اللي بينزل على الميتين:
“شغلانتك؟ هو ده اللي هامك دلوقتي؟ شغلك ومستقبلك؟”
شاور بإيده بعصبية مكتومة:
“يا سارة افهمي! الطيارة ليها حمولة ووزن، البنزين ما كانش هيكفي نطلع بيكوا كلكم مع بعض، أنا خططت أنزلها هي في أول نقطة وآجي ألمّكم من الممر الخلفي.. دي حسابت طيران مش عواطف!”
ضحكت.. ضحكة مكتومة خلته يرجع خطوة لورا.
“حسابات طيران؟” قلتها وأنا بقرب منه لحد ما بقى بيني وبينه شبر واحد، “حسابات الطيران بتقول إنك تطلع بمنى الساعة تسعة بالليل بالورقة دي، وحسابات العواطف هي اللي خليتك تسيب ابنك اللي عنده تسع سنين بيصرخ تحت المروحة وبيقولك ‘والنبي ما تسيبناش’؟ أنت ما خفتش على البنزين يا ياسر.. أنت خفت على وقتها هي. أنت بعت ابنك عشان ما تزعلهاش.”
وشه اصفر، وعروق رقبته زفرت. قرب ومسك دراعي بقوة:
“أنا ما سمحلكيش تتهميني في أبوّتي! عمر ده ابني الوحيد! هاتي الورقة يا سارة.. هاتيها بالذوق بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك.”
في اللحظة دي، عمر شال القناع من على وشه بصعوبة، وصوته المكتوم طلع من السرير:
“أنا مش عايزك يا بابا.. امشي من هنا.”
ياسر اتجمد مكانه. تلفّت لابنه، ورجع بصلي، كان شكله زي اللي بياخد قلم على وشه قدام الناس.
وفجأة، الباب اتفتح تاني. دخلت منى.
كانت لابسة جاكيت ياسر الجلدي الصوف، وشها باهت تماماً، ومسندة على ممرضة. أول ما شافتنا، عينها جت في عيني. ما كانش في عينها أي انتصار.. كان فيها رعب ست فاهمة إن اللعبة كبرت وبقت دم.
قالت بصوت بيترعش:
“ياسر.. الشركة اتصلت بيا.. النيابة العسكرية للقطاع المالي طلبوا مراجعة خط السير بتاع الطيارة اليوم.. في بلاغ تقدم عن استغلال طائرة إنقاذ في أغراض شخصية.”
ياسر لف وشه بسرعة، عينيه وسعت من الصدمة:
“إيه؟! بلاغ مين؟!”
الباب اتفتح لثالث مرة، بس المرة دي دخل راجل ببدلة ميرية، وراه اتنين أمناء شرطة. الراجل بصلنا كلنا، وبعدين أخد نفس وعينيه استقرت على ياسر:
“الكابتن ياسر عبد الرحمن؟”
ياسر بلع ريقه وصوته ضاع:
“أيوة يا فندم.. أنا الكابتن ياسر.”
الظابط قال بصرامة:
“استاذ أشرف حلمي المحامي قُدم للنيابة العامة صور ضوئية من طلب إخلاء مدفوع بتاريخ الأمس، وبلاغ رسمي يتهمك بالتخلي عن قاصر في منطقة كارثة طبيعية معرضة للحريق، واستخدام وسائل الدولة لإخلاء شخص غير مدرج في قوائم الطوارئ. اتفضل معانا على مركز الشرطة لسماع أقوالك.”




