منوعات

جوزي الطيار حكايات انجى الخطيب

منى صرخت بصوت واطي ومسكت في دراع ياسر:
“ياسر! قلهم إنك كنت بتنقذني! قولهم إن المحضرة كانت حقيقة!”
ياسر زق إيدها عنه ببرود مرعب.. نفس البرود اللي كان بيعاملني بيه. بصلي بعيون مليانة غل وهو بيتقبض عليه، وقال بصوت مكتوم:
“هدمرك يا سارة.. والله ما هسيبك تاخدي القرشين اللي حيلتي، ولا هخليكي تشوفي عمر تاني!”
ابتسمت له.. ابتسامة صافية تماماً، ومشيت ناحية سرير ابني، بَست راسه، ولفيت وشه الناحية التانية عشان ما يشوفش أبوه وهو بيتساق الكلبشات في إيديه.
ولما الظابط أخد ياسر ومنى وخرجوا، الأوضة سكتت خالص. ما فضليش غير صوت جهاز الأكسجين وهو بيبخ.. وصوت النفس الدافي بتاع ابني وهو بيمسك إيدي بكل قوته ويهمس:
“ماما.. إحنا كده كسبنا؟”
بصيت له وقلت له ونبرة صوتي ثابتة زي الجبل:
“إحنا لسه بنبدأ يا عمر.. بس المرة دي، النار مش تحت رجلينا.. النار تحت رجليهم هما.”
عدّت تلات أسابيع كان الشارع والإعلام فيهم مقلوبين على القصة. المانشيتات في الصحف والمواقع كانت بتشتم في “طيار المروحية اللي ضحى بابنه وسط حريق السخنة عشان يخلّي حبيبته القديمة”. الصورة اللي اتسربت للورقة الرسمية بخط إيده بقت “تريند”، والناس ما كانش حيلتها كلام غير عن قسوة أب باع ضناه في لحظة فارقة.
في مكتب وكيل النيابة، التكييف كان بيزن بصوت واطي، وريحة الأوراق والمجلاّت القديمة مالي المكان. ياسر كان قاعد قدام مكتب المستشار، جنبه محامي كبير ببدلة غالية وشنطة جلد. وشه كان أصفر، وعينيه تحتها هالات سودة تقيلة، الهيبة والبرود اللي عاش بيهم طول عمره اتنسحوا تماماً.

 

أنا كنت قاعدة على الكرسي اللي قدامه، لابسة أسود، ماسكة إيد الأستاذ أشرف حلمي المحامي بتاعي. وعمر كان بره مع أختي في الصالة، بيلون في كشكول ورسمته كلها طيارات بتسقط في البحر.
المحامي بتاع ياسر عدّل نظارته، وقال بصوت واثق بيحاول يرمم القشرة اللي

:
“يا فندم، موكلي الكابتن ياسر اتصرف وفق بروتوكول  الجوية رقم 404. الطائرة كانت بتعاني من اضطراب في الاتزان بسبب صهد النار والهوا الساخن، وكان لازم ينزل أوزان في أسرع وقت. المذكورة منى الشافعي تعرضت لحالة إغماء واختناق حاد يستدعي النقل الفوري، وموكلي كان حاطط في حسابه يرجع للطفل وأمه في غضون عشر دقايق بعد تفريغ الحمولة!”
وكيل النيابة بص للمحامي من فوق نظارته، وبعدين بص لياسر:

“عشر دقايق؟ الدفاتر الرسمية للمطار العسكري والملاحة الجوية بتقول إن الكابتن ياسر بعد ما نزل المذكورة منى في المجمع الطبي، عمل هبوط اضطراري وإغلاق للمحرك بدون إذن، ورفض يرجع للموقع بحجة ‘ظروف الجو غير مواتية’، وفي نفس الوقت كان بيحاول يمسح محادثات الواتساب والتسجيلات الصوتية بينه وبينها!”
ياسر بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع هزيل ومشروخ:
“يا فندم.. أنا اتلخبطت.. النار كانت في كل مكان، والضغط كان غير طبيعي..”
هنا الأستاذ أشرف وقف، وطلع ملف أزرق حطه قدام وكيل النيابة  خفيفة على المكتب:
“سيادة المستشار.. ده تقرير شركة الطيران الخاصة. الفاكس اللي اتسحب من المطار بيثبت إن الراكبة منى الشافعي دفعت قيمة رحلة طوارئ خاصة الساعة تسعة بالليل قبل الحريق ما يوصل للمعسكر بررّام كامل. يعني القرار ما كانش ابن لحظته في الجو، القرار كان مبيت في شقة حبيبته القديمة قبلها بيوم!”

وكيل النيابة مسك التقرير، وفرّ الصفحات ببطء مرعب. كل صفحة كانت بتتقلب، كان ياسر بيهبط فيها سم في كرسيه.
في اللحظة دي، الباب خبط ودخلت منى. كانت جاية مع محاميها، وشها دبلان، مفيش نقطة مكياج، وعينيها متورمة من العياط. أول ما دخلت، بصت لياسر بقرَف وشزازة مش طبيعية.
وكيل النيابة وجه لها الكلام:
“يا آنسة منى.. أقوالك السابقة بتقولي فيها إنك ما كنتيش تعرفي إن فيه حريق، وإن الكابتن ياسر هو اللي أصر ياخدك معاكي في الطيارة؟”

منى بصت لياسر بصة كره وغل، وقالت بصوت عالي وهي بتبكي:
“أيوة يا فندم! هو اللي كلمني بالليل وقاللي المعسكر هيتحرق لأن فيه تحذيرات صادرة للصحراء الشرقية، وقاللي تعالي وخدي بنت أختك وأنا هأمن خروجك أنتِ بس عشان سارة ما تكتشفش إننا بنتقابل! هو اللي استغل شغلانته والطيارة بتاعة الشركة! أنا ما كنتش اعرف إنه هيسيب ابنه يتفحم في الجبل! هو قاللي إن سارة وعمر خرجوا في أول فوج أتوبيسات!”
ياسر نط من كرسيه وهو بيصرخ فيها وعروق وشه هتقعف:
“أنتِ كذابة يا خائنة! أنتِ اللي ترجيتيني أطلع بيكي عشان خايفة من الدخان! أنتِ اللي قلتِ لي ‘الولد ومامته هيتصرفوا، أنقذني أنا الأول’!”
زعق وكيل النيابة بصوت هز الأوضة وهبد إيده على المكتب:
“بس أنت وهو! اقعد يا كابتن! فاكرين نفسكم قاعدين في قعدة عرب؟!”
الأوضة سكتت تماماً. ياسر قعد وهو بيلسس نفسه، نفسه سريع وطالع بصعوبة. بصلي بعيون مكسورة، محنية، وقال بنبرة رجاء أول مرة أسمعها منه في حياتي:
“سارة.. عشان خاطر عمر.. تنازلي عن البلاغ الإداري.. الشركة سحبت رخصتي رهن التحقيق، ولو النيابة حوّلت القضايا دي للجنايات، أنا هتدمر.. مش هعرف أشتغل طيار تاني في أي حته في العالم.. أنتي عارفة الطيران بالنسبة لي إيه.. الطيران ده روحي يا سارة!”
بصيت له بمنتهى الهدوء، وقفت، ودعكت إيدي ببعضها وأنا بقرب من مكتب النيابة.
وقلت له بصوت واضح وراسي يوصل لكل خرم في الأوضة:
“أنت زمان كنت بتقول لي: ‘الطيارة ملهاش دعوة بالمشاعر يا سارة.. الوزن وزن، والبنزين بنزين، وساعات القرار الصح بيبقى قاسيبس ده مش معناه إنه غلط’.. فاكر كلامك؟”
ياسر اتجمد، وشفايفه بدأت تترعش.
كملت وأنا ببص له في عينيه مباشرة:
“النهارده بقى، القانون ملوش دعوة بالمشاعر يا ياسر. الجريمة جريمة، والخيانة خيانة، وساعات العقاب الصح بيبقى قاسي.. بس ده مش معناه إنه غلط. روحك اللي بتقول عليها دي.. أنت رميتها بنفسك في الجبل وأنت بتقفل باب الطيارة في وش ابنك.”
التفت لوكيل النيابة وقلت بثبات:
“أنا مصرة على البلاغ يا فندم.. ومتمسكة بحقي في حضانة عمر الكاملة، ورفع دعوى طلاق للضرر مع حظر سفره مع أبوه.”
وكيل النيابة هز راسه، ومسك القلم وكتب بخط عريض على الوش بتاع الملف:
“تُحيل النيابة العامة المتهم ياسر عبد الرحمن إلى محكمة الجنايات بتهمة تعريض حياة قاصر للخطر، والتخلي عنه في مكان مأهول بالكوارث، واستغلال المال العام وأموال الشركة لأغراض شخصية، مع استمرار حبسه على ذمة التحقيق.”
صوت الكلبشات وهي بتتقفل على إيدين ياسر كان النغمة الأخيرة في أسطورة الطيار الواثق من نفسه. كان بيتقاد لبره والأمناء ماسكينه، ومنى وراه بتصرخ وبتتخانق مع محاميها، وهو عمال يتلفت لي ويقول بصوت واطي ومكسور:
“سارة.. سامحيني.. سارة عشان خاطر عمر..”
ما أديتوش ظهري.. فضلت باصة له وهو بيتسحب لأسفل، لحد ما باب المكتب اتقفل.
خرجت لصالة الانتظار. النور كان ساطع، والشمس طالعة مالية المكان. عمر أول ما شافني، ساب كشكول الرسم وجري عليا، حضن ركبتي بكل قوته.
وطيت عنده، مسحت شعره المليان ريحة الشامبو الجديد، وشلت الكاب الصغير اللي كان لابسه.
سألني بعيون واسعة وصافية:
“ماما.. هو بابا مش هيطير تاني؟”
بصيت له وابتسمت من قلبي، ابتسامة حقيقية لأول مرة من سنين، وقلت له:
“لا يا حبيبي.. بابا خلاص نزل على الأرض.. وإحنا اللي هنطير.”
مسكت إيده الصغيرة، ومشينا في الممر المفتوح ناحية الشارع، والصوت الوحيد اللي كان مالي السما فوقينا.. كان صوت العصافير وهي بتطير حرّة في المدى.
تمت
حكايات انجى الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى