
«مش عارف… بس عمرنا ماشفنا حد يكسرها.»
حسام ضحك بصوت عالي: «يا عم بطل خرافات… إنيه إيه اللي هيحصل؟ القفل هيتحول لعفريت ويعضني؟»
وبينما بيضحك… ضحكته وقفت فجأة، عقد حواجبه وقرب القفل من وشه.
«إيه ده؟»
أشار لحجر أخضر صغير في منتصف القفل، كان فيه نقطة حمرا. حسام مسحها بصباعه وبص عليه؛ كان عليه أثر أحمر.
«دي دم؟»
شم صباعه: «شكلها كده.»
«يمكن الحاجة كانت مجروحة وهي ماسكاه.»
طلع منديل ومسح الحجر كويس ورمى المنديل.
وبعد ثواني… أنا اللي لاحظت: «حسام.»
«إيه؟»
«بص.»
رجع يبص للحجر؛ النقطة الحمرا ظهرت تاني، صغيرة جِدًّا لكن موجودة.
مسحها بعصبية فظهرت بعدها بثواني. ضحك ضحكة مصطنعة: «أكيد فيه حاجة جوه الحجر بتطلع.»
«دم يعني؟»
زعق: «مش دم!»
وفي نفس اللحظة… موبايله رن برقم غريب.
رد: «ألو؟»
محدش رد.
«ألو؟»
ثانيتين صمت، وبعدين سمعنا صوت ست كبيرة جِدًّا في السن، صوت واطي ومبحوح، قالت كلمتين بس:
«رجّع الأمانة.»
حسام اتجمد، وأنا كنت سامعها بوضوح.
قال: «مين؟»
الخط اتقفل، وفضل ماسك الموبايل.
قلت: «مين دي؟»
قال بسرعة: «رقم غلط.»
«أنا سمعتها… قالت رجع الأمانة.»
لف ناحيتي وزعق: «قولتلك رقم غلط يا محمود!»
حط القفل في الشنطة وقفل السوستة بعنف، وشغلنا العربية وطلعنا. وأنا بطلع من بوابة المستشفى بصيت في المراية، لقيت الحاجة واقفة عند الباب لوحدها!
الغريب إننا كنا سايبينها فوق من دقايق، ومستحيل تكون خلصت الحسابات ونزلت قبلنا بالسرعة دي. كانت واقفة ساكتة وباصالنا.
«حسام…»
«إيه تاني؟»
«بص في المراية.»
«أبص على إيه؟»
رجعت بصيت مالقيتش حد: «ولا حاجة.»
طلعنا على الطريق، وأنا طول الوقت حاسس بحاجة غلط. لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها… إن قاعدة «دهب المستشفى مافيهوش مكسب» ماكانتش مجرد قاعدة أخلاقية، كان وراها سبب تاني قديم جِدًّا، وسر التجار الكبار كانوا بيتجنبوا الكلام عنه.
وحسام… من غير ما يعرف… كان أول واحد من سنين طويلة يكسر القاعدة. وقبل ما تعدي الساعة 12 بالليل… كان هيبقى مستعد يرجع للست القفل ويدفع لها فوقه فلوس كمان… بس علشان الحاجة اللي دخلت معانا العربية ترجع تخرج منها.
3
طول الطريق حسام كان ساكت، ولا مرة فتح الشنطة ولا حتى بص ناحية القفل، وده لوحده كان غريب؛ لأن حسام لما كان يقع في صفقة حلوة كان يقعد يحسب المكسب عشر مرات.
وصلنا عند المكتب حوالي الساعة تسعة ونص بالليل. ركنت ونزلنا، وأول ما حسام مد إيده للشنطة وقف وبصلي: «محمود.»
«نعم؟»
«الشنطة كانت مقفولة، صح؟»
«أيوه.»
«وإنت لمستها؟»
«لأ.»
فتح السوستة؛ القفل كان جوه، بس قطعة القماش اللي كانت الست لافاه فيها… كانت مبلولة! مش مية، سائل أحمر غامق.
حسام شالها بسرعة: «إيه القرف ده؟»
«حسام…»
«ماتبدأش، أنا ماقولتش حاجة.»
طلع القفل، كان نضيف ومفيهوش نقطة واحدة، لكن القماش نفسه كان مبلول كأنه متغمس في دم. رماه في كيس زبالة: «ده أكيد من حاجة في شنطة الست.»
«الشنطة بتاعتنا يا حسام.»
سكت، طلعنا المكتب، وحسام حط القفل في الخزنة وقفلها بمفتاح مرتين.
«خلاص.»
«خلاص إيه؟»
«انتهى الموضوع.»
«وإيه حكاية المكالمة؟»
«رقم غلط.»
«والدم؟»
«مش دم.»
«والحاجة اللي شفتها عند باب المستشفى؟»
لف ناحيتي بعصبية: «إنت عايز تخوف نفسك؟ براحتك.»
فتح درج مكتبه وطلع زجاجة مية: «أنا رايح البيت.»
«والقفل؟»
«يبات هنا.»
«ليه ماتاخدوش معاك؟»
بصلي، وعرفْت إنه هو نفسه خايف، لكنه قال: «علشان الشغل يا محمود، مش علشان خرافاتك.»
قفلنا المكتب ونزلنا، حسام ركب عربيته وأنا ركبت عربيتي. وقبل ما يمشي نزل الإزاز وقال: «بكرة الصبح بدري نعرضه على عم شوقي» (أكبر تاجر مقتنيات دهب قديم أعرفه).
قلتله: «تمام.» ومشي.
وأنا فضلت واقف شوية أبص على نور المكتب فوق، ومش عارف ليه، بس كان عندي إحساس قوي إن القفل اللي جوه الخزنة… مش لوحده.
4
الساعة 11:47 بالليل… موبايلي رن. صحيت من النوم مفزوع، لقيت حسام.
رديت: «ألو؟»
ماجاش صوته الأول، كان فيه صوت نفسه بس؛ سريع ومتقطع.
«حسام؟»
قال بصوت واطي جِدًّا: «محمود… تعالى لي.»
قعدت في السرير: «فين؟»
«البيت.»
«مالك؟»
سكت، فقلت: «حسام، فيه إيه؟»
«القفل هنا.»
اتجمدت: «هنا فين؟»
«في بيتي.»
«إنت أخدته من المكتب؟»
صرخ فجأة: «لأ!» وسكت ثانية وبعدين قال: «أنا سيبته في الخزنة قدامك.»
جسمي كله قشعر: «لعل وعسى حد فتح المكتب؟»
«الخزنة مقفولة والمفتاح معايا… محمود… القفل كان على مخدتي.»
ما رديتش، كمل: «دخلت أوضتي لقيته فوق المخدة بتاعتي.»
«والشنطة؟»
«مفيش شنطة.»
«والخزنة؟»
«المفتاح معايا في جيبي.»
«اتصل بالشرطة.»
«وأقول لهم إيه؟ قطعة دهب طلعت من خزنة مقفولة ووصلت بيتي؟»
سكتنا، وفجأة سمعت صوت من عنده: تك… صوت معدن خبط في حاجة.
«حسام؟»
ما ردش.
تك… تاني.
تك… تالت.
وبعدين حسام همس: «محمود…»
«نعم؟»
«القفل بيتحرك.»
قفلت المكالمة ولبست هدومي ونزلت جري.




