
5
بيت حسام كان في مدينة نصر، وصلت في أقل من نص ساعة، لقيت باب الشقة مفتوح. دخلت: «حسام!»
طلعلي من الصالة، وشه أبيض فعلاً! راجل طول عمره صوته عالي ومش بيخاف من حد، كان واقف قدامي وبيترعش، وأشار ناحية أوضة النوم: «هناك.»
دخلت؛ القفل كان فوق السرير في النص بالظبط، وحوالينه آثار حمراء صغيرة زي نقط دم.
لكن المرعب أكتر… إن على الحيطة فوق السرير كان مكتوب بحروف متسحبة بسائل أحمر: «الأمانة لا تُباع.»
رجعت خطوتين: «إنت عملت ده؟»
بصلي كأني شتمته: «إنت اتجننت؟»
«طب مراتك؟»
«عند أهلها من امبارح.»
«ولادك؟»
«معاها.»
قربت من القفل، فقال: «ماتلمسوش.»
بصتلله: «أول مرة تقول ماتلمسوش.»
قعد على طرف السرير: «محمود… أنا غلطت… لازم نرجعه.»
«دلوقتي؟»
«أيوه.»
بصيت للساعة: 12:31 بعد منتصف الليل.
«المستشفى دلوقتي؟»
«حتى لو نقعد على الباب لحد الصبح.»
مسك القفل بقطعة قماش، وأول ما رفعه… نور الشقة قطع! الظلام نزل مرة واحدة، وسمعنا صوت ست عجوز مش من موبايل بل من جوه الأوضة نفسها قالت: «اتأخرت.»
حسام صرخ ورمى القفل. النور رجع، والقفل كان على الأرض، والحائط بقى عليه سطر تاني: «كل دقيقة ليها تمن.»
بصلي وقال: «نروح حالًا.»
6
وصلنا المستشفى حوالي واحدة ونص، دخلنا من الاستقبال وكان حسام شايل الشنطة بإيديه الاتنين. طلعنا للدور، الطرقة كانت أهدى من الصبح والمقاعد فاضية. وصلنا عند الرعاية ودورنا على الست فما لقيناهاش.
سألنا ممرضة: «معلش، الحاجة الكبيرة اللي حفيدتها في سرير 301؟»
بصت لنا باستغراب: «مين؟»
«ست كبيرة، شعرها أبيض، كانت موجودة الصبح.»
«آه… تقصدوا جدة سارة؟»
حسام قرب منها: «أيوه، فين هي؟»
الممرضة سكتت وبصت لنا: «حضرتكوا مين؟»
«ناس نعرفها.»
«توفت.»
حسام ما استوعبش: «مين؟»
«الجدة.»
حسيت الأرض بتتحرك: «إمتى؟»
«من حوالي ساعتين.»
قال بسرعة: «إزاي؟ كانت كويسة!»
«جالها هبوط حاد بعد ما دفعت الحسابات، حاولنا نلحقها، لكن…» وماكملت.
حسام مسك الكرسي جنبه، وقلت أنا: «وحفيدتها؟»
ابتسمت ابتسامة بسيطة: «العملية نجحت الحمد لله، لسه تحت الملاحظة، لكن حالتها مستقرة.»
أنا وحسام بصينا لبعض، بلع ريقه وقال: «إحنا محتاجين أهلها.»
بعد حوالي عشر دقايق جت بنت في أواخر الأربعينات، ملامحها منهارة. حسام قرب منها: «حضرتك بنت الحاجة؟»
«أيوه.»
طلع القفل من الشنطة، وأول ما شافته اتغير وشها: «إنت جبت ده منين؟»
«والدتك باعتهولنا.»
البنت سكتت وبعدين قالت: «مستحيل.»
«ليه؟»
«أمي ماكانش معاها القفل ده من الأصل… القفل ده اتحط مع أختي في الكفن من خمس سنين.»
حسام وقع القفل من إيده وصوته رن في الطرقة.
قلت: «أختك؟»
«أختي الكبيرة ماتت هنا في نفس المستشفى، وكانت بتحب القفل ده جِدًّا. أمي قالت وقتها إنه أمانة معاها، وإنها وعدت أختي إنه يفضل معاها حتى بعد الموت.»
سكتت وبصت للقفل على الأرض: «أنا حضرت الدفن بنفسي، القفل كان في رقبتها.»
حسام رجع لورا وقال بصوت مبحوح: «لا…»
كملت البنت: «وأمي من يومها كل ما حد يذكره تقول جملة واحدة: الأمانة ما تتباعش.»
حسيت شعري وقف، وحسام بصلي؛ نفس الجملة المكتوبة على الحيطة!
«إنتوا جبتوه منين بجد؟»
حسام ماعرفش يرد. وفجأة… باب الرعاية اتفتح وطلع دكتور قال: «أهل سارة؟»
جريت أمها عليه: «أنا أمها.»
ابتسم: «الحمد لله، بنتك فاقت.»
انهارت من العياط، أما أنا فكنت باصص للقفل، وكان عندي إحساس إن الحكاية لسه مخلصتش.
7
حسام أخدني ناحية آخر الطرقة وقال: «نسيبه هنا ونمشي.»
«لمين؟»
«لأي حد.»
«وإنت فاكر الموضوع كده هيخلص؟»
زعق بصوت واطي: «أمال نعمل إيه؟»
«نرجع الفلوس.»
سكت.
«كل الفرق… مليون وميتين على الأقل.»
وشه اتشد: «أنا دفعت 600.»
«تدي الباقي.»
«يعني 600 ألف زيادة؟»
«أيوه.»
«طب والقيمة الفنية؟»
«لو عايز تريح ضميرك بجد، تدفع حقه كامل.»
بصلي كأنه بيكرهني، وبعدين بص للقفل. في اللحظة دي موبايله رن بنفس الرقم الغريب، فتح السماعة قدامي، وصوت الست العجوز قال: «لسه الحساب ناقص.»
وانقطع الخط.
حسام قعد على أقرب كرسي وحط وشه بين إيديه، وبعد دقيقة طلع موبايله وقال للبنت: «حضرتك عندك حساب بنكي؟»
بصتله باستغراب: «ليه؟»
قال: «والدتك باعتلنا حاجة بأقل من تمنها… وأنا غلطت، بعت لها 960 ألف جنيه زيادة؛ 600 ألف علشان يكمل قيمة الدهب الخام لمليون وميتين، و360 ألف زيادة باعتبار قيمة القطعة وصنعتها. إجمالي اللي وصل للأسرة 1,560,000 جنيه.»
أول ما التحويل تم… موبايل حسام رن للمرة التالتة بنفس الرقم.
رد، والصوت قال: «باقي الأمانة.»
حسام بص للقفل وفهمنا؛ الفلوس رجعت، لكن القفل نفسه… لازم يرجع مكانه.
8
البنت أخدتنا تاني يوم الصبح على المقابر؛ قبر أختها كان في مدافن العيلة، وطبعًا ماكانش ينفع نفتح قبر من دماغنا، فالعيلة اتفقت مع المسؤولين وتمت الإجراءات بحضورهم.
حسام طول الوقت ساكت، وأول ما اتفتح المكان البنت انهارت، أما أنا ففضلت واقف بعيد.
القفل اتحط جوه تاني مع صاحبة الأمانة، حسام بنفسه لفه في قطعة قماش بيضا وقال بصوت واضح: «أنا آسف.»
وأول ما ساب القفل… الموبايل بتاعه رن. فتح الشاشة؛ مفيش رقم ولا مكالمة، بس رسالة واحدة ظهرت واختفت قدامنا: «الحساب اتقفل.»
ومن اليوم ده… حسام اتغير، بطل يستهين بقاعدة المستشفى، بل بقى أكتر واحد يشدد عليها. ولو حد من التجار الشباب قال: «يا عم دي مجرد حكايات قديمة،» حسام كان يبصله ويقول: «اسمع الكلام وخلاص.» ولو سألوه ليه… عمره ما حكى.
أما أنا… ففهمت أخيرًا إن بعض القواعد بتبدأ كأخلاق، وبعد سنين الناس تنسى السبب وتفتكر بس الجملة، لكن فيه قواعد لو كسرتها… مش كل الحسابات فيها بتتدفع بالفلوس.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




