Uncategorizedمنوعات

شغال في الدهب القديم

الست قالت: «يعني هتديني كام؟»
فتح الآلة الحاسبة (200 جرام × 5000) وقال: «مليون جنيه.»
سكتت، وأنا مسكت حسام من دراعه: «تعالى ثانية.»
أخدته بعيد عنها وقلت بصوت واطي: «إنت بتعمل إيه؟»
«بشتري.»
«إنت عارف إن القفل خام بس بمليون وميتين!»
«عارف.»
«وعارف إنه ممكن يعدي مليون ونص!»
ابتسم: «عارف برضه.»
بصيتله بعدم تصديق: «أمال بتعرض عليها مليون ليه؟»
قرب مني: «علشان أشتريه رخيص.»
«إحنا في مستشفى يا حسام!»
ملامحه نشفت: «وبعدين؟»
«وبعدين إيه؟ قاعدة السوق!»
وضحك: «يا محمود، فوق بقى، ده مش وقت مبادئ… القطعة دي لو اتصرفت صح، ممكن نعمل منها نص مليون مكسب وإحنا قاعدين.»
«الست بتبيع علشان حفيدتها!»
«وأنا مالي؟… اسمع، الصفقة دي لو تمت ليك نصيبك زي كل مرة.»
«وأنا مش عايز فلوسها.»
ملامحه اتغيرت: «ماتعملش فيها شيخ عليا… إنت فاكر مين اللي دخلك السوق؟ مين اللي عرفك التجار؟ مين اللي وقف جنبك لما أمك مرضت وكنت محتاج فلوس؟ يبقى ماتقفليش رزقي.»
عارف إنه لو زعل مني يقدر يقطع عني شغل كتير، والحقيقة إن أمي علاجها الشهري كان بيستنزف جزء كبير من دخلي، وماكنتش قوي كفاية إني أخسره.
تنهدت: «براحتك.»
ابتسم: «كده عاقل.»
رجعنا عند الست، كانت لسه ماسكة طرف شنطتها ومحتارة. وفي اللحظة دي… باب الرعاية اتفتح وممرضة خرجت بسرعة: «مين أهل المريضة بتاعة 301؟»
الست جريت عليها: «أنا جدتها يا بنتي، خير؟»
قالت الممرضة: «الدكتور قرر تدخل عملية بشكل عاجل.»
«طيب دخلوها، إحنا موافقين.»
«محتاجين استكمال مبلغ المستلزمات والإجراءات قبل دخول العمليات… باقي 600 ألف جنيه.»
وش الست شحب: «ستميت ألف؟!»
«أيوه، وياريت بسرعة، حالة المريضة ماتستحملش تأخير.»
«حاضر، حاضر… هدفعهم.»
الممرضة رجعت، والست لفت لحسام وجريت مسكت دراعه: «خلاص يا ابني، موافقة على المليون، خلصني بسرعة علشان أدفع للمستشفى.»
افتكرت إن حسام هيسحب العقد، لكني شوفت نظرة في عينه خوفتني.
بص للست وبعدين ناحية باب الرعاية وقال: «معلش يا حاجة… السعر اللي قلت عليه من شوية مش هينفع.»
قلت فورًا: «حسام!»
بصلي نظرة خلتني أسكت، والست قالت: «يعني إيه مش هينفع؟»
قال: «دلوقتي آخري في القفل ده… ثلاثة آلاف جنيه للجرام.»
الست فتحت بوقها من الصدمة: «تلاتة آلاف؟! يعني نص سعر الدهب؟!»
قال ببرود: «ده اللي أقدر أدفعه.»
الست مدت إيدها بسرعة: «هات القفل، مش بايعة.»
حسام ناولها القفل، لكن أول ما مدته ناحية شنطتها قال: «طبعًا حضرتك حرة… بس عندك وقت تدوري على مشتري تاني؟»
إيدها وقفت، حسام طلع الموبايل وفتح جروب تجار الدهب ووراني الشاشة، ولقيته فعلاً باعت صورة القفل من شوية وقال: «أغلب الناس اللي بتشتري دهب كميات كبيرة موجودين في الجروب ده، والصورة اتبعتت، وكلهم عارفين إن الصفقة دي وصلت لي أنا الأول.»
«وبعدين يعني؟»
ابتسم: «يعني إحنا التجار بنراعي بعض، مش بسهولة حد هيدخل يزايد عليا في حاجة أنا بتفاوض عليها.»
وش الست بدأ يتغير: «إنت عملت كده علشان ماتعرفش تبيع لحد غيرك؟»
قال بسرعة: «أنا ماقولتش كده، أنا بس بوضح لحضرتك إن البحث عن حد تاني ممكن ياخد وقت… والوقت هو الحاجة اللي حضرتك مش معاكي منها كتير.»
الست بصتله وعينيها مليانة غضب: «إنت بتستغل إن حفيدتي بتموت؟»
حسام قال ببرود: «ربنا يشفيها… آخري ثلاثة آلاف للجرام.»
«يعني كام؟»
«200 في 3000… 600 ألف جنيه.»
نفس المبلغ اللي المستشفى طلبته بالظبط.
الست بصت ناحية باب الرعاية، وبعدين للقفل ولحسام، وإيديها بدأت ترتعش. قالت بصوت متقطع: «حرام عليك يا ابني.»
حسام بص في الأرض لحظة، لكنه ما غيرش كلامه: «ده السعر المتاح.»
الست قفلت عينيها ونزلت دمعتين على خدودها وقالت: «حسبي الله ونعم الوكيل.»
الجملة دخلت في صدري زي السكينة، أما حسام ففضل واقف ساكت.
بعد دقيقة، مسكت دموعها وقالت: «هات الورق.»
حسام اتحرك بسرعة وطلع عقد شراء، كتب البيانات (الوزن: 200 جرام، السعر: 600 ألف جنيه)، وناولها القلم: «إمضي هنا، والبصمة هنا يا حاجة.»
حطت صباعها وبصمت، حسام أخد العقد وحطه في جيبه وقال: «محمود، حول لها الفلوس.»
طلعت الموبايل، كتبت رقم حسابها ودخلت المبلغ (600 ألف جنيه).
فضل صباعي واقف فوق زر التحويل، كنت نفسي أبص لحسام وأقول له لأ، لكن ماعملتش… ضغِطت.
تم التحويل.
موبايل الست رن برسالة، ولما شافت المبلغ دخل حسابها لفت من غير ما تقول كلمة وجريت ناحية الحسابات. لا شكرتنا ولا بصت لنا، وحقيقةً إحنا ماكنّاش نستحق منها حتى إنها تبص في وشنا.
حسام لف القفل في القماش وحطه في شنطته وقال: «يلا يا محمود.»
مشيت وراه، وطول الطريق من الرعاية لحد الأسانسير كنت حاسس إن كل واحد باصص لنا عارف إحنا عملنا إيه.
ركبنا الأسانسير وسكتنا، ولما خرجنا من المستشفى ووصلنا العربية ركبنا، وقبل ما نتحرك فتح الشنطة وطلع القفل وبصله تحت نور العربية وانفجر ضاحكًا: «يا ابن اللعيبة!… إنت مستوعب اللي حصل؟! اشترينا ميتين جرام دهب عيار 24 بـستميت ألف! والدهب الخام لوحده بمليون وميتين، والصنعة لو وقعت في إيد واحد بيفهم تبيع بمليون ونص أو أكتر!» وخبطني على كتفي: «يعني ممكن نعمل قريب من مليون جنيه من صفقة واحدة!»
ما ضحكتش، فقال: «ماتقولش إنك لسه زعلان علشان الحاجة.»
«حسام، اللي عملناه مش صح.»
«عقد قانوني، مضت، وبصمت، وخدت الفلوس برضاها.»
«برضاها؟! إنت حاصرتها وهي حفيدتها داخلة عملية.»
«السوق مش جمعية خيرية.»
سكت شوية وبعدين سألته: «طب هسألك سؤال… عمرك سألت نفسك ليه كل تجار الدهب بيلتزموا بقاعدة المستشفيات؟»
«علشان عاملين نفسهم أصحاب مبادئ.»
«لأ.»
«أمال؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى