روايات وقصص

رجعت من سفري قبل معادي حكايات انجى الخطيب

وقفت قدامه ويدي جوه جيبي ماسكة الموبايل القديم بكل قوتي. لغة جسده اتغيرت تمامًا، ما بقاش كريم الابن المرعوب اللي كان راكع قدام الحوض من ساعتين.. كان واقف بيبصلي بنظرات جافة، سرد سردينيا أبرد من التلج، وعينيه مثبتة على إيدي اللي جوه جيبي.
رديت بصوت هادي جدًا، أهدى من الهدوء اللي بيسبق العاصفة:
ـ كنت بدور على اللي فاضل من ابني يا كريم.. كنت بدور على الحقيقة.
كريم ضحك ضحكة صغيرة مكتومة، ضحكة كلها مرار وخاليَة من أي إنسانية، ونزل باقي درجات السلم بخطوات ثقيلة لحد ما بقى بيني وبينه خطوة واحدة. اتكلم بصوت واطي بس كل كلمة كانت بتنزِل عليا زي المرزبة:
ـ الحقيقة؟ إنت عمرك ما تدور على الحقيقة يا محمود بيه.. إنت طول عمرك بتدور على الشغل، على الأسطول، على الملايين، على اسمك اللي بناته من الصفر ودوست في السكّة على الكل.. حتى علينا!
ـ عشانكم! كل ده كان عشانكم!
ـ كداب! كان عشان كبرياءك إنت! إنت عارف الصورة اللي شفتها دي مع مين؟ مع “طارق العوضي”.. افتكرت الاسم ده ولا نسيته؟ الراجل اللي إنت دمّرته من عشر سنين وأخدت منه خطوط التوزيع في الصعيد؟ طارق ده هو اللي فتح عيني على المصايب اللي إنت داريتها عننا.. هو اللي ورّاني إن الشركة دي كلها مبنية على جثث وورق مزور!
بصيتلـه وأنا مش مصدق. طارق العوضي.. الشريك القديم اللي حاول يسرق البضاعة في عربيات النقل بتاعتي وطردته، جاي دلوقتي يلعب بعقل ابني؟
قربت منه خطوة، وقبل ما ينطق، طلعت الموبايل القديم من جيبي ورفعته قدام وشه:
ـ وطارق العوضي هو اللي قالك تبيع أباك؟ هو اللي قالك تحول التلاتمية وتمانين مليون لحساب أوف شور في قبرص؟ هو اللي اتفق معاك تعمل شهادة وفاتي بالسرعة دي؟ ولا الدم اللي كان على قميصك ده دم طارق نفسه لما اختلفتوا على القسمة؟
شفايف كريم اتجمدت. عينيه وسعت فجأة وبص للموبايل، وبعدين بص للعلبة الحديد المفتوحة ورايا على الرف. عرف إن القناع وقع بالكامل. إيده نزلت لوراه باتجاه جيب بنطلونه، وفي لحظة خاطفة طلع سكينة مطبخ كبيرة كانت مستخبية في ضهره.
النور الفلورسنت الضعيف بتاع السرداب ضرب على سلاح السكينة.. كريم كان بيترعش، بس المرة دي مش من الخوف، المرة دي من الغل.
قال وهو بينهج ونبرة جنون غريبة مالية صوته:
ـ القميص ده.. الدم اللي عليه كان دم السواق بتاعك يا بابا! السواق اللي إنت بعته من بره الفيلا.. السواق اللي كان عارف إنك ما ركبتش العربية الصحراوي! طارق حاول يخليه يسكت بالفلوس، بس لما السواق رفض وجالي هنا يهددني إنه هيبلغك إني أنا اللي مدبر حادثة أسيوط.. كان لازم يسكت للأبد! أنا ما كانش قدامي حل تاني! إنت اللي أجبرتني أعمل كده!
حسيت بضربة في قلبي أشد من أي حادثة. السواق الغلبان اللي وصلني وطلب منه يمشي.. كريم قتله هنا في السرداب ورمى جثته في مكان ما!
سكتت ثواني، وأنا بصلة لمحة الحسرة الأخيرة في عين ابني الوحيد. الراجل اللي يبني إمبراطورية أربعين سنة عشان يتقتل في الآخر بسكينة من إيد ابنه في سرداب ضلمة.. يبقا ما بناش حاجة.
كريم رفع السكينة وخطا خطوة ناحيتي:
ـ سامحني يا بابا.. بس الشهادة طلعت خلاص، والفلوس أتحولت.. إنت بالنسبة للعالم ميت من الصبح!
وققبل ما يتحرك سمارتي، سمعنا صوت خطوات سريعة جدًا نازلة على السلم.
صوت كعب عالي بيخبط على درجات الخرسانة.. سلوى ونادين نزلوا يجرو، سلوى كانت ماسكة طبنجة قديمة بتاعتي كنت حاططها في الخزنة فوق، وشها كان أصفر زي المومياء، ونادين واقفة وراها بتترعش ومربوكة.
سلوى صرخت بنبرة مرعوبة وهي بترفع الطبنجة في وشنا إحنا الاتنين:
ـ بس! نزل السكينة دي يا كريم!
كريم اتلفت لأمه واستغرب:
ـ أمي! إنتي بتعملي إيه؟ ادخلي فوق! الراجل ده عرف كل حاجة! عرف الحسابات والدم والموبايل! لازم نخلص منه عشان المحضر يـقفل على حادثة العربية!
سلوى بصلتي، والطبنجة بتترعش في إيدها. دمعة نزلت من عينها، بس ما كانتش دمعة ندم.. كانت دمعة طمع وخوف من ضياع كل حاجة. بصيت في عين مراتي اللي عاشت معايا تلاتين سنة، وسألتها بصوت مكسور:
ـ إنتي كمان يا سلوى؟ إنتي اللي خططتي معاهم؟
سلوى هزت رأسها بالرفض وهي بتعيط بهستيريا:
ـ أنا ما أردتش أقتلك يا محمود! أنا أردت الفلوس بس! كريم وطارق هما اللي قالوا إنك لو عرفت بضياع الحسابات هترميني في الشارع وتكتب كل حاجة باسم الجمعيات الخيرية! إنت السبب.. إنت كنت قافل علينا كل حاجة وبتحاسبنا على المليم!
نادين صرخت من وراها:
ـ اخلصي يا طنط! اخلصي قبل ما حد يحس من الجيران! كريم ارفع السكينة وهات الموبايل اللي في إيده!
في اللحظة دي، وكريم بياخد خطوة ناحيتي والسكينة مرفوعة، وسلوى إيدها على زناد الطبنجة وهي مش دريانة بتعمل إيه.. الموبايل الثاني اللي في جيبي اللي ما يعرفوش عنه حاجة ـ الموبايل الصغير بتاع العمليات الخاصة بالشركة ـ بدأ يرن بصوت عالي جدًا هز السرداب.
الكل اتجمد في مكانه.
طلعت الموبايل ببطء شديد وفتحت الميكروفون الخارجي من غير ما أرد.
صوت عميد في المباحث الجنائية طلع من السبيكر، دافيّ وصارم وبيسمّع في كل أركان السرداب الضيق:
ـ محمود بيه الشاذلي؟ إحنا محاصرين الفيلا بالكامل بقالنا عشر دقايق ومسجلين المكالمة والتتبع الإلكتروني من لحظة ما فتحت الموبايل الصغير ورنيت عليا.. القوة اقتحمت الجنينة ونزلة على السرداب دلوقتي. نزلوا سلاحكم فورًا!
صوت صفارات الشرطة كسر هدوء الليل في الشيخ زايد، وبدأ صوت ضرب أقدام القوات بيقرب من باب السرداب فوق.
السكينة وقعت من إيد كريم على الأرض ورنت رنة حادة، وسلوى إيدها اتراخت والطبنجة سقطت جنب رجلها.. نادين أعدت على السلم وانفجرت في العياط.
بصيت لابني اللي انهار على الأرض وبقى بيعيط زي العيل الصغير، وبعدين بصيت لسلوى اللي كانت بتتراجع لورا ووشها جايب ألوان..
لفيت ضهري عنهم، وبصيت ناحية السلم وأنا بمسح دمعة جافة من على خدي، وقلت لنفسي وأنا بطلع أول درجة ناحية الضوء والشرطة نازلة:
ـ أربعين سنة ببني في جدران.. ونسيت أبني البني آدمين.
خرجت من باب الفيلا والشرطة بتملى المكان، أضواء العربيات الزرقا والأحمر كانت بتضرب في الوشوش وفي الجدران العالية اللي صرفت عليها ملايين عشان تحميني وتحمي عيلتي.. طلع كل الخطر كان جوه، مش بره.
العميد سامح قرب مني، مسك إيدي وقال بصوت هادي:
ـ حمد الله على سلامتك يا محمود بيه.. إنت في أمان دلوقتي.
ما ردتش.. كنت باصص على العساكر وهما طالعين بكريم، إيده متكلبشة ورا ضهره، وشه في الأرض، ومش قادر يحط عيني في عيني. ووراه كانت سلوى ونادين، بيعيطوا بهستيريا وبيحاولوا يشرحوا للظباط إنهم مالهمش دعوة وإن كريم هو اللي ورّطهم.
محمود الشاذلي اللي بدأ حيواته كلها بعربية نقل مكسرة في شوارع أسيوط، ما نزلش منه دمعة واحدة قدامهم. وقفت ثابت زي الصخرة، بس من جوه كنت حاسس إن السبعين سنة بتوع عمري كلهم اتنسخوا في اللحظة دي.
تاني يوم الصبح، كنت قاعد في مكتبي الرئيسي في الشركة.
المكان كان فاضي وساكت، الشمس داخلة من الإزاز الكبير بتكشف التراب اللي اتكوم في غيابي. الموبايل ما بطلش رن.. المحامين، مديري الفروع، الموظفين، الصحافة.. الكل بيسأل: “محمود بيه عايش؟”, “إيه اللي حصل في الشيخ زايد؟”, “إيه مصير الأسهم والأصول؟”.
طلبت مدحت، المحامي الخاص بتاعي وصديق عمري، يدخل.
مدحت دخل، حط الملفات على المكتب، وقعد قدامي وهو مش عارف يبتدي منين:
ـ محمود.. التحقيقات شغالّة. كريم اعترف بكل حاجة.. اعترف باتفاقه مع طارق العوضي، وتزوير الأوراق، وقتل السواق الغلبان لما هدد إنه هيبلغك. وسلوى ونادين ممسوكين بتهمة التستر والمشاركة في الشروع في قتلك والتزوير.
سكت شوية وبعدين كمل بصوت واطي:
ـ الفلوس اللي تحولت قبرص.. البنك المركزي جمد الحساب بالتنسيق مع النيابة، وهترجع خلال أيام. الشركة أمان يا صاحبي.. أسطولك ومخازنك وملايينك كلهم في أمان.
بصيت لمدحت، وبعدين بصيت على الصورة المتعلقة على الحيطة ورايا.. صورة قديمة وأنا واقف جنب أول عربية نقل ملكتها، إيدي كانت كلها شحم ووشي محروق من شمس الطريق.
سألته بصوت هادي:
ـ مدحت.. هو أنا كسبت ولا خسرت؟
مدحت ما قدرش يرد.
حطيت إيدي على المكتب، وقومت وقفت.
ـ هات الورق يا مدحت.
ـ ورق إيه؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى