روايات وقصص

رجعت من سفري قبل معادي حكايات انجى الخطيب

ـ ورق تنازل كامل عن نص أسهيمي في الشركة للجمعيات الخيرية ومستشفيات الأطفال، والنص التاني يتعمل بيه صندوق لرعاية أسر السواقين والعمال اللي بيشتغلوا في الشركة من أربعين سنة.. هما دول اللي بنوا المكان ده بعرقهم، وهما دول اللي يستاهلوا.
مدحت اتفاجئ:
ـ وإنت يا محمود؟ هتعمل إيه؟
ابتسمت أول ابتسامة حقيقية من ليلة أمس، ابتسامة حد اتخلص أخيراً من حمْل تقيل كان كاتم على نفسه.
ـ أنا هرجع لأول نقطة.. هجيب عربية نقل قديمة، وأسافر بيها الصعيد، وأعيش اللي فاضلي من عمري وأنا باكل لقمة حلال بنقائي، بعيد عن الخيانة والغدر.
طلعت من مكتب الكورنيش، ونزلت الشارع.. الهوا ضرب في وشي، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إني قادر أتنفس بجد.
عدى ست شهور على الليلة دي.
أنا دلوقتي قاعد في ورشة صغيرة على أطراف بني سويف، قدامي عربية نقل قديمة موديل تمانينات، لسه مخلص عمرة موتورها بإيديا. الشحم مغطي إيدي، وشمس العصر ضربة في وشتي، وصوت الموتور لما اشتغل الدوارة الأولى رنّ في ودني كأنه أوركسترا.
مفيش حراسة، مفيش سكرتارية، مفيش تليفونات بتبطل رن عشان صفقات بالملايين، ومفيش خيانة تستنيني لما أرجع البيت.
مدحت المحامي بيجيلي كل شهر مرة، يزورني ويجيبلي أوراق الصندوق. الجمعيات استلمت النصيب الأكبر، وأسر السواقين والعمال بقوا بياخدوا أرباح دورية مأمنة حياتهم وحياة ولادهم. الشركة شغالة بمجلس إدارة محترف، وأنا مجرد رئيس شرفي على الورق، ما بتدخلش في قرارات ولا بجمّع أرقام.
أخر مرة جالي مدحت من أسبوعين، كان جايبلي أوراق النيابة وأخبار القضية.
كريم أخد حكم مشدد هو وطارق العوضي في قضية القتل والتزوير، وسلوى ونادين أخدوا أحكام بالسجن بتهمة التستر والمشاركة في الشروع في القتل والإضرار العمدي بالمال.
مدحت قال لي يومها وهو بيحط ملف القضية قدامي:
ـ كريم طلب يشوفك يا محمود.. كل جلسة بيعيط وبيترجاك تروحله السجن، بيقول إنه عايز يسلم على إيدك ويطلب منك المساحة قبل ما يتنقل لمزرعة طرة.
بصيت لمدحت، وبعدين بصيت للشارع بره، للشمس وهي بتغرب ورا الغيط.
ـ قولّه محمود الشاذلي مات في الليلة دي يا مدحت.. اللي عايش هنا راجل تاني خالص، راجل مالوش ابن، مالوش فلوس، ومالوش غير اللقمة اللي بياكلها بعرق إيده.
أنا مش حاقد ولا ندمان.. أنا بس فهمت الدرس متأخر. الفلوس والشركات والأساطيل ممكن تبني بيهم سور عالي يداريك عن العالم، بس السور ده لو ما كانش جواه أصل ورباية وحب حقيقي، بيبقى هو السجن اللي بتتدفن فيه وإنت حي.
قَفلت كبوت العربية النقل، وقعدت على كرسي خشب قدام الورشة، مسكت كوباية الشاي التقيلة، وبصيت للطريق الصحراوي الممتد قدامي.
السفرية الجديدة هتطلع الفجر للصعيد.. حمولة بضايع بسيطة لتاجر صغير في المنيا.
طريق طويل، وموتور قديم بيزن، بس البال رايق.. والنفس طالع ونازل بالحلال.
الفجر كان لسه بيشق بصعوبة، والساقعة بتاعة الصباح الباكر بتضرب في وشي وأنا نازل من كابينة العربية النقل. وقفت أراجع على الأربطة والشريط اللي ماسك البضاعة ورا، وراجل كبير من أهالي القرية عدى عليا وهو شايل قفة عيش سخن.
بصلي وابتمس:
ـ صباح الخير يا حاج محمود.. طريق السلامة إن شاء الله، المنيا مسافة مش هينة برضه على السن ده.
رديت عليه وأنا بشد الرباط الأخير:
ـ صباح الفل يا عم إبراهيم.. البركة في السكة، واللقمة الحلال هي اللي بتجيب الصحة والله.
ركبت الكابينة، دورة الموتور هزت العربية كلها، ودست بنزين والتريلا بدأت تتحرك ببطء على الطريق الزراعي. الشوارع كانت فاضية، وصوت الموتور القوي هو الوحيد اللي مالاي السكون.
فجأة، بصيت في المراية الجانبية.. شفت عربية سودا فخمة بتمشي ورايا ببطء من ساعة ما طلعت من الورشة.
ما اهتميتش في الأول، قلت يمكن حد مسافر في نفس الاتجاه. بس العربية فضلت معلقة معايا، كل ما أسرع تسرع، وكل ما أهدي تهدّي. لحد ما وصلنا لملف مقطوع قبل الطريق الصحراوي السريع، العربية زودت سرعتها وكسرت عليا فجأة، وقفت بالعرض قدام التريلا!
ستر ربنا إني كنت ماشي على مهلي. دست فرامل للآخر، العربية النقل صرخت وصوت الكاوتش ملا المكان، لحد ما وقفت على بعد سنتيمترات من عربيتهم.
قلبي دق بسرعة.. افتكرت ليلة السرداب، افتكرت إن الغدر مالوش زمان ولا مكان. مسكت مفتاح العجل اللي جنب الكرسي، وفتحت باب الكابينة ونزلت وأنا ناوي ما أفرطش في حياتي المرة دي بسهولة.
باب العربية السودا اتفتح.. ونزل منه شاب في الثلاثينات، لابس بدلة شيك بس كان باين عليه التوتر الشديد، وعينيه دبلانة كأنه مانامش بقاله أيام.
رفع إيده الاثنين لفوق عشان يطمني وقال بصوت بيترعش:
ـ محمود بيه الشاذلي؟ أرجوك ما تفهمنيش غلط.. أنا مش جاي أضرك!
وقفت مكاني ومسكت المفتاح أجامد:
ـ إنت مين؟ وواقف طريقي ليه على الصبح؟
قرب مني خطوة ببطء وهو بيطلع محفظته، وطلع منها كارت وقدمهولي بإيد بتترعش:
ـ أنا اسمي يوسف.. يوسف العوضي. ابن طارق العوضي.
الاسم نزل عليا زي الصاعقة. ابن الراجل اللي دمر ابني، والشرك اللي كان عايز يقتلني عشان ياخد أصول الشركة.
رجعت خطوة لورا وقلت بنبرة حادة:
ـ أبوك وابني أخدوا جزائهم في السجن، وأنا سيبت الفلوس والشركات وخرجت من اللعبة كلها.. جاي ورايا ليه؟
يوسف دموعه نزلت فجأة، وقعد على ركبته على الأسفلت قدام كاواتش العربية النقل، بنفس المنظر اللي قعد بيه كريم ابني في السرداب من ست شهور.
قال بصوت مكسور وهو بيعيط:
ـ أبويا مات في السجن إمبارح بالليل يا محمود بيه.. أزمة قلبية مفاجأة. وققبل ما يموت بساعتين، طلبني وقال لي كلمة واحدة بس.. قال لي “دور على محمود الشاذلي، وقوله يسامحني، واديه الأمانة دي، قوله دي الحاجة الوحيدة اللي هتخليه ينام مرتاح البال”.
يوسف طلع من جيب جيليه داخلي ظرف أسود مقفول بشمع أحمر، ومد إيده بيه وهو لسه راكع على الأرض.
فضلت باصص للظرف، والهوا بتاع الفجر بيطير طرفه..
طارق العوضي مات؟ والسر اللي سابه في ظرف قبل ما يموت ممكن يكون إيه؟ حاجة تانية استخبت عن النيابة؟ ولا ضربة أخيرَة سابها يكمل بيها انتقامه وهو تحت التراب؟
مسكت الظرف من إيده ببطء، وفي اللحظة دي، الشمس طلعت بالكامل وكسرت الضلمة.. وبدأت مرحلة جديدة ماكنتش عامل حسابها خالص.
بصيت للظرف الأسود اللي في إيدي، الشمع الأحمر اللي عليه كان كأنه نقطة دم جافة. مسكت يوسف من كتفه وقومته من على الأسفلت. وشه كان متبهدل دموع، ونظرة الرجاء في عينيه بتقول إنه مش جاي يحارب.. جاي يخلص ذنبه.
ـ اقف يا يوسف.. الموت بيقطع كل الخصومات.
قعدنا على دكة خشب قدام كشك صغير على أول الطريق الصحراوي. شقيت الشمع الأحمر بظافر صباعي وفتحت الظرف. جوه كان في جوال صغير من الخيش القديم، ومعه ورقة مكتوبة بخط طارق العوضي، خط ضئيل ومترعش كأنه كتبه وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة.
فتحت الورقة وقرأت: “محمود.. لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا بقيت عند ربنا اللي مفيش عنده مظالم. أنا عارف إنك فاكرني الشريرة اللي دمرت ابنك وعيلتك.. بس الحقيقة المرة يا محمود إن كريم ابنك هو اللي جالي من سنتين. هو اللي جاء يبيعلك ويبيع أمه عشان كان مديون لشبكات قمار ومخدرات بره مصر في مبالغ تثقل الجبال. أنا استغليت طمعه، صح.. بس طمعه وغدره كانوا موجودين وجاهزين للبيع من غير ما أنا ألمسهم. أما الأمانة دي.. فدي الحاجة الوحيدة اللي كريم حاوِل يحرمني منها وهي حقك إنت.”
فتحت الجوال الخيش الصغير، ونزلت اللي جواه في كف إيدي.
سلسلة فضة قديمة جداً، فيها ميدالية على شكل عربية نقل صغيرة مكسورة، ومفتاح نَحاس مصدي..
أول ما شفتهم، الدنيا دارت بيا.
دي الميدالية والمفتاح بتوع أول عربية نقل ملكتها في حياتي.. اللي بعتها من خمسة وثلاثين سنة عشان أدفع مصاريف ولادة كريم في مستشفى نظيف وأجيبله لبس وشرب. السلسلة دي كنت فاكر إنها ضاعت مني في غمرة الشغل والجري وراء القرش.
كملت قراءة جواب طارق: “كريم كان سرقها من أوراقك القديمة وكان ناوي يبيعها لمقتنيات قديمة مع شوية تحف من الفيلا قبل ما يتقبض عليه.. أنا أخدتها منه ومنعته. دي مش مجرد فضة يا محمود.. دي كانت البداية النظيفة بتاعتك قبل ما الملايين تعمي الكل. سامحني يا صاحبي.. وسيب ابنك للتعذيب اللي جوه ضميره، لأن السجن اللي جوه قلبه هيبقا أشد من سجن طرة.”
قفلت إيدي على السلسلة والمفتاح النحاس حيل، لحد ما حوافه الحادة علمت في جلد كفي.
بصيت ليوسف العوضي، هزيت رأسي وقلتله: ـ مسامحه يا يوسف.. الله يرحمه ويغفرله ويغفر لنا جميعاً.
يوسف اتنفس براحة، سلم عليا ومشي بعربيته ورجع من مطرح ما جيه.
وقفت، طلعت كابينة التريلا القديمة، حطيت السلسلة والمفتاح القديم وعليتهم في المراية اللي قدامي.. بقوا يتهزوا مع كل حركة للموتور.
طلعت بالطريق الصحراوي، والشمس في وشي مالية الدنيا نور. بصيت في المراية للميدالية الفضة وهي بتلمع.. وعرفت إن الديرة اكتملت خلاص.
كريم اختار السجن والفلوس، وسلوى اختارت الوهم.. وأنا اخترت أرجع لمحمود الشاذلي الحقيقي، الراجل اللي بدأ بمفتاح مصدي وضمير نقي، وهيكمل بقية عمره وهو مش خايف من الضلمة ولا من النور.
توهت في الطريق، ودست بنزين، وصوت الموتور كان أصفى وأحلى من أي وقت فات.
مشيت التريلا على الصحراوي بانتظام، وأنا بصلي في سرّي وبدعي ربنا يثبت قلبي على اللي أنا فيه. الميدالية الفضة كانت بتتهز قدامي مع كل مطب، بتفكرني إن كل حاجة راحت ما كانتش تسوى الأمان والراحة اللي حاسس بيهم دلوقتي.
وصلت المنيا قبل الظهر. نزلّت البضاعة للتاجر، راجل طيب من أهالي البلد استقبلني بشاي وسكر زيادة، وحلف عليا أتغدى معاه. قعدت وسط ناس بسيطة بتتكلم عن المحصول والجو والبركة، ما حدش فيهم يعرف إن الراجل اللي قاعد بياكل معاهم عيش وجبنة ده كان بيحرك أسطول نقل وملايين من كام شهر.
ولأول مرة من سنين طويلة، أكلت وأنا مش بفكر في صفقة جاية، ولا خايف من ضربة في الضهر.
بعد الغدا، وأنا مستعد أرجع بني سويف، موبايلي الصغير رن.
كان مدحت المحامي.
ـ محمود.. أنا عارف إنك مش عايز تسمع حاجة، بس كان لازم أقولك. كريم أتعرض لأزمة نفسية حادة في السجن ونقلوه المستشفى، وعمال ينادي باسمك.. والنيابة وافقت على زيارة استثنائية. لو عايز تشوفه للمرة الأخيرة قبل ما يتنقل طرة.. دي الفرصة.
سكت طويلاً. بصيت للنيل اللي ماشي بجانب الطريق في المنيا، للمياه اللي بتجري ما بترجعش لورا أبداً.
رديت بنبرة هادية وبدون أي قسوة:
ـ قلّه محمود بيدعى لك بالمغفرة والهداية يا مدحت.. بس الزيارة مش هتغير حاجة. هو اختار طريقه، وأنا اخترت طريقي. الشوفان بالعين مش هيداوي اللي اتكسر في القلوب.
قفلت الخط، وحطيت الموبايل في جيبي.
ركبت الكابينة، ودورت الموتور. وبصيت في السقف وأنا بقول: “يا رب، أنت العليم بالقلوب.. أنا سامحت الكل لوجهك، فاجعل باقي عمري ده ستر وراحة بال.”
مسكت الطارة بإيدين ماليانين شحم ومكافحة، ودست بنزين، والسيارة كملت طريقها في وسط غيطان الصعيد الخضراء..
وداعاً للملايين، ووداعاً للقصور المظلمة.. محمود الشاذلي أخيرًا بقى حر.
تمت
حكايات انجى الخطيب
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى