روايات وقصص

الرقم الغلط

حازم ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها كمية وجع واحترام مش طبيعيين، وقرّب خطوتين من أمي ووقف على مسافة جارة، وقال بكل هيبة: “يا أم مريم.. كبرياءك ونفسك العزيزة دول فوق راسي من فوق. بس أنا مش جاي أوزع صدقة ولا جاي أشتري خاطرك. أنا راجل بشتغل في السوق من سنين، وعارف الفرق كويس بين اللي بيستغل وبين اللي بيموت من الجوع وهو ساكت. بنتِ مريم استنجدت بالظروف، والقدر خلاني أنا اللي أستقبل الرسالة دي.”

سكت ثواني وبص للبيت وللسقف اللي فيه شروخ، وكمل وهو بيطلع كارت من جيبه وبيحطه على الترابيزة الصغيرة: “من بكرة الصبح، الشقة دي هتتقفل. فيه شقة ملكي في منطقة نضيفة وقريبة من مدرسة مريم، هتنتقلوا فيها. وفيه شغل محترم ليكي في الشركة عندي بمرتب يضمن ليكي ولعيالك حياة كريمة ومرفوعة الراس. ده مش عطف.. ده حق ياسين ومريم عليا، وحقك أنتِ كأم شايلة الحمل ده كله لوحدك.”

أمي اتسمرت مكانها والدموع نزلت من عينيها زي المطر، مش مصدقة اللي بتسمعه. بصت للكارت وبصت لياسين اللي كان بدأ يهدأ وهو بيشرب من علبة اللبن الدافي، وحازم لف وشّه وفتح الباب وخرج بهدوء، وساب وراه باب مفتوح للأمل، وحياة جديدة تماماً بدأت من نقطة غلط في رقم موبايل.

صوت باب الشقة وهو بيتقفل ورا حازم المرشدي كان عامل زي جرس بيعلن نهاية كابوس طويل. الصالة الصغيرة بقت ساكتة تماماً، مافيش فيها غير صوت شهقات أمي وهي مكتومة، وصوت ياسين وهو بيشرب اللبن بجوع ولهفة، كأنه كان بيحارب عشان يعيش.

أمي وقفت مكانها مش قادرة تتحرك، عينيها مثبتة على الباب المقفول، وبعدين بصت للأكياس والكراتين اللي مالية الأرض، ومنها للكارت الأسود الذهبي اللي محطوط على الترابيزة المكسورة. نزلت على ركبها فجأة على الأرض، مسكت الكارت بإيدين بترتعش، وقرأت الاسم بصوت واطي ومتقطع: “مؤسسة المرشدي للتطوير والاستثمار… حازم المرشدي”.

رفعت رأسها وبصتلي، وعينيها مليانة دموع مش فاهمة هي دموع خوف ولا فرحة ولا صدمة، وقالت بصوت مخنوع: “مريم… أنتِ عارفة ده مين؟ ده الراجل اللي بنشوف صوره في المجلات والتلفزيون! ده اللي أمير صاحب العمارة كان بيفضل يتكلم عنه ويهددنا إنه هيبيع له البيت! يا بنتي أنتِ بعتِ للراجل ده إزاي؟”

قربت منها وقعدت جنبها على الأرض، حطيت إيدي على كتفها وقلت بصوت واطي: “والله يا أمي كتبت الرقم غلط… كنت فاكرة إني ببعت لخالتي سعاد. والله ما كنت اعرف هو مين.”

أمي حضنتني بقوة، حضن دافي وطويل حسيت فيه بكسرة ضهرها وهي بتتفك، وحسيت بدقات قلبها السريعة وهي بتبكي بفرقة، وتقول: “يا رب… يا رب أنت عالم بحالنا. يا رب إحنا ما طلبناش غير الستر، أنت تبعتلنا الراجل ده لحد بابنا؟”

فجأة، الموبايل المكسور اللي كان في إيدي رن تاني.

قلبي نط، وبصيت للشاشة… كان نفس الرقم. أمي بصت للتليفون بخوف وقالتلي: “ردي يا مريم… ردي بسرعة وشوفي عايز إيه.”

فتحت الخط وحطيت التليفون على ودني، وجالي صوته الهادي الحازم من الناحية التانية: “مريم… أنتِ واقفة جنب أمك دلوقتي؟”

قلت بتهدج: “أيوا يا حازم بيه… معايا.”

“هاتيها أكلمها.”

دديت الموبايل لأمي، مسكته بذهول وحطته على ودنها وهي بتقول بصوت خايف ومحترم: “أيوة يا حازم بيه… أيوة يا باشا، أنا أم مريم.”

سمعت صوت حازم جاي من السبيكر الخفيف بتاع التليفون المكسور وهو بيقول بكل صرامة وتنظيم: “أم مريم… بكره الساعة عشرة الصبح، فيه عربية بسائق هتكون تحت البيت عندك. هتلموا هدومكم وحاجاتكم الشخصية بس. مش عايزك تشيلي هم أي حاجة ثانية. الشقة الجديدة جاهزة وفيها كل حاجتكم، والأوراق الخاصة بشغلك وبمدرسة مريم هتستلميها من المحامي بتاعي بكره بليل.”

أمي حاولت تتكلم، حنجرتها اتعقدت وقالت بصوت مكسور: “بس يا بيه… أنا مش عارفة أرد الجميل ده إزاي، إحنا ناس فقرا وما حلتناش حاجة…”

قاطعها حازم بنبرة قاطعة بس فيها دفء غريب: “الجميل ده مش ليا يا أم مريم… الجميل ده لربنا اللي خلاني أفتح التليفون في اللحظة دي بالذات. وداعاً، ونلتقي بكره في المكان الجديد.”

الخط اتأفل.

أمي حطت التليفون جنبها وقعدت تبص للشقة القديمة… للحيطان الشاربة رطوبة، للشبابيك اللي كانت بتدخل الهوا الساقع علينا في الشتا، وللتلاجة الفاضية اللي كانت سبب في الرسالة دي. بصتلي وابتسمت لأول مرة من سنين… ابتسامة حقيقية طالعة من قلبها، وقالت وهي بتمسح دموعها: “قومي يا مريم… قومي نلم هدومنا. ربنا فتح لنا باب مش هيتقفل تاني.”

مرت الليلة دي كأنها حلم. ما نمناش ولا دقيقة. قضينا الساعات الباقية لحد الفجر بنلم هدومنا القليلة في شنطتين خيش قدام، وأمي كل شوية تبص لياسين وهو نايم بعمق وبطنه شبعانة لأول مرة من أسبوع، وتمسح دموعها وتبتسم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى