
ماقدرتش أنطق، بلعت ريقي بصعوبة وسكت.
كرر كلامه بنبرة أهدى شوية بس حازمة: “ردّي يا مريم متخافيش.. أخوكي اسمه ياسين صح؟ إنتوا فين في القاهرة؟”
طلعت الكلمات مني بالعافية، متقطعة ومخنوعة بالدموع: “أنا.. أنا آسفة يا بيه، والله العظيم كتبت الرقم غلط.. متعملناش حاجة، أنا هقفل مش هبعت تاني..”
صوته اتغير، وبقى فيه حنية غريبة مش لايقة على الشدة اللي في نبرته: “محدش هيعملك حاجة يا مريم.. اسمعيني كويس. أنا عندي بنت في سنك، ومش هسيب أخوكي ينام جعان. قوليلي العنوان، أو خليكي مكانك وقوليلي اسم الشارع اللي إنتوا فيه.”
بصيت لياسين اللي كان راسه مال على كتفي من كتر التعب، وحسيت إن مفيش قدامي أي حل تاني. قلتهاله بصوت واطي: “إحنا في حارة الشيخ.. أخر الشارع المكسور عند الدكان المقفول.. البيت القديم اللي بباب حديد مصدي.”
سكت ثواني، وسمعت صوت باب عربية بيتقفل بقوة وصوت محرك ضخم بيشتغل، وبعدها قال: “ربع ساعة وأكون عندك.. متفتحيش الباب لحد غيري.”
قفلت المكالمة وقعدت على الأرض في الممر الضيق، حضنت ياسين وجسمي كله بيكش مع كل صوت خطوة في الشارع. الوقت كان بيمشي زي السلحفاة، وكل ثانية بتعدي كانت كأنها سنة. أمي كانت فاضلها ساعتين على ما ترجع، والبيت كان ساكت وساقع.
فجأة، سمعت صوت عربيات كتير وقفت مرة واحدة في الشارع الضيق تحت الشباك.. صوت موتورات ضخمة مش متعودين عليها في منطقتنا، وبعدها صوت خطوات جزمة تقيلة بتطلع على السلم الخشب اللي بيزيق.
قلبي كان حاسس أنه هيقف. رفعت ياسين في حضني وقفت ورا الباب.
خبطتين هاديين جداً على الباب الحديد.. وبعدها صوت نفس الرجل: “مريم.. افتحي، أنا حازم.”
فتحت الباب بالراحة خالص، الملاصلة كانت بتزيق. كان واقف قدامي راجل طويل، لابس بدلة كحلي متفصلة على المقاس، وملامحه حدة وصارمة بس عينيه كانت باصة عليا وعلى ياسين بنظرة مش مفهومة.. مكسور فيها الكبرياء. وراه كان فيه اتنين رجالة ضخام شايلين أكياس وكراتين كرتون كبيرة جداً.
حازم بص للبيت الداخلي، للحيطان الشاربة رطوبة، وللتلاجة الفاضية اللي كانت باينة من باب المطبخ المفتوح. أخد نفس طويل ووطى شوية لمستوايا، وقال وهو بيشاور للرجالة يدخلوا الحسابات والأكياس جوة: “اللبن أهو يا مريم.. ومقاسات علب كتير عشان يكفيه، وفيه أكل جاهز دافي جوة الأكياس دي.”
أنا فضلت متنحة، مش قادرة أستوعب. الأكياس كانت مليانة علب لبن أطفال من الغالية اللي بشوفها في الصيدلية الكبيرة، وأكل كتير ولعب صغيرة لسه بقرطاسها.
حازم بصلهم وقال للرجالة بصوت واطي: “انزلوا استنوني تحت في العربية.”
سابوه وخرجوا، وهو قفل الباب وراه بهدوء. بصل دموعي اللي كانت نازلة من غير صوت ومسحها بطرف صباعه، وقال بصوت خفيض: “الرسالة دي مكنتش غلطة يا مريم.. ربنا هو اللي بعتك ليا عشان أفتكر إن فيه ناس عايشة كدة وأنا مش حاسس. من النهاردة، مفيش حاجة اسمها إيجار متأخر، ولا بيت بيدخله هواء الشتا، ولا ياسين ينام جعان تاني.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات أمي وهي طالعة السلم بتنهد من التعب، بتفتح الباب الموارب وإيديها خشنة ومحمرة من الشغل.. اتفاجئت بالراجل الغريب اللي واقف في وسط صالتنا الصغيرة، وبصت للأكياس ولشاشة الموبايل اللي في إيدي.
وقفت أمي مكانها عند الباب، المفاتيح وقعت من إيدها المرتعشة على الأرض، وعينيها بتتنقل بيني وبين الرجالة والكراتين اللي مالية الصالة الصغيرة، وبعدين استقرت على حازم المرشدي. كانت حالة من الذهول التام خلتها مش قادرة تنطق، مفزوعة وشايفة راجل بالهيبة والبدلة دي جوة بيت أصغر وأفقر من إنه يستقبل حد زيه.
قرّبت أمي مني بسرعة وجذبتني ورا ضهرها وهي بتحضن ياسين بصوابع بترتجف، وحطت إيدها التانية على كتفي كأنها بتحميني، وبصت لحازم بصوت مقطوع من الخوف والتعب: “أنت مين يا بيه؟ وفين إحنا؟ وعايز إيه من العيال؟”
حازم ما تحركش من مكانه، ولا وري أي حركات توتر. رجّع إيده في جيب بنطلونه وهز راسه بهدوء يطمن، وتكلم بنبرة رزينة ومحترمة جدًا: “اهدي يا أم مريم.. أنا مش غريب ولا جاي أضركم. ابنك ياسين كان محتاج لبن، ومريم شاطرة وذكية، وعرفت تتصرف.”
أمي بصتلي بذهول وعينيها مليانة تساؤلات: “تتصرف؟ عملتِ إيه يا مريم؟”
طلعت من ورا ضهر أمي وأنا باصة للأرض وبقول بصوت واطي ومخنوع: “كنت عايزة أبعت لخالتي سعاد عشان 20 جنيه نجيب لبن لياسين.. الموبايل علق والرقم اتكتب غلط، فالرسالة راحت لحازم بيه.”
أمي حطت إيدها على بوقها وشكّها وبكائها اختلطوا ببعض، وبصت لحازم بكسرة ونفس عزيزة: “يا بيه إحنا ناس على باب الله، وعايشين بالحلال.. لو البنت ضايقتك أنا آسفة، وحقك عليا، والكراتين والحاجات دي إحنا مش قدها، خدها معاك الله يخليك إحنا بنستورها والحمد لله.”




