روايات وقصص

حمايا وحفيدتة

الناس كلها قامت تصفق بحرارة وتهتف، والحاج فؤاد وشه جاب ألوان، يتمنى الأرض تتشق وتبلعه وهو شايف الناس كلها بتبصلي بإنبهار وبيسألوا أحمد: “هي دي مريم حرمك؟ دي بطلة! وبنتك ليان دي جوهرة العيلة وصاحبة الشأن كله!”

نزلت من على المسرح ومرت من جنبه بالظبط، ليان بصت له وابتسمت ببرائة، وهو مد إيده برعشة عشان يلمس إيدها ويقولها ‘تعالي يا حفيدتي’، بس ليان شدت إيدها مني وبصت له بجمود كأنها مش عارفاه، ومشت معايا وسط الناس وهتافهم، وسيبناه قاعد في أخر القاعة، وحيد، مستني ‘الحفيد الحقيقي’ اللي عمره ما جه، بعد ما خسر الحفيدة الوحيدة اللي كانت ممكن تشيل اسمه وتخلده بجد.

عدت الأيام، ونجاح “مؤسسة ليان” ما بقاش مجرد مشروع، دا بقى اسم يتردّد في كل مكان. أحمد جوزي تغير تماماً؛ بقى بيشوف فيا وفي بنته القوة اللي عمره ما شافها في عيلته. كان يقف معايا في كل خطوة، وينزل السوبر ماركت مع ليان يشيلها على كتافه ويتباهى بيها قدام الشارع كله، وكأنه بيكفر عن كل لحظة سكت فيها لأبوه.

أما الحاج فؤاد، فبعد ليلة التكريم، حصاره النفسي بدأ. الشارع كله بقى يناديه بـ “أبو والد ليان” أو “جد الدكتورة ليان”، والناس اللي كان بيقعد معاهم على القهوة بقوا يأنّبوه في أوشاشه: “بقى بقى عندك الجوهرة دي وما كنتش عايز تشيلها عشان بنت؟ شوف البنت عملت إيه وشيلت اسمكم فين!”.

كل كلمة كانت بتنزل عليه زي جمرة نار. الراجل اللي عاش طول عمره فاكر إن القيمة في ذكور العيلة، بقى يشوف ابن أخته وابن أخوه اللي كان بيميزهم بيمروا بظروف صعبة ومحدش فيهم نفع نفسه، في حين إن البنت اللي رفض يتصور معاها بقت هي الوجاهة والفخر الحقيقي للبيت.

وفي يوم جمعة، كنت قاعدة في الصالة أنا وأحمد وبنلعب مع ليان. جرس الباب رن. فتح أحمد، وكان واقف على الباب الحاج فؤاد.

شكل الراجل كان متغيّر؛ ظهره اللي كان دايماً مفرود بكبرياء بقى منحني شوية، وعينيه فيها انكسار واضح. دخل بخطوات بطيئة، وبصلي بثقل، وبعدين بص لليان اللي كانت بتجري وبتلعب باللعب بتاعتها.

سكت شوية، وبعدين طلع من جيبه علبة مخملية صغيرة، وقرب بالراحة وقعد على طرف الكنبة. حط العلبة على الترابيزة وفتحها.. كان فيها أساور دهب ثقيلة، قديمة، من ريحة المرحومة مراته.

بصلي بصوت مخنوق ومتردد وقال: “يا مريم… دول بتوع الحفيدة.. بتوع ليان. أنا جيبتهم لها.”

أنا ما تحركتش من مكاني، ولا ابتسمت ابتسامة شماتة. فضلت بصالة بجمود وهدوء تام.

ليان وقفت لعب، وبصت له، وبعدين بصتلي أنا. قربت مني ومسكت في فستاني واستخبت ورايا، كأنها غريبة عنه، كأن الراجل اللي واقف قدامها ده ملوش أي وجود في حياتها.

الحاج فؤاد دمعة نزلت من عينه رغماً عنه لما شاف رد فعلها، ومد إيده بقلة حيلة وقال: “تعالي يا ليان… تعالي في حضن جدك يا بنتي.”

بصيت له وقلت ببرود هادي بس مسموع: “معلش يا حاج… لما تبقى رايقة. أصلها مش متعودة تتصور أو تقعد مع حد كان مستني ‘حفيد تاني’ عشان يعرف قيمتها.”

الكلمة قطعت نفسه. حنّى رأسه في الأرض، وعرف إن الفلوس والدهب والنجاح مش هم الدرس الوحيد اللي أدتهوله.. الدرس الحقيقي كان إن الحب والاهتمام لما يترفضوا في أول الطريق، مابيرجعوش بأي ثمن في آخره. ساب العلبة على الترابيزة وقام مشي بخطوات مكسورة، وأنا ضميت ليان لحضني وأنا عارفة إن بنتي هتتربى وهي عارفة قيمتها كويس، ومحش في الدنيا يقدر يقلل منها أبداً.

بعد ما خرج الحاج فؤاد وساب بابه موارب، كانت القعدة في الصالة فيها هدوء تقيل. أحمد جوزي كان باصص للأساور الدهب اللي على الترابيزة، وباصص للأرض مش قادر يرفع عينيه في عينيا. كان حاسس بحجم الذنب اللي شاله سنين، إنه سكت في اللحظة اللي كان لازم يقف فيها وقفة راجل لمراته وبنته.

قرب مني، وطى جاب العلبة المخملية، وقفلها بالراحة وحطها في إيدي وقال بصوت متأثر: “حقك عليا يا مريم.. حقك عليا إنك اضطريتي تحاربي الدنيا كلها لوحدك عشان تثبتي اللي كان المفروض أنا أثبته من أول يوم. أبويا أخد الدرس اللي يستاهله، وبنتك بفضلك أنتِ بقت راسنا مرفوعة بيها قدام الدنيا كلها.”

أنا ما ردتش بعتاب، مسكت إيد أحمد وقلت له: “أنا مش زعلانة منك يا أحمد، أنا بس كنت محتاجة أضمن إن بنتي وهي بتكبر مش هتهزها كلمة من حد، ولا هتستنى تقييم من راجل عشان تحس إن ليها قيمة.”

السنوات عدت، وليان كبرت وبقت في المدرسة، شاطرة، واثقة في نفسها، وذكائها بيسبق سنها. بقت تدخل المكان تنوره، وكل الناس تشاور عليها وتقول “دي ليان بنت الدكتورة مريم”.

الحاج فؤاد ما قطعش زيارته، بقى ييجي كل جمعة، يقعد في نفس الكرسي اللي في الطرف، يدخل ساكت، يتابع ليان بعينيه من بعيد وهي بتذاكر أو بتلعب. ما بقاش يفرض نفسه، ولا بقى يطلب منها تروح له. عرف حده كويس. بقى يسيب مصروفها على الترابيزة ويمشي، وفي كل مرة كان بيحاول يرضيها بأي طريقة، بس الجدار اللي اتبنى بينه وبينها وهو لسه في المهد، بقى أطول وأقوى من إنه يتهد بدهب أو بفلوس.

وفي يوم عيد ميلاد ليان السابع، عملنا حفلة كبيرة في الحديقة بتاعة مقر المؤسسة. كان المكان مليان أطفال وأهالي وناجحين من كل حتة. الحاج فؤاد جه، قعد في آخر الحديقة، يتفرج على حفيدته وهي وسط الصحافة والأطفال وبيتصوروا معاها كرمز للنجاح والتميز.

ليان وهي ماسكة المايك عشان تشكر الحضور، بصت للناس وقالت بطفولة وذكاء: “أنا بشكر ماما، لأنها علمتني إن البنت قوية وممكن تعمل كل حاجة.. وبشكر بابا اللي دايماً جمبي.”

الحاج فؤاد كان باصص لها والدموع ملية عينيه، ندمان على كل لحظة ضيعها من عمرها وهو مستني “ولد” مالوش وجود، في حين إن البنت دي كانت هي النعمة الحقيقية والبركة اللي فتحت للبيت ده أبواب الخير والجاه.

الدرس تم، والنهاية اتكتبت بحروف من دهب: القيمة مش بالنوع، القيمة باللي بنبنيه وبنزرعه في نفوس أولادنا. وليان كبرت وهي عارفة إنها “الحفيد الحقيقي” لقلب أمها وأبوها، وإن الدنيا كلها بتسقف لها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى