روايات وقصص

عز وغزل بقلم انجي الخطيب 7

أكيد، أقدر أكملها بنفس أسلوب الرواية الصعيدية والتشويق، من اللحظة دي:

—العمدة رجب فضل ساكت.

ثواني قليلة، لكنها بالنسبة لعز كانت عمر كامل.

قرب خطوة من أبوه، وصوته واطي:

“جاوبني يا بوي… بيكدب؟”

العمدة رفع عينه له، وفيها حاجة عز عمره ما شافها قبل كده.

خوف.

مش خوف من المأمور…

ولا من حمدان…

خوف من الحقيقة نفسها.

قال أخيرًا:

“لا.”

الكلمة وقعت على المجلس كأنها طلقة.

عز رجع خطوة لورا.

“يعني العقد صحيح؟”

العمدة هز راسه ببطء.

“صحيح.”

غزل شهقت، وحطت إيدها على بقها.

“يعني… أبويا كان شريكك؟”

“كان.”

“وكان ليه حق في الأرض دي؟”

العمدة سكت.

المأمور فاروق ضرب كف بكف وقال:

“يبقى ليه من سنين كل ما أسأل عن أملاك أبويا، تقولي دي ملكك؟”

العمدة رد بصوت مبحوح:“ديون إيه يا رجب؟!”

العمدة لف له.

“ديون حقيقية.”

“كدب!”

المأمور رفع إيده.

“اهدوا.”

لكن حمدان أخرج ورقة تانية.

“لو ديون، وريني الورقة اللي تثبت إن حسن باع نصيبه ليك.”

العمدة ما ردش.

حمدان ابتسم بمرارة.

“لأنها مش موجودة.”

عز بص لأبوه.

“إنت خدت الأرض من غير ما تشتريها؟”

“أنا حافظ عليها.”

“حافظ عليها؟”

ضحك عز ضحكة قصيرة موجوعة.

“وعشان تحافظ عليها… خبيت الحقيقة عني؟ ورفضت جوازي من غزل؟”

العمدة بص له.

“كنت بحاول أحميك.”

“تحميني من إيه؟”

“من الفقر.”

الكلمة خلّت المجلس كله يسكت.

العمدة كمل:

“أبو غزل مات مديون. وكان ممكن الأرض كلها تضيع في يوم وليلة. أنا أخدتها تحت إيدي… وسددت اللي عليه.”

المأمور ضرب على الورقة.

“بس الأرض مش ملكك بالكامل.”

العمدة ما ردش.

غزل بدأت تبكي.

بصت لحمدان.

“وأنت كنت عارف؟”

حمدان قرب منها.

“كنت عارف جزء من الحقيقة.”

“جزء؟”

“أبوك قبل ما يموت طلب مني حاجة.”

“إيه؟”

سكت حمدان لحظة.

ثم قال:

“قال لي لو حصل له حاجة، ما أسيبكيش.”

غزل مسحت دموعها.

“وعشان كده جوزتني لعز؟”

حمدان بص لعز.

“لأ.”

عز اتفاجئ.

“أمال ليه؟”

حمدان قال:

“لأن أبوكي كان كاتب شرط في عقد الشراكة.”

المأمور قرب منه.

“شرط إيه؟”

حمدان أخرج ورقة قديمة جدًا.

“إن لو حصل خلاف على الأرض، ما يتمش تقسيمها إلا بحضور الورثة.”

المأمور أخذ الورقة.

قراها مرة.

ثم مرة تانية.

رفع عينه.

“وده معناه إن غزل وارثة في نص الأرض.”

العمدة شد جسمه.

“لأ.”

المأمور بصله.

“القانون بيقول غير كده.”

العمدة قال بعصبية:

“أنا اللي ربيت البنت دي!”

غزل ردت وهي بتبكي:

“وأنا عمري ما أنكرت فضلك.”

ثم بصت له مباشرة.

“بس ليه كذبت عليا؟”

العمدة سكت.

عز قرب من غزل.

وقف جنبها.

ولأول مرة من بداية الليلة، ما كانش واقف كابن العمدة…

كان واقف كزوجها.

قال:

“غزل… أنا آسف.”

بصت له.

“على إيه؟”

“إني صدقت كلام أبويا من غير ما أسأل.”

دموعها نزلت.

“وأنا كنت فاكرة إنك سبتني عشان خدامة.”

عز نزل عينه.

“أنا فعلًا غلطت.”

ثم رفع رأسه.

“بس مش عشان الخدامة.”

المأمور بص له.

“أمال عشان إيه؟”

عز سكت.

ثم قال:

“عشان كنت طول عمري بحاول أبقى الابن اللي أبويا عايزه… ونسيت أبقى الراجل اللي أنا عايزه.”

سالم، اللي كان واقف بعيد، نزل عينه.

أما العمدة فجلس على الكرسي كأن السنين كلها وقعت فوق كتفه مرة واحدة.

قال بصوت ضعيف:

“كنت خايف أخسرك يا عز.”

عز قرب منه.

“إنت خسرتني يوم ما خليتني أختار بين رضاك وبين ضميري.”

العمدة رفع عينه.

“وهتسيبني؟”

عز سكت.

ثم قال:

“لأ.”

العمدة اتنفس براحة.

لكن عز أكمل:

“بس مش هسيب الحق يضيع.”

في اللحظة دي، سمعوا صوت غفير من بره:

“يا عمدة!”

الجميع التفت.

دخل الغفير وهو مرعوب.

“في ناس واقفة على باب السرايا.”

العمدة عبس.

“مين؟”

الغفير بلع ريقه.

“رجالة من البلد… ومعاهم ناس من طرف أبو غزل.”

المأمور وقف.

“واضح إن الخبر انتشر.”

حمدان ابتسم.

“الحقيقة لما تطلع… صعب ترجع تتدفن.”

عز بص لغزل.

“إنتِ مستعدة؟”

بصت له وهي لسه بتعيط.

“مستعدة لإيه؟”

“إن حياتنا كلها تتغير من النهارده.”

مسحت دموعها.

“طالما مش هتسيب إيدي… أقدر.”

مد إيده.

مسكتها.

وفي اللحظة دي، العمدة رجب بص لهم.

ولأول مرة…

ما حاولش يمنعهم.

بل قال بصوت خافت:

“روحوا.”

عز وقف.

“رايح فين يا بوي؟”

العمدة بص لغزل.

“روحوا هاتوا حقها.”

ثم أضاف:

“وأنا… هقول الحقيقة كلها.”

اتسعت عيون الجميع.

لكن قبل ما حد يسأله…

العمدة قال جملة قلبت الحكاية كلها:

“لأن الأرض دي مش أكبر سر خبّيته عنكم.”

وساد الصمت.

عز قرب منه.

“فيه إيه تاني يا بوي؟”

العمدة رفع عينه إليه.

وقال:

**يتبع…**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى