
سند على الكومودينو وقام يقف. جسمه اترعش، ورجليه كانت بتخبط في بعضها كأنه طفل بيتعلم المشي من جديد، بس عينيه ما رمشتش. مسك في كتفي عشان يستند، وحسيت بتقله كله نازل عليا، ورائحة العرق مع المطهر كانت طالعة منه طازجة.
«الست دي شغالة عند أكتر بني آدم ائمنته على مالي وشركاتي.. شريكي.. يوسف العادلي.»
«شريكك؟ اللي بيجي كل أسبوع يعيط هنا مع مدير المستشفى؟»
سخر بضحكة واطية طالعة من زوره: «هو بيبكي عشان أصحى، عشان يعرف أنا خفيت السر فين.. ولما يئس إن المرض يموتني، قرر يبعث الممرضة تخلص اللعبة قبل ما الأجهزة تكتشف إن دماغي بدأت ترجع لوعيها.»
لبس القميص ببطء شديد، صوابعه كانت بترتعش وهو بيربط الأزرار، بس ملامح وشه كانت جبل حديد. بص لي وفجأة سألني:
«أنتي عايشة فين؟»
«إيه؟»
«سؤالي واضح. عايشة فين؟ ليكي حد يسأل عليكي لو اختفيتي النهاردة؟»
«أنا.. أنا قاعدة في سكن الممرضات التابع للمستشفى.. ماليش حد يا رامي، أنت عارف كده كويس من القراية اللي كنت بقرأها لك.»
مد إيده وجاب التليفون السامسونج القديم اللي كان مركون في درج الكومودينو، فتح الشاشة اللي كانت طافية بقالها شهور، وشغله. ثواني والرسائل بدأت تنزل زي المطر، وصوت الزنين ملا الأوضة. ما بصلش في الرسائل، ضرب رقم وحط الفون على أذنه.
«شريف.. أنا قمت. هات العربية الكبيرة ورا المستشفى عند باب المشرحة. خمس دقائق وتكون هنا. معاك سلاحك ومحدش يعرف من الرجالة.. مفهوم؟»
قفل السكة من غير ما يستنى رد. لفت لي، عينيه كانت بتلمع تحت نور اللمبة الفلورسنت الباهت.
«السكن مش أمان ليكي من اللحظة دي. يوسف لو عرف إن فيه ممرضة قفلت الباب على البنت بتاعته، اسمك هيبقى على قائمة الخطر قبل ما النهار يطلع.»
«يعني إيه؟ أنت عايزني أهرب معاك؟ أنا شغلي هنا.. حياتي هنا!»
قرب مني خطوة، رفّع وشي بإصبعين تحت دقني، وكانت لمسته دافية بس ثقيلة زي قدر.
«حياتك القديمة خلصت الليلة دي يا ياسمين.. أنتي شفتي اللي محدش شافه، وأنقذتي رأس “الشافعي”. اللي بيقرب مني يا إما بيخسر معايا.. يا إما بيكسب كل حاجة جنبي. أنتي اخترتي طريقك لما قفلتي الباب بالمفتاح.»
صوت خطوات ثقيلة ومجندة بدأت تتسمع في الممر بره. الحارس دخل الأوضة وهو بيتنفس بسرعة، وعينيه زايغة.
«رامي بيه.. شريف بيه تحت بالعربية عند المشرحة، والست المربوطة في المخزن غمينا عينها. المستشفى هادية بس الأمن هيغير النبطشية كمان عشر دقائق.»
رامي بصلي، مد إيده ليا للمرة الأخيرة، مش طلب.. كان أمر مستتر بالدفا.
«الكتاب اللي كنتِ بتقرأيه.. فن الحرب بيقول: “إذا كان عليك أن تتحرك، فكن كالصاعقة”. هتيجي معايا ونرجّع حقنا.. ولا تقعدي هنا تستني اللي هيجي يخلص عليكِ؟»
بصيت لسرير العناية الفارغ، للأجهزة اللي كانت بتصفر، ولإيده الممدودة لي. مسكت إيده بقوة، والمطر بره كان بيضرب في الإزاز بكل غشومية.
خرجنا من الباب الخلفي بتاع المشرحة، المطر كان بينزل بغزارة كأنه بيغسل المكان من كل اللي حصل. الريحة كانت خليط بين الأرض المبلولة ومطهر المستشفى اللي لسه عالق في هدومي. عربية جيب سوداء كبيرة كانت واقفة ومفيهاش أي نور، محركها شغال بصوت واطي ومكتوم.
فتح الراجل اللي اسمه شريف الباب اللي ورا بسرعة، ورامي زقني بالراحة قدامه ودخل ورايا. أول ما قفلنا الباب، العربية اتحركت بفرملة مكتومة وانطلقت في شوارع القاهرة الفاضية تحت المطر.
شريف بص في المراية اللي قدام، ونبرة صوته كانت مزيج بين الذهول والخوف: «حمد الله على السلامة يا رامي بيه.. والله ما حد كان مصدق إنك هتقوم منها.»
رامي ما ردمش فوراً. كان ساند راسه على الإزاز المبلول، بيراقب أضواء الشوارع وهي بتجري بره وتنعكس على وشه اللي كان باين عليه التعب، بس نظرة عينيه كانت زي النحاس المنصهر.
«يوسف فين يا شريف؟»
سأل بصوت هادي، بس الهدوء ده كان يرعب أكتر من الزعيق.
شريف بلع ريقه ورد وهو بيغير الغيار: «في الفيلا بتاعته في التجمع.. عامل اجتماع مقفول من ساعتين مع أصحاب التوكيلات التجارية المترددين، وكان بيمهد لهم إنك خلاص بتودع، وإن العقود لازم تتنقل باسمه قبل ما الحكومة تحط إيدها على الشركة.»
رامي ابتسم ابتسامة مكسورة وفيها غل مش طبيعي، ولفت لي. عينيه جات في عيني في ضلمة العربية.
«شفتي؟ التسعة وتمانين يوم دول كانوا كافيين عشان الكل يظهر على حقيقته. يوسف ما استناش حتى أتدفن.. كان مستعجل ياكل لحمي وأنا لسه بتنفس.»
أنا كنت قاعدة جنب الباب، لافه دراعاتي حوالين نفسي من البرد والرعب.
«أنت ناوي تعمل إيه يا رامي؟ الست اللي في شنطة العربية دي.. ويوسف.. والشرطة اللي كانت بتسأل عليك في المستشفى؟»
رامي مد إيده وفتح درج العربية اللي قدام شريف، طلع منه حاجة سودا تقيلة، مسكها بمهارة وثبتها بصوت “تك” يرن في ودان القارئ، وكأنه بيمسك قلمه اليومي.
«الشرطة كانت بتدور عليا عشان يوسف بلّغ عن قضايا تهريب وهمية ملفقة لي أول ما دخلت الغيبوبة، عشان لو قمت ألقى نفسي في مشكلة بدل الشركة. والست دي هي الخيط اللي هيقطع رقبته.»




