روايات وقصص

غيبوبة الملياردير والممرضة حكايات انجى الخطيب

الفتحة ماكانتش غشيمة، كانت حركة خاطفة وسريعة زي أفعى صحيت من النوم. بإيده الشمال اللي كان فيها الكانيولا، طار ومسكها من زورها بقوة خلت عينيها تطلع لبرة. الحقنة وقعت على الأرض وعملت صوت يرن في الأوضة.

هي اتفاجأت، حطت إيدها على إيده بتحاول تفك قبضته، صدمة إن حد نايم قام مسكها شلت تفكيرها. رامي ما ينطقش، بس عينيه كانت بتاكلها.

«دلوقتي يا ياسمين!» صرخ بصوت مكتوم وطالع من قلب التعب.

أنا ما تفكيرتش، الجبن اللي عاش جوايا طول عمري اختفى في ثانية. طلعت من ورا الستارة زي المجنونة، جريت على الباب، زقيت الممرضة بعيد عن الباب، وخرجت برة في الممر، ودفعت الباب الثقيل بقوة وقفلته.. ولفت المفتاح في القفل زكة.. اتنين.

الممرضة أدركت الفخ، سابت رامي وجريت على الباب، بدأت تخبط على الإزاز بغشم، وشها اتغير تمامًا والبرود أتحول لجنون. مسكت أوكرة الباب ونازلة تهز فيها بقوة.

«افتحي يا غبية! افتحي!»

أنا رجعت لورا وأنا بلهث، الممر المظلم كان فاضي، وصوت المطر بره كأنه طبل حرب. في نفس اللحظة، اتنين الرجالة اللي لابسين بدل سودا كانوا جايين يجروا من آخر الممر بعد ما سمعوا صوت الصفارة وصوت الخبط.

«فيه إيه يا أنسة؟! إيه الصوت ده؟!» واحد منهم قرب وهو بيتحسس حزامه.

«جوة!.. جوة فيه حد كان بيحاول يأذيه! قفلت عليها جوة!»

الراجل التاني زقني بعيد وطلع مفتاح ماستر من جيبه، فتح الباب بغشومية ودخل هو وصاحبه.

دخلت وراهم وأنا ركبي بتخبط في بعضها. الممرضة كانت واقفه في نص الأوضة، حاطة إيدها فوق رأسها وبتتنفس بصعوبة. رامي كان قاعد على السرير، ساند ضهره على المخدة بجهد جبار، والتنفس بتاعه كان حشرجة عالية، بس عينه كانت مثبتة عليا.

واحد من الحراس قرب منها وكتفها فورًا ورمى الكاب والماسك من على وشها.. ظهرت ملامح ست في التلاتينات، وشها أبيض زي الشمع وفي عينيها غل مش طبيعي.

«رامي بيه.. أنت صحيت؟! أنت كويس؟» الحارس سأل بذهول وهو مش مصدق عينيه.

رامي ما ردمش عليه، ولا بصلهم أصلاً. رفع إيده اللي كانت بترتعش، وشاور عليا.

قربي يا ياسمين..»

قربت منه ببطء، جسمي كله كان بيلف، الرعب والعدوانية اللي في الأوضة كانوا أكبر من أي حاجة شفتها في حياتي. قعدت على طرف السرير جنب رجليه.

رامي بص للحارس وقال بصوت هادي قاسي زي الحديد: «خدوها تحت.. في المخزن القديم بتاع المستشفى.. لحد ما أنزل لها بنفسي.. ومحدش يعرف إن صحيت.. حتى مدير المستشفى.»

«أوامرك يا باشا.» الحارس جر الست اللي كانت بتتلوى وبتشتم بلغة أجنبية مش مفهومة، وخرجوا بيها وقفلوا الباب وراهم.

الأوضة رجعت هادية تاني.. الصفارة راحت بعد ما ركبت سلك النبض بإيدي الترعش. وصوت المطر برة رجع يملى المكان.

رامي بصلي، المسافة بيننا كانت سنتيمترات. مد إيده وبأطراف صوابعه المجهدة مسح دمعة كانت نازلة على خدي.

«خايفة؟»

«أنا.. أنا مش فاهمة حاجة.. هي مين دي؟ وأنت.. أنت صحيت إزاي؟ وليه الممرضة كانت عاوزة تأذيك؟»

ابتسم ابتسامة خفيفة، قاسية، نفس الابتسامة اللي كانت مرسومة في مخيلتي وأنا بقرأ له الكتاب.

«أنا ماكنتش في غيبوبة كاملة يا ياسمين.. أنا كنت محبوس جوة جسمي.. سامع كل حاجة، حاسس بكل حاجة.. بس مش قادر أتحرك. شفت الخيانة وهي بتتطبخ حواليا، وسمعت كلامهم وهم فاكريني مش دريان.. بس الكنز الحقيقي في التسعة وتمانين يوم دول.. كان صوتك.»

سكت لحظة، وعينيه لمعت بنور غريب.

«أنتي الوحيدة اللي كنتي بتتكلمي معايا كإنسان.. مش كجثة منتظرة الموت. الكتاب اللي قريتيه.. فن الحرب.. علمك إزاي تخدعي العدو.. والنهاردة أنتي أنقذتي حياتي.»

بلعت ريقي وبصيت للباب: «ودلوقتي؟ إيه اللي هيحصل؟»

مسك إيدي، والمرة دي ماكانتش قبضة مريض، كانت قبضة راجل بيسترد عرشه، وقال بنبرة هادية ترعب:

«دلوقتي.. اللعبة انتهت.. والقاهرة كلها هتصحى بكرة على خبر بعث الميت.. وهنبدأ نرد الديون.. واحد واحد.»

الهدوء اللي ساد الأوضة بعد خروجهم كان أتقل من صوت المطر بره. رامي فضّل باصص لي بثبات، وكأن اللحظة دي هي اللي كان مستنيها من تسعة وتمانين يوم عشان يبدأ يحرك أحجاره على الرقعة.

رفع إيده ببطء وشال أنبوبة الأكسجين من مناخيره، ورمى الغطا من عليه رغم إن جسمه كان لسه بينزف تعب من المجهود.

«هاتيل هدمي اللي في الدولاب.»

«أنت بتعمل إيه؟! أنت لسه قايم من غيبوبة، حركتك دي ممكن تعمل لك نزيف ثاني!» رديت بنبرة ممرضة بتحاول تسيطر على الموقف، بس نبرته هو كانت أسرع وأقسى.

«ياسمين.. الخطر كان جنبك من ثواني، وأنتي قفلتي عليه الباب بالمفتاح.. بلاش تمثلي دور الدكتورة الحنينة دلوقتي. هدمي في الدولاب، والقميص الأسود.»

نزلت رجلي من على طرف السرير وقمت وأنا حاسة إن أرضية العناية بتميل بيا. فتحت الدولاب الصاج الصغير، طلعت القميص والبنطلون اللي كانوا متعلقين من يوم ما دخل هنا. حطيتهم على السرير جنبه، وبصيت له وأنا بحاول أجمع أفكاري.

«مين الست دي يا رامي؟ ومين اللي باعتها؟»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى