
بص فشريف وقال بحزم: «طلعنا على المزرعة اللي في طريق مصر الإسكندرية الصحراوي.. مش على الفيلا.»
شريف استغرب وقال: «المزرعة؟ بس يوسف مش هناك يا باشا!»
«عارف إنه مش هناك.. بس هناك فيه الخزنة السرية اللي فيها نسخ من كل الأوراق اللي يوسف افتكر إنه حرقها. يوسف فاكرني كتبت كل حاجة باسمه.. وما يعرفش إن فن الحرب بيعلمك تسبق عدوك بفرس.»
التفت لي تاني، ونبرة صوته هديت شوية:
«ياسمين.. أنتي من الليلة دي مش ممرضة. أنتي بقيتي الشاهدة الوحيدة على بعثي، والأمان الوحيد لظهري. لو خايفة، ممكن أخلي شريف ينزلك في أي مكان أمين، ويديكي مبلغ يعيشك مستورة طول حياتك.»
بصيت للحاجة اللي في إيده، وبعدها بصيت لعينيه اللي كان فيها نفس الرجاء البسيط اللي شفته وهو بيمسك معصمي في العناية المركزة. افتكرت سنين الوحدة، والناس اللي كانوا بيعدوا عليا كأني مش موجودة، وافتكرت اللحظة اللي اخترت فيها أقف جنبه وأقفل الباب.
تنهدت وقلت بثبات ما كنتش عارفة إنه جوايا:
«أنا قفلت الباب بالمفتاح يا رامي.. مش هفرمل في نص الطريق. كمل اللي بدأته.»
نظرة وشه اتغيرت، والابتسامة القاسية اختفت وحل محلها احترام حقيقي. هز راسه بهدوء وقال:
«يبقى انسي ياسمين الممرضة.. ودلوقتي هتشوفي “الشافعي” وهو بيرجع حقه.»
العربية انطلقت بسرعة رهيبة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، المطر كان قل شوية بس الإسفلت كان بيلمع تحت أضواء العربية كأنه مراية أسفلتية كبيرة. الضلمة بره كانت كاحلة، ومفيش غير صوت الموتور وصوت تنفس رامي المنتظم اللي بدأ يسترد قوته مع كل كيلو بنقطعه بعيد عن المستشفى.
بعد نص ساعة، العربية انحرفت عن الطريق الرئيسي ودخلت في مدق ترابي وسط مزارع عنب وتين. في آخر المدق، ظهرت بوابة حديد ضخمة، اتفتحت أول ما نور العربية خبط فيها. دخلنا ساحة مزرعة واسعة في وسطها بيت ريفي دورين، بس مشكّل بأسلوب معمار مودرن، والأضواء الخارجية بتاعته كانت طافية.
شريف نزل بسرعة وفتح الباب لرامي. رامي نزل بثبات أكتر من الأول، وجسمه كان بيتحرك بتناسق راجل متعود على التحديات، بس عينيه كانت بتلقط كل تفصيلة حواليه.
«انزلي يا ياسمين.» قالها بصوت واطي وهو بيمد لي إيده.
نزلت، وريحة الطين والشجر المبلول ملا المناخير. رامي بص فشريف وقال: «هات الست من الشنطة.. وطلّعها المكتب اللي فوق.»
شريف فتح شنطة العربية، وطلع الممرضة المزيفة اللي كانت متكتفة بحزم. عينيها كانت بتطق شرار، بس جسمها كان بيرتعش من البرد والخوف. جررها شريف ورا رامي، وأنا مشيت جنب رامي خطوة بخطوة.
دخلنا البيت. المكان كان دافي ومفروش بأسلوب راقي بس بسيط، كل حاجة فيه موحية بالإنضباط. رامي طلع السلم والدور التاني كان فيه مكتبة خشبية ضخمة بتغطي الحيطة كلها. قرب من أرفف الكتب، مد إيده ورا مجلد قانون قديم وضغط على زرار مخفي.
صوت تكة واطية صدرت، وجزء من المكتبة اتزحزح لورا ببطء، وكشف عن خزنة حديدية صفراء ضخمة غاطسة في الحيطة.
رامي قرب من الخزنة، ضرب الباسورد بمهارة، وفتح الباب التخين. الخزنة كان فيها رزم فلوس بدولارات، بس رامي ما بصلهاش.. مد إيده وجاب ملف جلدي أسود تقيل وفتح الفلاش ميموري الصغير اللي كان مربوط فيه.
«ده البكر بتاع يوسف..» رامي قالها وهو بيبص للملف وعينيه بتلمع، «كل الأوراق المزوّرة اللي عملها وهو فاكرني غايب عن الدنيا، والتسجيلات اللي بتثبت إنه هو اللي كان ورا اللي حصل لي من تلات شهور.»
شريف رمى الممرضة المزيفة على الكرسي اللي قدام المكتب، وشال الحاجز من على بقها. الست شهقت وصرخت:
«أنت فاكر إنك هتهرب منهم يا رامي؟! يوسف مش لوحده.. فيه ناس كبار قوي وراه، ولو عرفوا إنك صحيت مش هيرحموك!»
رامي قرب منها ببطء شديد، حط إيده على حرف المكتب وتنى جسمه ناحيتها، وشها بقى على بعد سنتيمترات من وشه.
«يوسف مش لوحده؟» ابتسم ابتسامة قاسية كشّرت عن سنانه، «أنا عارف مين اللي وراه يا حلوة.. وعارف إن الليلة دي كانت آخر فرصة ليكم عشان تخلصوا مني بالهدوء ده. بس دلوقتي.. اللعبة اتعكست.»
بص فشريف وقال بنبرة أمره الآلية: «شريف.. شغّل الفيديو اللي على الفلاشة، وابعتها على تليفون يوسف الشخصي.. وعلى جروب مجلس إدارة الشركة.. في نفس اللحظة.»
«والست دي يا باشا؟»
رامي بص للممرضة بنظرة شلّت حركتها، وقال بصوت واطي ومسموع: «الست دي هتفضل هنا.. لحد ما يوسف ييجي بنفسه يترجاني عشان أسلّمهالكم.»
التفت لي رامي، ومسح على وشه بجهد، التعب كان بدأ يبان عليه تاني من مجهود الحركة والجرح القديم. قرب مني وسألني بجدية:
«ياسمين.. تليفونك معاكي؟»
«آه.. في جيبي.»
«افتحيه.. وشوفي مين بيتصل بيكي دلوقتي.»
طلعت التليفون بإيد بترتعش.. الشاشة كانت بتنور وتطفي ورقم غريب بيطلبني. بصيت لرامي باستغراب: «مين ده؟»
«افتحي السبيكر.. واسمعي.»
فتحت السبيكر، وصوت راجل مرعوب وبينهث جه من الناحية التانية.. صوت يوسف العادلي:
«ياسمين!.. أنتي فين يا بنتي؟! الممرضة اللي في العناية اختفت، والأجهزة بتقول إن رامي خلاص! أنتي فين وخدتي جثته فين؟!»
رامي مد إيده وشال التليفون من إيدي بالراحة، وحطه على بوقه، وقال بنبرة هادية زي صمت القبور:
«الجثة مش في المشرحة يا يوسف.. الجثة واقفة في المزرعة.. وبتقولك: الشاي جاهز.. مستنيك.»
السكون اللي خيم على الأوضة بعد الكلمتين دول كان أبرد من مطر الليلة دي. من الناحية التانية من الخط، التليفون قطع فجأة.. مفيش غير صوت الرد المكتوم، وكأن يوسف أغمى عليه أو التليفون وقع من إيده من هول الصدمة.
رامي قفل السكة بهدوء ورمى التليفون على المكتب، ورجع ضهره لورا وسند على حرف الترابيزة. وش البنت المربوطة على الكرسي أصفرّ تماماً، شفايفها كانت بترتعش ومش قادرة تطلع حرف، أدركت إنها ما بقتش كارت ضغط.. بقت مجرد طعم في فخ منصوب لمعلمها.




