
مسك صباعي اللي كان متجمّد مكان زرار الاستدعاء، وقبضته كانت دافية، ناشفة، وفيها قوة مكتومة ترعب، قوة راجل بقاله تلات شهور بيصارع المرض في الضلمة. صوته المبحوح كان زعيق مكتوم، طالع من حشرجة زوره كأنه صوت حد بيزق حجر تقيل من على صدره. بصيت لعينيه، كانت حمرة الدم مغطية البياض، بس النظر فيها كان حاد زي الموس، مفيش فيها توهان الغيبوبة ولا غشاوة الدوا.
«أنا.. أنا لازم أنادي الدكتور.. يا رامي أنت صحيت!»
«اسكتي!» قالها بنبرة خلت جسمي يتشد غصب عني، نبرة واحد متعود يؤمر ويتطاع حتى وهو تعبان. صوابعه ضغطت على معصمي أكتر لحد ما حسيت بعظام إيدي بتزيق. عينه كانت متثبتة على الباب الزجاجي المفرشخ بتاع العناية المركزة، المطر بره كان بيخبط في الإزاز بكبّات متواصلة.
«مين هي؟ مين اللي مش عاوزها تخرج؟» قربت منه وشوشته وأنا بتنفس بصعوبة، ونبضات أجهزة المراقبة فوق راسنا كانت بتصرخ ورتمها بيعلى.. 110.. 120.. الشاشة بقت تنور أحمر وتطوّط بصوت يوتر الأعصاب.
«الممرضة..» بلع ريقه بصعوبة، وعضلات فكه اتشنجت، «الجديدة.. اللي دخلت صبّت المحلول من عشر دقايق.. ما كانتش ممرضة يا ياسمين..»
قلبي وقع في رجلي. جسمي قشعر بطريقة مرعبة. هو قال اسمي! بقاله تسعة وتمانين يوم نايم، عمر حد ما ناداني باسمي جواه، ولا مرة نطقت اسمي قدامه.. هو كان سامع كل كلمة؟ كان حاسس بكل ليلة؟
«إنتي.. إنتي نطقني بكلامك.. بس هي.. هي حطت حاجة في الكانيولا أول ما سمعت الدكاترة مشيوا.. البتاع ده.. بيعمل حاجة غريبة في دمي دقتي..»
عينه بدأت تترعش تاني، والخطوط على شاشة القلب بدأت تتلخبط، النبض بقى ينزل فجأة ويزيد بغشومية. بصيت على كيس المحلول المتركب فوق دماغه، كان فيه نقط بيضا غريبة بتدوب ببطء وسط السائل الشفاف. إيدي اترعشت وأنا بمدها ناحية خرطوم الوريد علشان أقفله بالكبّاس البلاستيك، بس صوته استوقفني وهو بيشدني لتحت أكتر.
«لا.. ما تقفليش الخرطوم دلوقتي.. لو الجهاز صفّر بالإنذار الرئيسي.. الحرس اللي بره هيخشوا.. والسرينة هتشتغل.. وهتطفش.»
«تطفش مين؟! أنت بتموت يا رامي! المادة دي ممكن توقف قلبك!»
«هي لسه في الممر.. بتتأكد إن الأجهزة هتقف لوحدها علشان تبان موتة طبيعية.. لو خرجتي مرعوبة أو ناديتي حد.. المترددين على المستشفى كتير.. هتختفي في الزحمة والمطر.»
«أعمل إيه؟! قل لي أعمل إيه؟!» دموعي نزلت غصب عني، بين الرعب من العيون اللي باصة لي بجمود، وبين صوت الخطر اللي بيقرّب من الجهاز.
«الكتاب..» همس وهو بيغمض عينه ببطء كأن روحه بتتسحب منه، بس صوابعه كانت لسه ماسكة فيا، «فن الحرب.. صانع الفخ.. لازم يقنع عدوه إنه بلع الطعم.. افصلي سلك النبض الرئيسي.. خلي الجهاز يدي خط مستقيم.. صوت الصفارة الطويلة.. هي هتتأكد إن قلبه وقف.. والناس اللي لابسة أبيض بيمشوا ببطء لما المهمة تخلص..»
«أنت مجنون؟! لو فصلت السلك الرعاية كلها هتتقلب!»
«مش هتلحق.. هي بره الباب بتبص من الإزاز.. افصليه.. واستخبي ورا الستارة.. أول ما تفتح الباب عشان تتأكد بشتات عينها.. اقفلي الباب عليها بالمفتاح..»
الضغط على معصمي بدأ يضعف، عينيه اتفتحت نص فتحة وبصلي بنظرة أخيرًا ظهر فيها الترجي: «اعمليها.. عشان أعيش وأحكي لك باقي الكتاب..»
إيده وقعت على السرير زي الجماد.
في اللحظة دي، شفت خيال طالع من ورا الإزاز المغمش بتاع الباب. خيال ست بالبالطو الأبيض واقفة في الممر الظلمة، مستنية النتيجة.
جسمي كان بيتفاض من الخوف. صوابعي العرقانة مدت إيدها لورا شاشة المونيتور، لمست السلك العريض بتاع قطب الصدر، وشدته بقوة.
الصوت المتقطع اتقطع فجأة.
وصدرت الصفارة الطويلة الممتدة.. صفارة الخطر.
طووووووووووووووووووووووووووووووووووووو.
اترميت ورا الستارة البيضا التقيلة اللي بتفصل بين الأسرة، وحطيت إيدي على بوقي عشان أمنع صرختي. عينيا كانت مثبتة على أوكرة الباب الحديد.
ثانية.. اتنين.. تلاتة..
الأوكرة نزلت لتحت ببطء شديد. الباب اتفتح، ودخلت ريحة المطر مع خطوة رجليها الهادية، والضوء الأبيض جاب الخيال على الأرض.. ماسكة في إيدها حقنة فارغة.
الخيال قرب بخطوات هادية ومحسوبة بالمللي، وصوت جزمة الممرضة على البلاط المغسول بالمطهر كان بيعمل تكة واطية وسط الصفارة الطويلة اللي نازلة على العصب. الصفارة اللي بتقول إن السرير ده مابقاش عليه غير جثة.
كنت واقفه ورا الستارة، ضاغطة ضهري في الحيطة الساقعة، كاتمة نفسي بإيدي الاتنين لدرجة إن صوابعي غرزت في وشي، وعيني لمحت من الفتحة الصغيرة بين قماش الستارة.
كانت لابسة اسكراب كحلي وبلاطو أبيض، حاطة ماسك طبي مغطي نص وشها، بس عينيها.. عينيها كانت باردة وناشفة بشكل يرعب، مفيش فيها أي توتر ولا رهبة. وقفت جنبه، مدت إيدها المتغطية بجوانتي شفاف، وبصت على الشاشة اللي جايبة خط مستقيم.
ابتسامة خفيفة ظهرت تحت الماسك، ورفعت إيدها بالحقنة الفارغة عشان ترميها في سلة النفايات الطبية جنب السرير.
في اللحظة دي، وهي بتميل لورا عشان تخرج.. رامي فتح عينه.




