
قبل ما أوصل لمفتاح النور، خرجت الشغالة من الضلمة وحطت ايدها علي بوقي وقربت مني وهمست “ماتعملش صوت.”
بصيت لها باستغراب، لكنها مدت إيدها وورّتني حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي.
الساعة كانت 1:43 بعد نص الليل لما رجعت البيت، وكنت لسه شايل على هدومي آثار د*م من خنا*قة حصلت على الطريق، بس ولا حاجة من اللي شفتها بره البيت كانت ممكن تجهزني للي كان مستنيني جوا.
خطيبتي بقالها 11 أسبوع بتخوف ولادي في بيتي، حاولت اهدي نفسي لان أسوأ حاجة ممكن أعملها دلوقتي هي إني أسيب غضبي يخرج عن السيطرة.
أنا اسمي حازم المنشاوي.
وعلى مدار خمستاشر سنة، بنيت حياة ناس كتير كانت بتبص لها وتفتكر إن الفلوس والنفوذ معناهم القوة.
من بره، حياتي كانت شكلها مثالي.
بنت هاوس فاخر في التجمع، واجهات زجاج، عربيات دفع رباعي سودة، بدل غالية، شركات نقل وشحن بتشتغل في أكتر من محافظة، حفلات خيرية، وعلاقات مع ناس كبار في البلد.
لكن الصور عمرها ما كانت بتبين كل حاجة.
عمرها ما كانت بتبين الرجالة اللي كانت بتتخانق في المخازن والمواني.
#انجي_الخطيب
ولا القرارات اللي كانت بتتاخد بعد نص الليل، واللي كان ممكن بسببها حد يختفي من الحياة قبل ما الشمس تطلع.
الليلة دي، كنت لسه راجع من مقابلة عنيفة حصلت في مخزن على طريق السويس، وكل اللي كنت عايزه إني أخد دش وأنام حتى لو نص ساعة من غير ما حد يكلمني.
لكن أول ما دخلت البيت، حصل عكس كل اللي كنت متوقعه.
مدبرة البيت، الحاجة سعاد، ظهرت فجأة جنب البيانو وقالت:
“ماتفتحش النور.”
إيدي اتحركت تلقائي ناحية السلاح اللي كنت مخبيه ورا ضهري.
فقالت بسرعة:
“شيل إيدك منه.”
وبعدين قربت مني أكتر وهمست:
“لو طلعت السلاح، هتضيّع آخر فرصة ولادك عندهم.”
ولا حد في حياتي كان بيكلمني بالطريقة دي.
بصيت لها بحدة وقلت:
“عندك تلات ثواني تشرحيلي.”
قالت:
“ابنك صاحي… وبنتك بتحاول ماتعيطش… والست اللي إنت ناوي تتجوزها بتعلّم ولادك يكرهوا نفسهم.”
في اللحظة دي، كل حاجة جوايا وقفت.
خطيبتي، نادين الشناوي، ماكنتش حب عمري.
الجوازة دي كانت اتفاق.
أبوها، رفعت الشناوي، كان راجل نفوذه كبير، وشبكة مصالحه كانت متداخلة مع شغلي، والجواز كان بالنسبة لنا طريقة نقفل بيها مشاكل كتير ونضمن إن محدش يقرب من مصالحنا.
وأنا أقنعت نفسي إني أقدر أعيش في الجوازة دي.
بس عمري ما سألت نفسي:
ولادي كانوا بيعيشوا إيه؟
الحاجة سعاد قربت مني وقالت:
“لو واجهتها دلوقتي، هتعيط… وهتقول إن الولاد حالتهم النفسية وحشة بسبب وفاة أمهم… وهتتهمني إني بكذب… وقبل الفجر، أبوها هيعرف إن الاتفاق اتكسر.”
شدّيت على فكي وقلت:
“إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟”
بصت لي بثبات وقالت:
“عشان أنا بسجل لها كل حاجة بقالها 11 أسبوع.”
وبعدين سمعت صوت بنتي الصغيرة.
“ممكن… ممكن أروح أنام؟”
كان صوت مريم، بنتي اللي عندها خمس سنين، وبيترعش من الخوف.
الحاجة سعاد سحبتني ورا عمود قريب من المكتبة.
ومن الباب النص مفتوح، شفت مريم واقفة حافية على السجادة، والدموع محبوسة في عينيها.
جنبها كان ابني عمر، عنده تمن سنين، واقف ضامم إيديه ورا ضهره، كأنه واقف في طابور مستني العقاب.
قدامهم كانت نادين ماسكة أرنب مريم القماشي.
الأرنب اللي أمهم، نهى، كانت خاطتهولها بإيديها قبل ما تموت.
نادين بصت لمريم بابتسامة باردة وقالت:
“قوليلي… بتقولي إيه لما تعملي مشاكل في البيت؟”
شفايف مريم بدأت تترعش.
وقالت بصوت ضعيف:
“أنا اللي بعك الدنيا.”
نادين ردت:
“تاني.”
مريم بلعت ريقها وقالت:
“أنا اللي بعك الدنيا.”
حسيت بحاجة اتقطعت جوا صدري.
وبعدين نادين لفتت لعمر وقالت:
“وإنت؟ قول الجملة.”
عمر رد بصوت واطي:
“بابا لو شاف الضعف… بيبعده عنه.”
إيدي خبطت في العمود من غير ما أحس.
الحاجة سعاد مسكت رسغي بسرعة وقالت:
“استنى.”
وبعدين حطت الموبايل في إيدي.
فتحتلي فيديو ورا فيديو.
في أول فيديو، شفت مريم قاعدة بتلوّن رسوماتها، ونادين ماسكة كباية عصير برتقال وسكبته على الرسومات قدام عينيها.
وفي فيديو تاني، كان عمر راكع على الأرض، وماسك كتب تقيلة بإيديه الاتنين وممددهم لقدام لحد ما دراعه كان بيترعش.
وصوت نادين كان واضح وهي بتقول له:
“أبوك بيبص للنتيجة… مش لمشاعرك.”
لكن الفيديو اللي بعده هو اللي خلاني أحس إني مش قادر أتنفس.
مريم كانت قاعدة قدام البيانو، جسمها متخشب من الخوف، ونادين قربت من ودنها وقالت بصوت واطي:
“أمك ماتت عشان الستات الطيبة بتتكسر… إنتِ عايزة تكبري وتكسري أبوكي إنتِ كمان؟”
حسيت الدنيا لفت بيا.
الحاجة سعاد بدلت الفيديو.
المرة دي ظهر قدامي شات على الموبايل.
نادين كانت بترتب مع المحامي بتاعي إنها تخليني أمضي على أوراق جديدة تخص حضانة الولاد في اليوم اللي بعده.
والشخص اللي كانت بتكلمه كان شريف بدوي.
محاميّ ومستشاري اللي كنت واثق فيه بقاله عشر سنين.
رسالة واحدة ظهرت قدامي:
“أول ما حازم يمضي، الولاد ممكن يتنقلوا من غير دوشة.”
معدتي اتقبضت.
بصيت للحاجة سعاد وقلت:
“هي مش بس بتعذبهم…”
ردت بهدوء:
“لأ… دي بتجهز تاخدهم منك.”
قبل ما ألحق أرد، سمعت صوت عمر جاي من جوه المكتبة:
“ماتلمسيش دي… دي بتاعة ماما.”
نادين مدت إيدها فجأة وضربته على جنب راسه.
في اللحظة دي، كل الغضب اللي حاولت أسيطر عليه خمستاشر سنة انفجر جوايا.
اتقدمت خطوة.
لكن الحاجة سعاد حطت إيديها الاتنين على صدري ومنعتني.
وقالت:
“هي عايزة تعمل كده.”
بصيت لها بغضب.
فهمست:
“هي عايزة الراجل الأرمل اللي فقد أعصابه يضرب خطيبته قدام شهود.”
وقفت مكاني.
وفجأة بدأت أشوف الصورة كاملة.
نادين رجعت تبص لولادي وقالت:
“ولو أي واحد فيكم قال لأبوكم أي حاجة حصلت الليلة دي… هقوله إن عمر هو اللي ضربني… وهقوله إن مريم حاولت تأذي المربية.”
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
“وساعتها مدرستكم، أوضكم، وحياتكم كلها هتتغير.”
وش مريم انهار، والدموع نزلت من عينيها.
أما أنا، فكنت واقف في الضلمة، عاجز حتى إني آخد نفس.
وفجأة، الحاجة سعاد قربت مني وقالت الجملة اللي خلتني أفهم ليه كان لازم أسمع كلام مدبرة البيت بدل ما أسمع صوت غضبي.
قالت:
“يا حازم… الموضوع مش موضوع جوازك منها.”
بصيت لها.
عينيها كانت ثابتة على نادين.
وبعدين قالت بصوت أخفض:
“الموضوع هو اللي هيحصل لولادك… بعد ما إنت تموت.”
في اللحظة دي، لأول مرة، فهمت إن اللي بيحصل في بيتي مش مجرد مؤامرة عشان تفرقني عن ولادي.
دي كانت خطة أكبر بكتير…
وخطيبتي ماكنتش مستنية إني أطلقها.
كانت مستنية حاجة أخطر.
حاجة لو حصلت… مش هتديني فرصة أرجع في أي قرار تاني.
#انجي_الخطيب
رجلي اتسمرت في مكانها والدم جمد في عروقي كأن حد أدى لقلبي صدمة كهربائية. الكلمة طلعت من بؤ الحاجة سعاد زي خنجر مسموم رد في صدري: “بعد ما أنت تموت”. بصيت لها بتدقيق، وملامحها اللي كنت بشوفها كل يوم متعود عليها وهي بتعمل القهوة أو بترتب البيت، كانت الليلة دي شبيهة بملامح ضابط مخابرات مخضرم، عينيها مافيهاش نقطة خوف، وصرامتها مخيفة.
سحبتني ببطء وشبه من غير صوت لورا الحيطة، أبعد عن المدى اللي ممكن نادين تلمحنا فيه. الشارع بره كان هادي بس جوايا كانت فيه حرب بتقوم. إيدي اللي كانت على السلاح نزلت بالتدريج، ورجعت بصيت للموبايل اللي في إيدي. بصيت لرسائل شريف البدوي… الراجل اللي كان بياكل معايا في طبق واحد، الراجل اللي ماسك كل خبايا شركتي وثغراتها القانونية.
نادين جوه كانت بتوطي، مسكت الأرنب القماشي بتاع مريم، وبكل برود وشراسة مش لايقة على الوش الناعم اللي كنت بشوفه في الحفلات، مسكته وشقته نصين قدام عينيها. الفايبر الأبيض طار في الهواء ومريم حطت إيديها على بؤها عشان تمنع صرختها إنها تطلع، وجسمها كله كان بيترعش وهي بتتسحب لورا، وعمر واقف حاطط جسمه قدام أخته كأنه درع، إيديه الصغيرة متشنجة وعينيه بتطق شرار رغم الخوف.
نادين ابتسمت ابتسامة زي السم وقالت بصوت واطي: “يلا على أوضتكم… ومن غير صوت. ولو أيا منكم فكر يصحى أو يخرج لحد الصبح، هيكون فيه عقاب تاني.”
سمعت خطوات رجليهم الصغيرة وهي بتجري على السلم بطريقة فيها ذل وخوف يكسر أي راجل. في اللحظة دي، نادين لفت، وعدلت شعرها قدام المراية، وبصت لساعتها… كانت 1:52. مسكت موبايلها وطلبت رقم.
الحاجة سعاد شاورت لي بالراحة وقربنا شوية عشان نسمع.
نادين حطت التليفون على ودنها وقالت بصوت هادي وبارد: “إزيك يا شريف… تمام، كله ماشي زي ما خططنا. الولاد خلاص اتكسروا، ومريم بقت بتخاف تنطق باسم أمها. حازم زمانه راجع من السويس… الآنسة سعاد بتقول إنه اتأخر شويه بس أهو على وصول.”
سكتت تسمع الرد، وبعدين ضحكت ضحكة مكتومة وقالت: “متخفش، العقد الجاهز بتاع نقل الأسهم للولاد وحق الوصاية المباشرة ليا جاهز؟ هو هيطلع من خناقة السويس متوتر ومش شايف قدامه، وأنا هخليه يوقع الصبح على أساس إنها أوراق الشحنة الجديدة… وبعدها مش هنيجي جنب الولاد، هو اللي مش هيكون موجود عشان يدافع عنهم.”
سمعت صوت شريف جاي من السماعة: “تأكدي بس إن الأكل أو العصير بتاعه جاهز، المادة اللي رفعت جابها مش بتبان في أي تشريح، وبتعمل أزمة قلبية حادة ورا بعضها… خصوصاً مع التوتر والضغط اللي هو فيه.”
نادين قالت بثقة: “عيب عليك… القهوة بتاعته هتكون جاهزة أول ما يصحى الصبح. جهز أنت بس أوراق انتقال الملكية والوصاية.”
قفلت التليفون ورمته على الترابيزة، ومشت ببطء ناحية المطبخ.
أنا كنت واقف في الضلمة، حاسس إن السقف بيقع عليا. خطيبتي اللي جايبها بيتي، وأبوها الراجل الكبارة اللي عامل فيها شريكي، والمحامي بتاعي اللي بياكل من خيري بقاله عشر سنين… كلهم بيخططوا يصفوني، وياخدوا فلوسي ورزق ولادي، ويعذبوا أطفالي بعد ما أمشي.
الحاجة سعاد قربت من ودني وهمست: “سمعت؟ عرفت أنا ليه مسكتك؟ لو كنت دخلت ضربتها أو طردتها دلوقتي، كانت هتطلع بالتليفون وتطلب رفعت، وشريف كان هيغير الخطة فوراً ويبدأوا يضربوك في السوق وفي المواني، والولاد كانوا هيتاخدوا منك بالقانون لأنك راجل خطر وغير متزن نفسياً بعد وفاة مرتك.”
بصيت للحاجة سعاد وقلت بصوت واطي جداً والدم بيفور في عروقي: “أنتِ مين يا سعاد؟”
الحاجة سعاد ابتسمت ابتسامة خفيفة، ونظرة عينيها اتغيرت تماماً: “أنا اللي أمك الله يرحمها وصتني عليك وعلى عيالك قبل ما تموت يا حازم… أنا مش مجرد مدبرة بيت، أنا الست اللي أبوك زمان طلعها من مصيبة وكبرها، ولما حسيت إن نادين وشريف بيلفوا حواليك من ست شهور، دخلت البيت ده عشان أحميك.”
مسكت إيدها بقوة وقلت: “الورق… والشات اللي معاكي ده كفاية نوديهم السجن.”
سعاد هزت راسها بنفي وقالت: “رفعت الشناوي معاه قضاة ومحامين يفرتكوا التسجيلات دي في ساعتين ويطلعوها مفبركة بالذكاء الاصطناعي… اللعبة دي مش بتتساب للقانون يا حازم. اللعبة دي عايزه دماغ حازم المنشاوي بتاع المواني… الراجل اللي ما بيسيبش غريمه يرفع راسه تاني.”
فجأة، سمعنا صوت خطوات نادين راجعة من المطبخ وهي ماسكة كباية مية رايحة ناحية السلم عشان تطلع تنام في أوضة الضيوف.
الحاجة سعاد سحبت الموبايل من إيدي وقالت: “اططلع دلوقتي من باب الجنينة… ادخل بعربيتك كأنك لسه واصل حالا، كمل دورك عادي جداً، وماتظهرش إنك عارف حاجة. خليها تسقيك السم الصبح… أو تخيل إنها بتسقيهولك.”
بصيت لها بعدم فهم: “يعني إيه؟”
سعاد ضحكت بصوت واطي جداً وقالت: “يعني السم ده هيتقلب في وشه، والورق اللي هيتمضي الصبح… مش هيكون ورق تنازل ليك… هيكون حبل المشنقة اللي هيلفوه حوالين رقابيهم بإيديهم. اطلع بره يا حازم… وارجع ادخل البيت بدمك وغضبك… بس المرة دي، شغل دماغك مش سلاحك.”
نزلت على السلم الداخلي الموصل للجنينة في صمت تام، خرجت للهواء الساقع بتاع بعد نص الليل. مسحت الدم اللي كان على وشي من خناقة السويس، وبصيت لفوق… لشباك أوضة مريم وعمر.
شفت خيال صغير واقف ورا الستارة… مريم كانت لسه واقفة بتتفرج على الضلمة وتعيط.
غمضت عيني وفتحتها، وكل المشاعر الحنينة أو الإنسانية اتخرست جوايا. في اللحظة دي، حازم المنشاوي الطيب مات… ورجع الراجل اللي بياكل الأكل ناي في المواني والمخازن.
ركبت العربيات السودة الواقفة بره، شغلت الموتور، ودست بنزين وعملت صوت عالي وفتحت النور العالي على واجهة الفيلا… كأني لسه واصل حالا.
نزلت من العربية وفتحت الباب الرئيسي بحدة. نادين كانت نازلة على السلم بسرعة، لابسة روب حرير وواخدة وش الست القلقانة الملهوفة: “حازم! حبيبي… إيه ده؟ ده دم؟! أنت كويس؟”
جت تقرب مني عشان تحضنني، وعينيها كانت بتلمع بخبث ومكر.
بصيت في عينيها بثبات، وبابتسامة متكلفة مفيهاش أي نقطة دفء، مسكت إيدها وحطيت إيدي التانية على شعرها وقلت بصوت هادي ومجهد: “أنا كويس يا نادين… الخناقة عديت على خير… حضريلي القهوة بتاعتي الصبح بدري، عشان عندنا شغل كتير أوي أنا وأبكي وشريف بكره.”
نادين ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت: “من عينيا يا حبيبي… من عينيا.”
وماكنتش تعرف إن القهوة دي… هتكون أخر حاجة هتشربها في حياتها الحقيقية.
طلعت على الأوضة فوق، وكل خطوة على السلم كانت حاسة كأنها مسامير بتتدق في عقلي. دخلت أوضة الولاد بالراحة من غير ما أعمل صوت. الضلمة كانت تقيلة، بس شفتهم… مريم كانت كمشانة تحت البطانية وجسمها بيترعش، وعمر قاعد على الكرسي جنب السرير ضامم ركبه لراسه، صاحي وماسك حتة القماش الباقية من الأرنب المتقطع.
أول ما شافني، عينيه اتوسعت من الخوف. افتكرني جاي أعاقبه زي ما نادين كانت بتفهمه.
قربت منه ببطء، نزلت على ركبتي قدامه على الأرض، ومسكت إيده الصغيرة. كانت سقعانة زي التلج. عمر بص لوشي المترب وآثار الدم اللي على هدومي، وشفايفه بدأت تترعش.
همست له في ودنه: “أنا شفت كل حاجة يا عمر… وحقك وحق أختك برقبتي.”
عمر بص لي ودمعة واحدة نزلت على خده، وراح طالع في حضني كأنه كان مستني اللحظة دي بقاله 11 أسبوع. ضميته لصدري بكل قوتي، وعيني على باب الأوضة. رفعت مريم بالراحة وحطيتها في سريرها وغطيتها، وهمست لعمر: “نام يا بطل… بكرة الصبح كل الكابوس ده هينتهي، والست دي مش هتعرف تلمس شعر منك تاني.”
خرجت من الأوضة، وقبل ما أدخل أوضتي عشان أغير هدومي، شفت الحاجة سعاد واثقة من خطواتها وطالعة من المطبخ بتتحرك زي الظل. شاورت لي وراحت ناحية المكتب.
دخلت وراها وقفلت الباب بشويش.
قالت لي بصوت واطي ومحدد: “السم اللي معاها نوع بيتفاعل مع مادة محفزة… نادين هتحطه في الفنجان الفخار اللي أنت بتحب تشرب فيه القهوة. أنا غيرت العلبة اللي في المطبخ وخدت المادة الأصلية وحطيت مكانها بودرة سكر وفيتامين بنفس الطعم واللون.”
سألتها بعيون دايخة من التفكير: “والمادة الأصلية فين؟”
طلعت من جيبها زجاجة قطرة صغيرة جداً وقالت بثبات مرعب: “المادة الأصلية هنا… نادين حاطة في حسابها إنك هتموت بالكتير على الساعة 10 الصبح وأنت في مكتبك، بعد ما تكون مضيت الأوراق اللي شريف هيجيبهالك على أساس إنها شحنة المواني.”
كملت وهي بتقرب مني: “لكن اللي هيحصل بكرة غير كده خالص… شريف هييجي الساعة 8 الصبح ومعه الأوراق. نادين هتقدم لك القهوة بابتسامتها المسمومة… وأنت هتمضي الورق من غير ما تقراه.”
بصيت لها باستغراب: “أمضي على تنازل عن أملاكي وحضانة ولادي؟!”
سعاد ابتسمت بذكاء: “أنا غيرت الملف اللي في شنطة شريف وهو بره الفيلا الأسبوع اللي فات، وصورت الختم بتاعه. الورق اللي هيجيبه بكرة مش ورق تنازل… ده عقد بيع وشراء رسمي ومسجل لجميع أملاك رفعت الشناوي وشريف البدوي لصالح ولادك، بتفويض منك كوصي… هم فاكرين إنك بتمضي على عقدم الموت، لكنهم هيمضوا على إفلاسهم الكامل من غير ما يدروا، لأن الأوراق المترتبة تحت التوقيع متستفة صح.”
قلت لها والدم بيفور في عروقي: “ونادين وشريف؟”
سعاد فتحت كف إيدها وفيه زجاجة القطرة: “نادين متعودة تشرب شاي أعشاب خاص بيها كل يوم الصبح قبل ما تخرج. الشاي ده هيتقلب فيه نفس نقط المادة اللي هي كانت فاكرة إنها بتسقيهالك… أما شريف، فالإدارة العامة لمباحث الأموال العامة ورجالتك في السويس بقوا جاهزين. أول ما يخرج من باب الفيلا ومعه العقود الممضية، هيتقبض عليه بتهمة التزوير واستغلال النفوذ وغسيل الأموال بمستندات حقيقية طالعة من مكتبه.”
الخطة كانت محبوكة بدقة تخوف. سعاد ماكنتش مدبرة بيت… سعاد كانت الشطرنجي اللي بيلعب من الكواليس ورايا طول السنين دي.
طلعت الشمس… الساعة بقت 7:30 الصبح.
نزلت الصالة تحت بعد ما غيرت هدومي ولبست بدلة كاملة كأني رايح أهم اجتماع في حياتي. نادين كانت واقفة في المطبخ الفتوح، لابسة فستان أنيق وبتحضر صينية القهوة. أول ما شافتني ابتسمت الابتسامة المزيفة إياها: “صباح الخير يا حبيبي… نمت كويس؟ القهوة بتاعتك جاهزة، عملتها بإيدي.”
قعدت على السفرة بكل برود: “تسلم إيدك يا نادين… شريف على وصول؟”
قالت وهي بتحط فنجان القهوة الفخار قدامي: “آه، كلمني وقالي إنه في الطريق، معا أوراق الشحنة اللي أنت محتاج تخلصها بسرعة قبل الميناء ما تقفل.”
عيني جت على الفنجان… وعيني التانية جت على كوباية الشاي الأعشاب اللي نادين صبتها لنفسها وكانت حطاها على الرخامة عشان تبرد.
في اللحظة دي، جرس الباب رن. نادين جرت بسرعة تفتح الباب وهي بتقول: “أكيد ده شريف.”
أول ما لفت ضهرها، مسكت فنجان القهوة بتاعي وكوباية الشاي بتاعتها… وفي لمح البصر، صبيت نص القهوة في الشاي، وبدلت الأماكن.
دخل شريف البدوي بابتسامته اللزجة، شايل شنطة جلده الغالية: “صباح الخير يا حازم بيه… ألف سلامة عليك من اللي حصل أمبارح في السويس، رجالتنا بلغوني باللي حصل.”
قلت بجمود: “الله يسلمك يا شريف… هات الورق نخلص.”
شريف طلع الملفات وحطها على السفرة، ونادين وقفت جنبه عينيهم بتلمع بلهفة قذرة. نادين مسكت كوباية الشاي بتاعتها وأخدت منها بؤ كبير وهي بتتفرج عليا وأنا بمسك القلم.
مسكت القلم… وبصيت لشريف في عينيه مباشرة، وبعدين بصيت لنادين اللي كانت بلعت الشاي خلاص.
مضيت على أول ورقة… والتانية… والتالتة.
شريف كان يتنفس بسرعة من كتر الحماس، وسحب الورق بسرعة وحطه في الشنطة: “تمام يا حازم بيه… كده أوراقك كلها تمام، هطلع على الشحنة أخلصها فوراً.”
قمت وقفت، وطولي فارض نفسه عليهم في الصالة. بصيت لساعتي كانت 8:15.
شريف لف عشان يمشي، بس أول ما مسك أكرة الباب… الباب اتفتح بحدة ودخل منه أربعة رجالة ببدل سودة، ومعاهم عقيد في المباحث.
العقيد بص لشريف وقال بصوت جهوري: “شريف البدوي… أنت مقبوض عليك بتهمة التزوير، والاستيلاء على أموال الدولة، ومحاولة قتل عمد.”
شريف الوش الأبيض بتاعه اتقلب أصفر، والشنطة وقعت من إيده: “أنت بتهزر؟! أنت عارف أنا مين؟! أنا محامي حازم المنشاوي!”
العقيد بص لي، أنا هزيت رأسي بهدوء وقلت: “كان محاميّ… لحد خمس دقايق فاتوا.”
نادين صرخت: “حازم! إيه الجنان ده؟! أنت بتعمل إيه؟!”
وفجأة… نادين حطت إيدها على صدرها. وشه بدأ يتغير، وتنفسها بقى سريع وصعب. بصت لي بعيون مرعوبة وهي بتتسند على السفرة: “حازم… أنا… أنا مش قادرة أتنفس…”
قربت منها ببطء شديد، ووطيت في ودنها وهمست بنفس النبرة الباردة اللي هي كانت بتكلم بيها ولادي: “أمك ماتت عشان الستات الطيبة بتتكسر… بس أنتِ هتموتي عشان افتكرتي إنك أذكيا من حازم المنشاوي.”
عينين نادين اتوسعت من الصدمة والرعب لما فهمت إنها شربت من السم اللي هي باعتها لي بإيدها.
وقعت على السجادة وهي بتفرك في رقبتها، وشريف كان بيتكلبش وبيتسحب لبره وهو بيصرخ وبيهدد.
طلعت الحاجة سعاد من المطبخ، ماسكة إيد مريم وإيد عمر. الولاد وقفوا على أول السلم، وبصوا للمشهد. مريم مسكت في إيد أخوها عمر جامد، وعمر بص لي ونزل رأسه بتحية بطل صغيّر فهم إن أبوه رجع يحميه.
سعاد بصت لنادين وهي بتلفظ أنفاسها الأخيرة على الأرض، وبعدين بصت لي وقالت بهدوء: “البيت نضف يا حازم… افتح النور.”
مديت إيدي… ودست على مفتاح النور. والشمس دخلت البيت كله.
النور المالي الصالة كشف كل حاجة على حقيقتها. نادين كانت مرمية على الأرض، عينيها مبلمة في السقف وجسمها متخشب، وشريف بيتسحب من كتافه بره باب الفيلا وصوته بيرن في الشارع وهو بيلعن ويصرخ.
العقيد قرب مني، بص للجثة اللي على السجادة، وبعدين بص لي بجمود وقال: “تقارير الطب الشرعي والسموم اللي هتطلع هتنزل في ملف القضية يا حازم بيه… المادة اللي في دمها هي نفس المادة اللي اتقتلت بيها المرحومة مرتك نهى من سنتين.”
جسمي اتشد كأني اتكهربت. بصيت للعقيد بذهول: “نهى؟!”
العقيد هز رأسه بأسى: “رفعت الشناوي وبنته والمحامي شريف كانوا مرتبين اللعبة دي من زمان أوي… سم بطيء مالوش أثر عشان يخلصوا من المرحومة، وبعدها يرموا شبكتهم عليك. التسجيلات والمستندات اللي ست سعاد سلمتهالنا الصبح بدري كشفت كل قضايا القتل والتزوير اللي اتغطى عليها بسلطة رفعت.”
الكلمات كانت بتنزل عليا زي المطر، وكل حرف كان بيحرق جزء من السنين اللي ضاعت في الغفلة. نهى ماتت مقتولة… مش مرض مفاجئ ولا سكتة قلبية زي ما شريف والاطباء بتوع رفعت فهموني.
طلعت السلم خطوتين خطوتين، ونزلت على ركبتي قدام عمر ومريم. مسكت وش مريم بين إيديا وتمتمت بصوت مخنوق بالدموع: “أمكم ماكنتش ضعيفة… أمكم اتغدر بيها، وأنا أسف… أسف إن اتأخرت عليكم كل ده.”
مريم قربت وشها من وشي ومسحت دموعي بإيدها الصغيرة، وعمر ضم إيده على كتفي وقال بصوت ثابت مش متوقع من طفل عنده تمن سنين: “أنا عارف يا بابا… أنا كنت حاسس إنك مش هتسيبنا.”
الحاجة سعاد كانت واقفة وراهم، ماسكة شنطة جلد قديمة. بصيت لها وسألتها وأنا بحاول ألملم شتات نفسي: “أنتِ رايحة فين يا أمي؟”
سعاد ابتسمت ابتسامة هادية فيها راحة العمر كله وقالت: “أنا أديت الأمانة يا حازم… نهى الله يرحمها لما حسيت إنها بتتسحب منها حياتها، جابتني وقالت لي: ‘أنا مش خايفة على نفسي، أنا خايفة على ولادي من اللي جاي’… دخلت بيتك بصفتي شغالة، وقعدت 11 أسبوع تحت رجليكم بسجل وأراقب، ولما أجا الوقت المناسب… سلمتك المفتاح.”
مسكت إيدها وحلفت عليها: “أنتِ مش هتمشي من هنا… البيت ده بيتك، والولاد دول ولادك.”
سعاد بصت للولاد، وعيونها لمعت بالدموع، وهزت رأسها بالموافقة وهي بتبص للباب اللي كان داخل منه ضوء الشمس الصافي.
بعد ساعتين، قوة من الشرطة كانت بتهجم على مقر شركات رفعت الشناوي، وحفظ أموال الدولة نزل على كل أرصدته وممتلكاته. الشباك اللي غزلها حوليا وحول ولادي اتلفت على رقبته هو ورجالته.
قعدت على الكنبة في الصالة، ومسكت الفنجان الفخار… القهوة كانت بردت، بس لأول مرة من خمسة عشر سنة، أحس إن نفسي طالع وداخل بحرية. بصيت للولاد وهم قاعدين مع سعاد بيلونوا، وصوت ضحكة مريم الرنانة رجع يعبي البيت من تاني.
بنيت إمبراطورية فلوس ونفوذ، وكنت فاكر إن القوة في السلاح والفلوس والمواني… بس الليلة دي اتعلمت إن القوة الحقيقية هي إنك تحمي اللي بتحبهم، وتعرف مين اللي واقف في ضهرك لما الضلمة تتقل.
مرت ست شهور على الليلة دي.
البيت اللي كان دايماً كئيب وريحته خيانة وضغط، بقى فيه روح تانية خالص. الضلمة اللي كانت مخيمة على حياتنا اختفت، والشمس بقت تدخل الصالة كل يوم الصبح وهي جايبة معاها صوت مريم وهي بتجري في الجنينة وصوت عمر وهو بيلعب كورة.
رفعت الشناوي ما استحملش الصدمة لما تحفظوا على أمواله وانكشفت قضايا القتل والتزوير اللي عملها هو وشريف البدوي. جاله شلل نصفي في السجن، وشريف اتحكم عليه بالإعدام بعد ما التحقيقات أثبتت تورطه المباشر في اغتيال نهى وتزوير عقود الشركات.
أما أنا… فكان لازم أغير حياتي بالكامل.
بعت البنتهاوس بتاع التجمع، وقفلت ملفات الشغل اللي كانت بتخليني أحط إيدي في إيد أشكال زفرة عشان الفلوس والنفوذ. نقلنا لبيت أصغر، دافي، في مكان هادي بعيد عن دوشة المواني وصراعات الحيتان. صفيت نص شركتي، والنص التاني مسكته ناس نضاف، وخليت شغلي كله قانوني ومكشوف للشمس، لأن الجنيه اللي يدخل بيتي ويأكل ولادي لازم يكون نضيف 100%.
في يوم الجمعة الصبح، كنت قاعد في الجنينة بشرب القهوة اللي عملتها بإيدي.
الحاجة سعاد كانت قاعدة على الكرسي الهزاز جنب البيانو القديم اللي نقلناه معانا، بتتفرج على مريم وهي بتلعب بالعروسة الجديدة اللي جبتها لها، وعمر قاعد جنبي بيمسك كتاب الرسم وبيوريني رسمته الجديدة.
بصيت للرسمة… عمر كان راسمني واقف، ماسك إيد مريم بإيد، والإيد التانية ماسك بيها إيد الحاجة سعاد، وفوقينا شمس كبيرة أوي.
عمر بص لي وقال بصوت هادي: “بابا… هو إحنا كده خلاص أمان؟”
نزلت الكباية من إيدي، وشدت عمر لفضلي وضميته، وعيني جت في عين الحاجة سعاد اللي كانت بتبص لنا بابتسامة راضية.
قلت له بثبات: “طول ما إحنا ايد واحدة، وعايشين في النور ومابنخافش غير من ربنا… محدش في الدنيا يقدر يمس منكم شعر يا عمر.”
مريم جرت علينا وترمت في حضني هي كمان، وقعدنا نضحك.
ولأول مرة من خمستاشر سنة، حسيت إن حازم المنشاوي بقى راجل غني بجد… مش بالفلوس ولا بالنفوذ، بس بالدفء والأمان اللي مالي بيته.
تمت
حكايات انجى الخطيب




