منوعات

اختي وبنتي الرضيعة حكايات انجى الخطيب

وفجأة رفعت الإزازة.

في اللحظة دي، كل حاجة حصلت بسرعة.

الزجاج نزل ناحية دماغي، وقبل ما أفقد توازني، لمحت وش سحر…

ولأول مرة في حياتي، شفت الرعب الحقيقي في عينيها.

مش لأنها خايفة على مريم.

لكن لأنها عرفت إن السر اللي حاولت تخبيه… خلاص، هيتكشف.

وقعت على الأرض، والدنيا بدأت تلف حواليا، لكن قبل ما عيني تقفل، سمعت صوت واحد من الموجودين بيصرخ:

«حد يقفل باب البيت! محدش يخرج! اتصلوا بالشرطة والإسعاف حالًا!»

وساعتها، وسط صريخ الأطفال وبكاء أمي وصوت الناس وهي بتجري على السلم، حصلت حاجة محدش في العيلة كان متوقعها…

الحاجة اللي كانت هتكشف الحقيقة كاملة، وتخلّي عيد الميلاد ده يتحول من حفلة عائلية عادية إلى بداية قضية محدش هيقدر يدفنها.
#انجي_الخطيب
الدم كان ينزل دافي على وشي، والرؤية قدامي بتبعد وتقرب، بس مسكت في طاقية فستان مريم الصغير بأطراف صوابعي وكأني بتشبث بالحياة نفسها.
الصوت اللي صرخ تحت كان عمي مصطفى.. رجل كبير وشديد، أول ما سمع صوت الخبط والمجال المقلوب فوق، طلع يطير على السلم والضيوف وراه. لما فتح باب الأوضة، المنظر كان يوقف القلب: أنا مرمية على الأرض ودماغي بتجيب دم، مريم قاطعة النفس في حضني، وسحر واقفة ماسكة رقبة الإزازة المكسورة وإيدها بترتعش.
أمي وقعت على الأرض بتصرخ: «يا مريتي! سحر أنتِ عملتي إيه؟! أختك؟!»
سحر زقت أمي بعنف وقالت وهي بتلهث بصوت زي الحيوان الجريح: «هي اللي مجنونة! هي اللي بتصرخ وتعمل فضايح قدام الناس! البنت مفيهاش حاجة.. شوية منوّم بس عشان تنام وتسكت!»
في اللحظة دي، دخلت «هنا».. بنت سحر الصغنونة، صاحبة عيد الميلاد. كانت واقفة عند الباب، ماسكة بالونة وردية في إيدها، وعينيها متسعة من الخوف وهي بتبص لأمها.. وبعدين بتبص للدوا اللي محطوط على الترابيزة.
هنا اتكلمت بصوت طفولي نقي تقطع بيه السكوت اللي في الأوضة:
«ماما.. هي مريم شربت من قطرة المية الزرقا بتاعتك اللي بتحطيها لي في اللبن عشان أنام بدري؟»
الكلمة نزلت على الأوضة زي الصاعقة.
عمي مصطفى بصلها بصدمة، وأمي رفعت رأسها وتنحت.. الكل اتسمر في مكانه.
سحر وشها اتمسح منه الدم، زقت البنت وصرخت فيها: «اسكتي يا هنا! بطلتي كذب وغباوة!»
بس هنا خافت وبدأت تعيط وتقول وهي بتستخبى ورا عمي: «والله مش بيكذب! ماما بتديني النقط دي كل يوم لما عمو حازم بيجي ينزل معاها وهي بتقولي نامي عشان بابا مش هنا!»
الصمت بقى مرعب.. أقسى من صوت الصريخ.
سحر كانت بتخون جوزها المسافر، وعشان تضمن إن بنتها متنطقش ولا تشوف حاجة، كانت كل ليلة بنفس القطرة المهدئة الطبية الثقيلة.. والنهارده، لما مريم عيطت وعكرت مزاجها، استخدمت نفس السم عشان تخلص من دوشتها.
عمي مصطفى جرى على الكومودينو، مسك الأزازة الصغيرة وشاف الاسم.. وشه اتغير تمامًا وقال بصوت يرعب: «دي قطرة مهدئة للضغط النفسي الحاد! دي لو طفل خد منها جرعة زي دي تقفل له مراكز التنفس في المخ!»
مسك سحر من دراعها بغل، وهي بدأت تصرخ وتفرك زي المجنونة تحاول : «اوعى إيدك! أنت مالكش دعوة! دي بنتي وده بيتي!»
أنا جمعت كل القوة اللي باقية في جسمي، زحفت على الأرض ودموعي نازلة مخلطة بدمي، وجمعت مريم في حضني. بصيت لأمي اللي كانت قاعدة على الأرض بتعيط وبتبص لسحر وكأنها بتشوف شياطين لأول مرة، وقلت لها بصوت مخنوق بالدموع والوجع:
«شفتي البنت المريحة السهلة؟ شفتي سحر اللي عمرها ما بتعمل دوشة؟ أديكي ضيعتي بنتي عشان ترضيها!»
أمي غطت وشها بإيديها وبدأت تصرخ بصوت عالي وهي بتستغفر، ولأول مرة أشوف في عينها الانكسار والحقيقة اللي كانت بهروبها منها طول السنين دي.
صوت سارينة الإسعاف والشرطة بدأ يقرب من الشارع.. والناس تحت في الجنينة كانوا واقفين يبصوا على شبابيك البيت ويهمهموا بالفضيلة والصدمة. سحر حاولت تجري ناحية الحمام تقفل على نفسها عشان ترمي الأزازة في القعدة، بس عمي مسكها ورماها على الأرض، والرجالة مسكوها لحد ما باب البيت اتكسر ودخلوا المسعفين ورجال الشرطة.
المسعف شال مريم من إيدي بسرعة وهو بيحط ماسك الأكسجين على وشها الصغير، وقال بصوت حاسم: «النبض ضعيف جدًا.. يلا فورًا على المستشفى عمل غسيل معدة وتنفس صناعي!»
جريت وراهم وأنا ماسكة في مريم، مش حاسة بوجع دماغي ولا بالدم اللي نازل على رقبتي.. كل اللي كان يهمني إن حتة مني تتنفس وتفتّح عينيها تاني.
وفي الوقت اللي الظابط كان بيكلبش فيه إيد سحر وسط صريخها ومحاولاتها للإنكار، كانت هنا واقفة على السلم ماسكة بالونتها الوردي، وبتتفرج على أمها وهي بتتسحل بره البيت اللي كان من ساعة واحدة بس.. بيت الحفلة المثالية.
الحقيقة طلعت، بس كان التمن غالي قوي.. وفي طوارئ المستشفى، وأنا قاعدة قدام العناية المركزة ودماغي متخيطة ومربوطة بالشاش، كنت بمسح دموعي وأنا بصلي في سري.. مستنية معجزة ترجعلي ضحكة مريم، بعد ما البيت اللي اتعود يغطي القسوة بالزينة.. انهار على دماغ الكل.
…….
عدت ساعتين وأنا قاعدة قدام باب العناية المركزة، مش حاسة بالوقت ولا بالوجع اللي في دماغي، والضمادة اللفة على رأسي كانت بدأت تتملي دم. الدكتور طلع أخيراً وهو بيقلع الكمامة، وشه كان مجهد بس عينيه كان فيها نبرة هدوء أخيرًا.
قرب مني وقال بصوت واطي: «الحمد لله، لحقناها في آخر لحظة. عملنا غسيل معدة فوري وحطيناها على التنفس الصناعي، والسموم بدأت تخرج من جسمها. النبض استقر والخطر الكبيرة زال… ساعتين كمان وهتتنقل أوضة عادية».
أول ما سمعت الكلمة دي، ركبي خانتني ووقعت على أرض المستشفى وأنا بعيط بحرقة، بس المرة دي كانت دموع إغاثة. مريم عايشة… حتتي الصغيرة مش هتسيبني.
بعد أربع ساعات، كنت قاعدة جنب سرير مريم في الأوضة. كانت فتحت عينيها الواسعة بتدور عليا، ولما شافت الشاش اللي على دماغي، مدّت إيدها الصغيورة بلطف ومسكت صابعي، وقالت بصوت مجهد ورايح: «ماما… واوا؟»
دموعي نزلت وأنا ببوس إيدها وخدها البارد اللي بدأ يرد فيه الدفا: «مفيش واوا يا قلب ماما.. أنا كويسة، وأنتِ كويسة.. ومحدش هيمسك تاني أبداً».
في نفس الوقت، كان القسم مشتعل. عمي مصطفى مابرحش هناك، وسلم الأزازة اللي كانت في أوضة الضيوف والتقرير الطبي للمستشفى اللي ثبت وجود مادة مهدئة بجرعة عالية جداً في دم مريم. شهادة البنت الصغيرة «هنا» قدام النيابة بحضور أخصائي نفسي كانت الصدمة الأكبر؛ اعترفت إن أمها بتديها القطرة دي كل ما يجي «عمو حازم» عشان تنام وما تقلقش.
النيابة وجهت لسحر تهم الشروع في طفل، وإعطاء مواد لقاصر، وإحداث إصابة. جوزها رجع من السفر بعد أربع وعشرين ساعة وهو مش مصدق اللي مراته عملتها، ورفع عليها قضية طلاق وحضانة في نفس اليوم.
بعد يومين، وأنا بجهز مريم عشان نخرج من المستشفى، باب الأوضة اتفتح ودخلت أمي.
كانت باينة كأنها كبرت عشر سنين في يومين. وشها أصفر، عينيها مطفية، وشايلة في إيدها لعبة صغيرة لمريم. قربت بخطوات خايفة وقعدت على طرف ، مش قادرة تحط عينها في عيني.

قالت بصوت بالدموع: «سامحيني يا بنتي… أنا السبب. أنا اللي كنت عمياء، أداري وقاحة سحر وقسوتها عشان شكلنا قدام القرايب، وكنت بظلمك أنتِ وبنتك عشان أعدي اليوم.. أنا ضيعت سحر وأذيتك».
بصيت لها بهدوء غريب.. هدوء حد اتوجع لما جاب آخره وخلاص مبقاش يخاف.
قلت لها بوضوح: «أنا مسامحاكي يا أمي عشان أنتِ أمي.. بس مريم مش هتدخل البيت ده تاني، ولا هسمح لك ولا لأي حد في العيلة دي يحسسها إنها تقيلة أو دوشة. من النهاردة أنا وبنتي لينا حياة تانية بعيد عن القسوة المتغطية بزينة وشياكة».
أمي هزت رأسها وهي بتعيط وسكتت، لأنها كانت عارفة إنها خسرت كل حاجة.

شيلت مريم في حضني وخرجنا من باب المستشفى. الهوا الشديد خبط في وشنا، ومريم رفعت رأسها للشمس وابتسمت ابتسامتها الصافية. مسكت إيدها الكنزة وجرينا خطوتين في الشارع، وأنا عارفة إن الطريق قدامنا هيبدأ من جديد.. من غير زينة كدابة، ومن غير خوف.

أجّرت شقة صغيرة في حي هادي بعيد عن المنطقة اللي تربيت فيها وعن كل زاوية بتفكرني بالماضي. كانت الشقة أثاثها بسيط، بس كان يدخلها هواء نقي وشمس مكنتش بشوفها في بيت عيلتي. لأول مرة من سنين، حسيت إن البيت بيت بجد، مش ساحة معركة متهدنة بالزينة والكلام المعسول.
في يوم جلسة المحاكمة، كانت قاعة الجنايات زحمة وصوت همس الناس مالي المكان. سحر كانت واقفة جوة قفص الاتهام، وشها شاحب، ولابسة الأبيض، ولأول مرة اختفت من وشها النظرة المستفزة والغرور اللي كان بيغطي شرها. لما عيني جت في عينها، حاولت تنادي عليا بصوت واطي ومخنوع من ورا السلك: «يا ندى… قولي للقاضي إنها كانت غلطة! قولي إنك مسامحة عشان خاطر أمنا وعشان هنا!»
بصيت لها بجمود وثبات غريب مكنتش أعرف إنه جوايا. ماردتش ولا كلمة. تقرير الطب الشرعي عن المادة المهدئة اللي كانت في دم مريم، مع التقرير الطبي بتاع جرح دماغي، وشهادة عمي مصطفى والأخصائية النفسية اللي اتكلمت مع البنت الصغيرة… كل ده رسم الصورة كاملة قدام القاضي.

لما المطرقة خبطت على الخشب وصدر الحكم المشدد لسحر، صرخت أمي في القاعة وبدأت تعيط بحرقة، بينما جوز سحر أخد بنته «هنا» ومشي من القاعة وهو مش يبص وراه.
خرجت من باب المحكمة، وورايا صوت خطاي بثبات. عمي مصطفى جرى ورايا ومسك إيدي، وقال ونبرة صوته فيها فخر وحزن في نفس الوقت: «جدعة يا ندى.. أنتِ صح. اللي بيعدي القسوة وبيسكت عنها بيشارك فيها. لو احتجتي أي حاجة في أي وقت، أنا بيتي مفتوح لك ولـ مريم». هزيت رأسي بشكر ومحبة، وأنا عارفة إنه الوحيد اللي كان عنده شجاعة يواجه الغلط في العيلة دي.
عدت الشهور، ومريم بدأت تتغير. الوش الخايف اللي كان من الزحمة بدأ يختفي، وضحكتها الصافية بقت تملى الشقة الجديدة. بقت تجري في الجنينة العامة اللي جنبا، تلعب بالطين والمية، وتصرخ براحتها من غير ما حد يبصلي بضيق أو يقولي «سكتي البنت عشان دوشة».
في ليلة صيف هادية، كنت قاعدة جنب سرير مريم، بمسد على شعرها وهي رايحة في النوم. فتحت عينها الصافية وبصتلي بابتسامة دافية وقالت بصوت نعسان: «ماما… إحنا خلاص مش هنروح البيت القديم تاني؟»
وطيت عليها، بوست خدها الندي وقلت لها: «لا يا قلب ماما.. البيت ده بتاعنا إحنا وبس، ومفيش حد في الدنيا يقدر يزدينا أو يضايقك تاني».

اتنهدت براحة وهزت رأسها، وغمضت عينها ونامت وهي ماسكة في صابعي. بصيت من الشباك على أنوار المدينة، وحسيت إن العلامة اللي فاضلية في دماغي تحت شعري مش أثر لضربة إزازة… دي كانت العلامة اللي صحّتني، وعرفتني إن حماية بنتي أهم من أرضي أي حد، وأن السلام اللي بنبنيه بنفسنا بأمانة أحسن مية مرة من اللمة الكدابة المتغطية بشرائط زينة.

مرت سنتين. مريم كبرت وبقت أربع سنين، ودخلت حضانة قريبة من بيتنا الجديد.
أول يوم سلمتها فيه للمدرسة، وقفت أراقبها من ورا السور وقلبي مقبوض. كنت خايفة من الخوف القديم اللي كان جواها، بس مريم فاجأتني.. جرت بثقة، مسكت إيد صليبة ليها في فصلها، وضحكت بصوت عالي وهي بتلعب بالعرايس. في اللحظة دي، حسيت إن الجرح الكبير اللي كان في قلبي التأم بجد.
في يوم، جالي اتصال من رقم غريب. كان صوت حازم، جوز سحر السابق.
صوته كان هادي ومكسور، قال لي إنه سافر هو وهنا للمحافظة اللي فيها أهله عشان يبدأوا حياة جديدة، وإن هنا بدأت تتلقى جلسات دعم نفسي وبقت أحسن بكثير، بس كانت دايماً بتسأل عن مريم وعايزة تطمن عليها.
وافقت نتراسل بالفيديو كل فترة. أول مرة مريم وهنا شافوا بعض على الشاشة، هنا بكت وقالت بصوت طفولي: «أسفة يا مريم.. ماما هي اللي كانت وحشة».

مريم ردت عليها بتلقائية وببراءة الأطفال: «خلاص يا هنا، تعال نلعب بالعرايس لما تيجي زيارة».
أمي بقت تجيلي الشقة كل جمعة. مكنتش بتمانع زيارتها، بس الحدود كانت واضحة وصريحة. بقت تقعد معايا في الهدوء، تبص لمريم وهي بتلعب بتأمل وندم، وتدعيلنا من قلبها. القسوة اللي كانت بتداريها ورا الشياكة والمنظرة قدام الناس راحت، وبقى يحل محلها حقيقي وفهم متأخر لمعنى الأمومة والصح والغلط.
أما سحر، فكانت الأخبار بتجيلي عنها من عمي مصطفى.. رفضت تعترف بغلطها في الأول، وبقت ترمي اللوم على كل اللي حواليها، بس مع الوقت والوحدة جوة ، انقطعت كل خيوط الكذب اللي كانت عايشة فيها.
أنا اشتغلت من البيت في مجال التصميم، وقدرت أأمن حياتي وحياة بنتي بجهدي وعرقي.
في ليلة جمعة، كنا قاعدين أنا ومريم بنعمل كيكة في المطبخ. الدقيق كان مالا وشوشنا، ومريم بتضحك وبتغني بصوتها الصغير المليان أمل. بصيت لها وابتسمت، وعرفت إن الوجع الصعب اللي مرينا بيه مكنش النهاية.. كان الباب اللي اتفتح عشان نعيش حياة حقيقية، نبتسم فيها من غير خوف، ونتنفس فيها حرية وأمان.

تمت

حكايات انجى الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى