منوعات

مدرب الكارتية حكايات انجى الخطيب

فاديت اللكمة بميلة راس صغيرة جداً، حركة مليمترية خلت قبضة محمود تعدي في الهوا جنب ودني بكام سنتيمتر بس. اندفاعه وغروره سحبوا جسمه لقدام، وفي لمح البصر، إيدي الشمال كانت مسكت كم بديلته البيضا، وإيدي اليمين اتزرعت تحت إبطه. بكعب رجلي لمست بطن قدمه، وبحركة خاطفة وسريعة زي اللمحة، استغليت وزنه وقوته وضدّيتهم ضدّه.
جسم محمود الضخم طار في الهوا، اترزع على البساط الأحمر بصوت مكتوم رج الصالة كلها.
الناس كلها اتسمرت مكانها. الصوت اختفى تمامًا كأن حد داس على زرار الصمت.
محمود كان نايم على ضهره، بياخد نفسه بالعافية من صدمة الوقعة، وعينيه متوسعة من الذهول. ما كانش فاهم إزاي ست بلبس رمادي واسع أوقفته بالبساطة دي. بس الإهانة عمته، وش وشه أحمر من الغضب والدم طفح في عروق رقابته. قام بسرعة وهو بيصرخ بغشامة: «صدفة!»
وهجم تاني، المرة دي برجله، ضربة «ماواشي» عالية ومركزة في اتجاه وشي عشان ينتقم لكبريائه.
ما رمشتش. ما خدتش خطوة لورا حتى.
نزلت بتوطية سريعة تحت رجله الطايرة، خطوة واحدة لجوه المسافة بتاعته، وبكف إيدي اليمين حركت رجله بعيد، وفي نفس الثانية بقيت ورا ضهره. مسكت حزامه الأسود بإيد وكتف بديلته بالإيد الثانية، ورفعت حوضي سنة صغيرة… وفي أقل من ثانية، محمود كان بيطير للمرة الثانية، بس المرة دي اترزع على وشه بكل قوته.
نزلت عليه في نفس اللحظة، ثبت ركبتي في نص ضهره، ولفت دراعه لورا في قفلة محكمة خلت أي حركة منه تعني إن مفصل كوعه هيتخلع في ساعتها.
ضغطت على دراعه بنسبة بسيطة جدًا، وقربت من ودنه وهما الاثنين غرقانين في سكون مرعب، وهمست بصوت واطي وثابت زي الحديد:
«القوة مش إنك تخوف ولاد صغار يا محمود… القوة إنك تكون الأمان بتاعهم. فهمت؟»
محمود كان بيئن من الوجع، والأهم… من الرعب. شاف في عيني الهدوء القاتل بتاع حد عاش عمره في الحلبات، حد مش بيمثل إنه قوي، حد القوة جينات في دمه. بلع ريقه بالعافية وقال بصوت مكتوم وبيترعش:
«فاهم… فاهم! سيبيني خلاص!»
سيبت دراعه وقمت ببطء شديد. نفضت التراب البسيط من على بنطلون التريننج بتاعي. ما كنتش بنهج، ونفسي كان هادي تمامًا وكأني ما بذلتش أي مجهود.
الصالة كانت في حالة ذهول تام. الطلبة واقفين فاتحين بوقهم، والأمهات والآباء بصين لي وكأنهم شايفين كائن تاني خالص. وملك… ملك كانت واقفة عند طرف البساط، عينيها المدمعة متثبتة عليا، إيديها على بوقها ومش مصدقة إن دي أمها اللي بتصحى كل يوم تعمل لها الفطار وتوصلها التمرين.
بصيت لمحمود وهو بيقوم بصعوبة، ماسك كوعه وبيحاول يرجع هيئته قدام الناس، بس انكسار عينيه كان واضح للكل.
وقفت قدامه وربعت إيدي، وقلت بنبرة مفيهاش أي تردد:
«الشرط.»
محمود بص حواليه، شاف نظرات الولاد اللي كان بيكسر نفسيتهم كل يوم، وشاف نظرات الأهالي اللي اتغيرت تمامًا. بلع ريقه ونزل عينه في الأرض. كان عارف إن أي كلمة tانية هتهين اللي فاضل من كرامته.
تنحنح وقال بصوت واطي ومكسور:
«أنا… اعتذاري للجميع. أسلوبي ما كانش صح.»
بصيت له بجمود وما رديتش. مشيت بهدوء ناحية الكرسي، شلت جاكيت التريننج بتاعي ولبسته، ومسكت شنطتي.
قربت من ملك، حطيت إيدي على كتفها بلمسة دافية. ملك كانت لسه في صدمتها، بس عينين الخوف اللي كانت فيهم من شوية، اختفت كليًا وحل مكانها نصر وفخر مالوش حدود.
همست لي وهي ماشية جنبي ورايحين ناحية الباب:
«ماما… هو إنتِ مين بجد؟!»
ابتسمت لها ابتسامة صغيرة ودافية، نفس ابتسامة الأم العادية اللي تعرفها، وقلت لها بصوت واطي:
«أنا أمك يا ملك… واللي حصل ده درس صغير عشان تعرفي إن مفيش حد في الدنيا يقدر يكسرك طول ما إنتِ صح.»
خرجنا من باب النادي للهوا الساقع بتاع بالليل. العاصفة الساكتة رجعت تنام تاني جوه قلبي، بس المرة دي، أثرها ساب علامة مش هتتمحي من حياة بنتي أبديًا.
طول الطريق في العربية، الهدوء كان سيد المكان، هدوء تقيل ومشحون بأسئلة كتير كتيمة في صدر ملك. كانت قاعدة جنبي، بصة من الشباك على أنوار الشوارع اللي بتعدي بسرعة، وكل شوية تبصلي بطرف عينها كأنها بتتأكد إن الست اللي سايقة جنبها بهدوء وبتدندن مع الراديو هي نفسها اللي طيرت راجل طول بعرض في الصالة من بضعة دقايق.
أول ما ركنت عربيتي تحت البيت، ملك ما نزلتش فوراً. فضلت مسكة حزام الأمان، وبصتلي بصة كلها دهشة ورغبة في الفهم.
«ماما… هو إنتِ مين بجد؟ وهل… هل خالو عمر كان له علاقة بيكِ في ده؟»
السؤال نزل على قلبي زي قطرة المطر في أرض جافة بقالها سنين. اتنفست ببطء، وحسيت بغصة صغيرة في حقيقي، بس المرة دي ما كانش فيها وجع، كان فيها حنين.
«عمر ما كانش مجرد أخ يا ملك… عمر كان شريكي، كان هو اللي بيقف في زاويتي في كل بطولة، وهو اللي كان بيصحيني الساعة خمسة الصبح عشان نتمرن. ولما راح… حسيت إن الحلبة م بقاش لها معالم، وإن القوة اللي عندي ملهاش معنى من غيره.»
ملك بلعت ريقها وسألت بصوت خافت: «عشان كده بطلتي؟»
هزيت رأسي بـ «أيوة». «افتكرت إن السر في إني أدفن كل حاجة وأعيش متخفية في زحمة الحياة… بس اكتشفت النهارده إن فيه فرق بين إنك تسيب القتال، وبين إنك تنسى إنت مين.»
طلعنا الشقة. ملك دخلت ورايا من غير ما تتكلم، وما جرتش على أوضتها وتقفل الباب زي ما بتعمل كل يوم. فضلت ماشية ورايا خطوة بخطوة لحد ما دخلت أمتي.
قربت من الدولاب القديم، وفتحت السحارة اللي تحت خالص. سحبت صندوق خشب صغير مغطى بتراب سنين طويلة. حطيته على السرير وقعدت جنبه، وشاورت لملك تقعد جنبي.
فتحت الصندوق بصوت صرير خفيف.
جوه الصندوق، الميداليات الدهبية والفضية كانت لسه بتلمع تحت ضوء الأباجورة الخافت، وجنبهم الحزام الأسود المترب، وصورة قديمة ألوانها باهتة شوية… كنت فيها أصغر بتلاتاشر سنة، رافعة كاس بطولة الجمهورية، وعمر وافق جنبي حاطط إيده على كتفي وضحكته ماليين وشه.
ملك مدّت إيدها بحذر، مسكت الميدالية الدهبية وكأنها بتمسك حاجة مقدسة. قرأت الاسم المنقوش على شهادة التقدير القديمة بصوت شبه مسموع:
«اللاعبة نهى عبد الرحمن… العاصفة الساكتة.»
بصتلي وعينيها بتلمع بالدموع. «هو ده اللقب اللي كانوا بيبنوا بيه عليكِ؟»
ابتسمت وربطت على شعرها. «أيوة يا ستي. كنت بدخل الماتش هادية جداً، مش بتكلم ولا بظهر أي انفعال، ولما المباريات تبدأ… كل حاجة بتخلص في ثواني.»
مسكت إيدي بنعومة وقالت: «أنا كبرت وأنا فاكرة إنك ست عادية… غلابة، بتخافي عليا من الهوا الطاير وتزعقي لو تأخرت خمس دقائق. ما كنتش اعرف إن جوايا بطلة.»
«وأنا كنت فاكرة إني حميتك لما خبيت عنك الماضي ده يا ملك… بس اكتشفت إن حمايتك الحقيقية مش إنك تشوفيني ضعيفة، حمايتك إنك تتعلمي إزاي تكوني قوية. القوة مش إنك تضربي حد أو تتخانقي في الشارع… القوة إن محدش يقدر يكسر عينك، ولا يخليكي تحسي إنك أقل منه.»
ملك سكتت لحظة، بصت للصورة اللي في الصندوق، وبعدين بصت في عيني بثبات غريب ما شفتوش فيها قبل كده. الخوف اللي كان دايماً مطفي عينيها اختفى تماماً.
«ماما… ممكن تعليمني؟ مش عشان أكون بطلة أو أخد ميداليات… بس عشان لما أقف قدام أي حد في الدنيا، أفتكر إني بنت العاصفة الساكتة؟»
سحبتها في حضني ودفنت وشي في شعرها، وحسيت بدمعة دافية بتنزل من عيني لأول مرة من سنين… دموع مش حزن على عمر، بس فرحة بإن روح عمر ورسالته رجعت تعيش تاني في ملك.
رفعـت راسها وبصيت لها وابتسمت من قلبي:
«من بكرة الصبح يا ملك… الصبح بدري، هننزل نتمرن سوا.»

الساعة كانت خمسة الصبح لما المنبه رن. الشارع بره كان لسه بيستعد للنهار، وهوا الفجر الساقع بيدخل من الشباك الموارب. قمت بنشاط وخفة ما حسيتش بيهم من سنين طويلة، لبست كوتشي الجري القديم، وحضّرت كوبايتين شاي بلبن دافيين. دخلت أوضة ملك لقيتها صاحية ومستناني، قاعدة على طرف السرير لابسة التريننج وشادة رباط الجزمة، وعينيها فيها تحفز غريب ومفيش فيهم أي أثر للنوم.
خرجنا سوا من البيت والنور لسه بيشق السماء. الممشى الهادي جنب النيل كان فاضي تقريبًا إلا من كام واحد بيجروا رياضيين كبار في السن. وقفنا قصاد بعض على النجيلة، وما بدأتش معاها بضرب ولا ركل، بدأت بأساسيات «العاصفة الساكتة»: النفس، ثبات الجذع، والسيطرة الكاملة على الذهن.
حطيت إيدي على كتفها وعدّلت وقفتها وقيلت لها: «أول حاجة تتعلميها يا ملك… عينك ما تنزلش الأرض أبدًا. اللي بينزل عينه قدام خصمه بيبصم على هزيمته قبل ما أي لكمة تتوجّه له. القوة بتبدأ من النظرة الثابتة.»
عدّت ساعتين وكأنهم دقايق. ملك كانت بتتصبب عرق، ورجليها بتترعش من صعوبة ثبات الوقفة، بس ما اشتكتش ولا طلبت ترتاح مرة واحدة. كل ما كان جسمها يتعب، كانت تبصلي وتفرد ظهرها أكتر. شفت في ملامحها نفس إصرار عمر زمان، نفس الشغف الحقيقي اللي بيصنع أبطال مش مجرد حركات للاستعراض.
فات أسبوع كامل على المنوال ده. تدريبات شاقة الصبح بدري، وحياة هادية بقية اليوم، لحد ما جه موعد التمرين الدوري في النادي.
لما دخلنا الصالة المرة دي، الجو كان مختلف تمامًا. السكوت حلّ في المكان أول ما باب الصالة اتفتح وظهرت أنا وملك. الأمهات اللي كانوا بيتجاهلوني زمان، بقوا يوسعوا لي المكان بابتسامة فيها احترام، والولاد الصغار بيبصوا لملك بنظرات فيها إعجاب ورهبة هادية.
محمود الشناوي كان واقف على البساط، بس ما كانش هو الراجل المتعجرف بتاع الأسبوع اللي فات. كان هادي، ونبرة صوته مع الطلبة اتغيرت تمامًا وبقت مليانة تشجيع حقيقي بدون إهانة أو تقليل من حد. أول ما عينيه وقعت عليا، وقف مكان وقدم لي تحية كاراتيه رسمية بكتف واطي ومرونة غير معتادة. رديت له التحية بتهذيب وبابتسامة خفيفة ومستريحة.
في نص التمرين، محمود طلب من ملك تدخل نزال ودي مع ولد أكبر منها بسنتين وأقوى جسمانيًا. زمان، ملك كانت أطرافها بتتجمد وعينيها بتملى دموع في المواقف دي. المرة دي، بصت لي الأول. خدت نفس عميق من مناخيرها، ووشها هدي تمامًا.
وقفت على البساط، وثبات رجليها على الأرض كان يدرس بالنسبة لسنها. الولد اندفع ناحيتها بلكمة مستقيمة وسريعة، بس ملك ما اترعبتش ولا هربت لورا. تفادت الضربة بميلة صغيرة من كتفها زي ما علمتهالها بالظبط، واستغلت حركة اندفاعه ودفعته خفيف من كوعه خلت توازنه يختل ويخرج بره البساط.
الصالة كلها انفجرت بالتصفيق. ملك ما تنططتش ولا صرخت، وقفت بثبات وقدمت تحية هادية لزميلها، وبعدين بصت لي بعيون بتبرق بالدموع والفخر.
في اللحظة دي، عرفت إن الدائرة اكتملت. القوة عمرها ما كانت الميداليات الذهبية ولا الشهرة، القوة الحقيقية كانت إن بنتي تكتشف إن مصدر حمايتها العظيم موجود جواها هي… وإن العاصفة الساكتة مش مجرد ذكريات دفنتها مع أخويا، دي روح بتنتقل لجيل جديد مش هيسمح لحد يكسره أبدًا.

عدى شهر كامل، والتمرين الصباحي جنب النيل بقى فرض مقدس في يومنا. ملك اتغيرت تماماً؛ مش بس في طريقة مشيتها أو قعدتها، لكن في نبرة صوتها لما تتكلم، في الثقة اللي طالعة من عينيها وهدؤها الساكت اللي بقى يسبق أي حركة تعملها.
لحد ما جه اليوم اللي دخل فيه كابتن محمود الصالة وهو ماسك في إيده ورقة رسمية من الاتحاد، ووشه باين عليه التوتر والحماس في نفس الوقت. جمع الأهالي والطلبة، وبصلي بصة رجاء قبل ما يتكلم:
«يا جماعة، الاتحاد أعلن عن بطولة القاهرة المفتوحة للناشئات… والمنافسة المرة دي كلاس أ، يعني أندية كبيرة ومستويات عالية جداً. الفرصة دي مش هتتكرر، وأنا شايف إن عندنا لاعبة تقدر تاخد الدهب بجدارة… لو وافقت تدخل.»
الصالة كلها لفت تبص لملك، وملك لفت تبصلي هي ومحمود.
محمود قرب مني ببطء وقال بصوت واطي ومحترم: «كابتن نهى… أنا عارف إنك قفلتي الصفحة دي من زمان، بس ملك عندها روحك في الحلبة. النادي ده محتاج يرجع يرفع راسه، والبت دي تستاهل تقف على منصة التتويج. لو قبلتي إنك تدرّبيها بنفسك وتكوني في زاويتها في الماتشات… أنا هكون مجرد المساعد ليكي.»
بصيت لملك. كانت ساكتة، بس عينها بتترجاني. مش عشان الشهرة أو الميدالية، لكن عشان كانت عايزة تخوض التجربة كاملة… مع أسطورتها الخاصة، أمها.
خدت نفس عميق ورسيت القرار: «مواقفة يا محمود… بس التمرين هيتضاعف، ومفيش هزار.»
بدأت ملحمة جديدة. شهر بحاله، الصالة بقت زي معسكر حربي. التريننج الرمادي القديم بتاعي اتحول لملابس رياضية عملي، ورجعت الحلبة مش كـ «أم متفرجة»، لكن كـ «عاصفة» بتصنع عاصفة جديدة. كنت بتمرن معاها خطوة بخطوة، بعلمها إزاي تقرأ حركة الخصم قبل ما يفكّر فيها، إزاي تستغل اندفاعه، وإزاي تحول الخوف في جسمها لطاقة انفجارية سريعة.
وجاء اليوم الموعود. الصالة المغطاة في استاد القاهرة كانت بتغلي. أصوات التشجيع، الصافرات، صدى الصرخات الرياضية مالي المكان، وأعلام الأندية متعلقة في كل حتة.
ملك كانت قاعدة في الصالة الخلفية، لسانها ناشف وبدلة الكاراتيه البيضا عليها الحزام الأزرق. كانت حاطة إيدها على ركبتها بتترعش خفيف.
قعدت قدامها على الركبتين، مسكت إيديها بثبات ونظرت في عينها مباشرة:
«ملك… افتكري كلمة واحدة. اللي بره دول مش جايين يحاربوا جنود، هما جايين يواجهوا لاعبة كاراتيه. إنتِ مش محتاجة تثبتي لأي حد إنتِ مين. الخوف اللي حاسة بيه ده مش ضعف… ده الموتور اللي هيحركك، خدي النفس ودخليه جوه صدرك، وطلّعيه هدوء.»
غمضت عينها، خدت نفس عميق وطلّعته ببطء. لما فتحت عينها… الرعشة كانت اختفت تماماً.
«اللاعبة ملك سامح… بساط رقم تلاتة!»
الصوت طلع في الميكروفون. ملك وقفت بثبات، وبصتلي هزت رأسها.
طلعت البساط، وأنا وقفت في زاويتها كمدربة، لابسة البدلة التدريبية وحاطة الفوطة على كتفي، تماماً زي ما كان أخويا عمر بيقف في زاويتي زمان. حسيت بروحه حاضرة في المكان، كأنه بيتفرج وبيبتسم.
الخصم بتاعه ملك في الفاينال كانت بنت اسمها «ياسمين»، بطلة الجمهورية للسنة اللي فاتت من نادي معروف بالقوة واللعب الشرس. مدربها كان بيصرخ فيها من الزاوية ويوجهها بغل، والبنت دخلت البساط بنظرات تحدي واستعراض قوة.
الحكم أدى إشارة البداية: «هاجيمي!»
ياسمين هجمت فوراً بشراسة وصوت صرخة مرعبة، موجهة سلسلة لكمات سريعة جداً ورا بعض. الصالة كلها اتفاعلت وصوت الجمهور كان بيهز السقف.
لكن ملك… ما اتخضتش.
كانت بتتحرك بمرونة وهدوء كأنها في عالم تاني. بتفادي ضربات ياسمين بميل زوايا ميليمتري، رجلها ثابتة، وعينها متثبتة على عين خصمها فقط، بدون أي انفعال أو توتر.
مرت دقيقة كاملة، ياسمين أرهقت نفسها في الهجوم من غير ما تلمس نقطة واحدة في جسم ملك. الغضب بدأ يسيطر على البنت، واندفعت بجهل برجله الطايرة «أورا ماواشي» في محاولة أخيرة لكسب الماتش.
في اللحظة دي، الزمن كأنه بطأ عند ملك.
نزلت بكتفها تحت الضربة الطايرة، خطت خطوة خاطفة لجوه مسافة خصمها، ووجهت لكمة خاطفة في المليمتر الأخير قبل صدر ياسمين بالضبط… حسمت بيها الماتش من غير ما تؤذيها.
«يامي!» الحكم أوقف الماتش، ورفع إيده في الهوا: «إيبون! الفائزة باللون الأزرق!»
الصالة انفجرت بتصفيق حار من الجمهور والمدربين اللي قدروا روعة التكنيك والهدوء النادر. ياسمين كانت واقفة بصدمة مش مصدقة اللي حصل، لكن ملك قربت منها، وادتها تحية رياضية مليانة احترام وروح رياضية عالية، البنت ردت لها التحية بإعجاب مكتوم.
ملك لفت وجهت نظرتها للزاوية بتاعتي. ما جريتش تنطط، ولا صرخت… مشيت بوقار وثبات لحد ما وصلت عندي.
وقفت قدامي، وعينيها مليانة دموع نصر. رفعت إيدها وادتني التحية الرسمية بتاعة اللعبة.
رديت لها التحية بنفس الفخر، وسحبتها في حضن دافي وأنا بدمع.
محمود والولاد في الصالة كانوا بيكبروا ويهتفوا باسمها، لكن في وسط كل الدوشة دي، ملك همست في ودني بصوت ثابت ورزين:
«العاصفة ما ماتتش يا ماما… العاصفة جابت مطر جديد.»

تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى