
خالد.
نفس صوت ابني.
نفس نبرة ابني.
نفس الطريقة اللي كان بيناديني بيها.
وقفت متجمدة.
الضابط رفع سلاحه.
وسارة شهقت.
أما أنا…
فما قدرتش أتحرك.
لأن ابني مات من ست شهور.
والصوت اللي ورا الباب…
كان صوته بالضبط.
ثم خبط على الباب ثلاث خبطات، وقال
أنا خالد يا أمي… ولسه عايش.
فضلت واقفة مكاني، لا قادرة أتحرك ولا حتى أرمش.
صوت ابني كان جاي من ورا الباب.
نفس النبرة.
نفس النفس القصير اللي كان بيعمله لما يكون مستعجل.
حتى طريقة نطقه لكلمة يا أمي كانت هي نفسها.
الضابط قرب مني وهمس
محدش يتحرك.
لكن أنا ما كنتش سامعاه.
كل اللي كنت سامعاه هو صوت خالد.
يا أمي… افتحي.
حطيت إيدي على بوقي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
قلت بصوت مرتعش
خالد؟
رد فورًا
أيوه يا أمي.
رجليا ما شالتنيش.
قعدت على أقرب كرسي.
سارة كانت بتبصلي وهي مرعوبة، وأمها حاطة إيديها على صدرها، أما الراجل اللي اتقبض عليه فكان واقف في إيد الضابط، لكن أول ما سمع الصوت، وشه اتغير تمامًا.
قلت
لو إنت خالد… قوللي كنت بتقولي إيه وإنت صغير لما كنت بتخاف من الضلمة؟
سكت اللي ورا الباب.
ثواني طويلة عدت.
الضابط بصلي.
وأنا فضلت مستنية.
وبعدين الصوت قال
كنت بستخبى في حضنك وأقولك متسيبنيش.
صرخت من البكاء.
دي كانت الحقيقة.
حاجة محدش يعرفها.
حتى سارة عمرها ما سمعتها مني.
الضابط قرب من الباب.
وقال
خالد، لو إنت فعلًا خالد، ابعد عن الباب وارفع إيديك لما نفتحه.
الصوت رد
أنا مش جاي أؤذي حد.
الضابط أشار لرجاله.
اتنين وقفوا ناحية الباب.
فتحوه فجأة.
دخل شاب لابس جاكت غامق، وشه مغطى نصه بوشاح.
أول ما شوفته، قلبي اتوقف.
كان طويل.
نفس طول خالد تقريبًا.
نفس الوقفة.
نفس العينين.
لكني ما قدرتش أصدق.
الضابط وجه سلاحه له.
وقال
إيديك فوق.
رفع إيديه.
وببطء شال الوشاح.
صرخت.
الصوت خرج مني من غير ما أحس
خالد!
لكن الشاب ما اتحركش.
بصلي.
وعينه كانت مليانة دموع.
قال
وحشتيني يا أمي.
وقعت من طولي.
ما حسيتش بحاجة بعدها.
لما فتحت عيني، كنت على الكنبة.
سارة كانت قاعدة جنبي.
والضابط واقف بعيد.
والشاب واقف عند الشباك.
أول ما عيني وقعت عليه، دموعي نزلت.
قلت
إنت…
صوتي اتقطع.
قال
أنا خالد.
هزيت راسي.
خالد مات.
قال
اللي مات كان لازم الناس كلها تفتكره خالد.
صرخت
إنت عايز تجنني؟!
قرب مني.
لكن الضابط منعه.
قال
خليك مكانك.
الشاب وقف.
وبصلي.
وقال
أنا ابني؟
السؤال خرج مني مكسور.
إنت ابني؟
قال
أيوه.
بس الشهادة…
قاطعني
الشهادة صحيحة.
يعني إيه؟
قال
أنا مش ابنك بالدم.
قلبي اتقبض.
أمال إنت مين؟
قعد على الكرسي المقابل.
وقال
أنا ابن الست اللي اسمها مكتوب في الشهادة.
بصيت له.
الست دي…
قال
أمي الحقيقية.
سكت.
طب إزاي كنت بتناديني يا أمي؟
ابتسم بحزن.
عشان بالنسبة لي كنتي أمي.
ما قدرتش أتكلم.
أمي الحقيقية ماتت وأنا صغير.
نزلت دموعي.
وأبويا؟
سكت.
أبويا مات قبلها.
بصيت له.
طب أنا جبتك إزاي؟
قال
أمي كانت صاحبة عمرك.
سكت لحظة.
وأخويا كان خالد.
شهقت.
أخوكي؟
هز راسه.
خالد اللي دفنتيه كان أخويا.
حسيت الدنيا بتلف.
بس أنا…
قال
إنتي ربيتيّني بعد ما أمي ماتت.
بدأت أفتكر.
افتكرت الست اللي كانت بتقف بعيد.
افتكرت دموعها.
افتكرت إنها كانت بتطلب مني دايمًا آخده في حضني.
وأنا كنت فاكرة إنها بتفرح بيه.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
قال
هي كانت عارفة إنها هتموت.
وقالتلك إيه؟
قالتلي إني لو حصل لها حاجة، أروح لك.
ليه؟
لأنها كانت واثقة إنك الوحيدة اللي هتحميني.
سكت.
وبالفعل… ربيتيني.
بكيت.
بس ليه ما قلتليش؟
قال
عشان وعدتها.
وعدتها بإيه؟
إنك ما تعرفيش الحقيقة إلا لما أبقى قادر أحميكي.
الضابط تدخل
وعشان كده خالد الحقيقي كان مخبي الموضوع عنك.
بصيت له.
إنت كنت عارف؟
قال
كنا عارفين جزء منه.
قلت
طب ليه قلتوا لي إنه مات؟
سكت.
ثم قال
لأن لازم العالم كله يصدق إن خالد مات.
بصيت للشاب.
يعني مين اللي مات؟
سكت.
قال
جندي تاني.
اتصدمت.
إيه؟
الضابط قال
ده جزء من خطة لحماية شاهد مهم.
قلت
شاهد مين؟
بصيت لخالد.
قال
أنا.
بدأت أفهم إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خيانة.
قلت
إنت كنت شاهد على إيه؟
قال
على شبكة كانت بتسرب معلومات خطيرة.
بصيت للرجل المقبوض عليه.
قال
هو كان واحد منهم.
الراجل ضحك.
وقال
إنتي مصدقة الكلام ده؟
الضابط قال
اسكت.
لكنه بصلي وقال
لو كنت مكانك، ما أثقش في حد.
وبعدين ضحك.
خصوصًا في اللي لابس البدلة.
الضابط تجاهله.
أنا بصيت لخالد.
طب ليه صاحَبك سلمني الجواب؟
خالد سكت.
قول.
قال
لأنه كان عايز يعرف إذا كنتي هتفتحيه.
يعني الجواب كان فخ؟
جزء منه.
والجزء التاني؟
قال
كان رسالتي ليكي.
إنت اللي كتبت الجواب؟
هز راسه.
أيوه.
إنت كنت عارف إنك هترجع؟
قال
ما كنتش عارف.
يعني كنت عارف إن ممكن تموت؟
أيوه.
دموعي نزلت.
طب ليه ما قلتليش؟
ابتسم بحزن.
لو قلتلك، كنتي هتمنعيني.
قلت
طبعًا كنت همنعك!
ضحك لأول مرة.
ضحكته كانت نفس ضحكة ابني.
وقتها ما قدرتش أقاوم.
قمت من مكاني وجريت عليه.
حضنته.
حضنته بكل قوتي.
فضل واقف ثواني، وبعدها حضني هو كمان.
دفنت وشي في صدره.
ريحة ابني.
نفس الريحة.
نفس حضن الطفولة.
صرخت
أنا دفنتك!
قال وهو بيعيط
أنا عارف.
أنا لبست السواد عليك.
عارف.
أنا كنت بموت كل يوم.
عارف.
ليه عملت فيا كده؟
قال
عشان كنت بحاول أحميكي.
بعد لحظات، بعدته عني.
بصيت في وشه.
طب دلوقتي الحقيقة كلها.
هز راسه.
كلها.
قلت
سارة؟
بص لها.
سارة كانت بتبكي.
قال
سارة كانت ضحية.
بصيت لها.
وأمها؟
قال
كانت مضغوطة، لكن غلطت.
بصيت لأم سارة.
كانت منهارة.
وصاحبك؟
خالد سكت.
قلت
قول.
قال
مش صاحبي.
اتصدمت.
يعني إيه؟
قال
هو كان قريب مني فعلًا.
وبعدين؟
اكتشفت إنه بيشتغل معاهم.
ومين هما؟
قال
ناس كانت بتحاول توصل لمعلومات عن عمليات عسكرية.
سكت.
وأنا كنت قريب جدًا من كشفهم.
قلت
وعشان كده حاولوا يقتلوك.
هز راسه.
أيوه.
طب إزاي نجوت؟
بص للضابط.
الضابط قال
إحنا ساعدناه يختفي.
قلت
والجثمان؟
سكت.
ثم قال
جثمان جندي استشهد في نفس المهمة.
نزلت دموعي.
يعني أنا دفنت واحد تاني.
قال
للأسف.
قعدت وأنا مش قادرة أستوعب.
كل اللي عشته الست شهور اللي فاتت كان مبني على كذبة.
لكن بالنسبة لي الألم كان حقيقي.
الحزن كان حقيقي.
البيت كان حقيقي.
كل ليلة نمت فيها وأنا ببكي على قبر ابني كانت حقيقية.
خالد قعد جنبي.
وقال
أنا آسف.
بصيت له.
مفيش حاجة تعوضني عن الست شهور دول.
قال
عارف.
أنا كنت بموت.
عارف.
وكنت فاكرة إنك تحت التراب.
نزلت دموعه.
أنا كنت كل يوم نفسي أرجعلك.
سكت.
لكن لو رجعت، كانوا هيوصلوا ليكي.
مسكت إيده.
طب دلوقتي؟
قال
دلوقتي الخطر لسه موجود.
قلبي اتقبض.
يعني إيه؟
بص للضابط.
الضابط قال
القبض على الشخص ده مش نهاية الموضوع.
بصيت للرجل.
مين باقي؟
قال
لسه فيه شخص واحد.
سألت
مين؟
الضابط فتح ملفه.
قال
الشخص اللي كان بيمول كل ده.
قلت
مين؟
قبل ما يرد، خالد وقف فجأة.
وشه اتغير.
قال
مستحيل.
الضابط بص له.
إيه؟
خالد أخذ الملف من إيده.
فتح صفحة معينة.
وأول ما شاف الصورة، وشه اصفر.
قربت منه.
مين ده؟
ما ردش.
قلت
خالد، مين؟
رفع عينه لي.
وكان واضح إنه لأول مرة في حياته مش قادر يخبي خوفه.
قال
الشخص ده…
سكت.
الشخص ده هو اللي رباني.
قلت
مين؟
بصلي وقال
الراجل اللي أنا طول عمري فاكره أبويا.
سكت لحظة.
ثم قال
وهو نفسه الراجل اللي إنتي كنتي بتقوليلي طول عمري إنه مات قبل ما أتولد.
قلبي وقف.
لأن الصورة كانت لرجل أعرفه.
رجل شفته مئات المرات في صور قديمة.
رجل كان اسمه موجود في كل أوراق عيلتنا.
والأصعب…
إنه كان الشخص اللي دفناه من عشرين سنة.
لكن خالد قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
أمي… أبويا الحقيقي لسه عايش.
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت باب البيت بيتقفل من بره.
وبعدين صوت خطوات بطيئة بتقرب من الصالة.
خالد بص ناحية الباب.
وهمس
هو هنا.
وفجأة…
رن جرس الباب.
مرة واحدة.
وبعدها جه صوت راجل عجوز من ورا الباب
افتحي يا أم خالد.
أنا عرفت الصوت.
لأن الصوت ده…
كان صوت الراجل اللي حضرت جنازته بإيدي من عشرين سنة.
اتجمدت مكاني.
صوت الراجل اللي ورا الباب كان مستحيل يكون حقيقي.
أنا أعرفه.
أعرف نبرته.
أعرف طريقته في الكلام.
حتى النفس اللي بياخده بين كل جملة والتانية.
ده صوت حسن.
الراجل اللي عشت معاه سنين طويلة وأنا فاكرة إنه أقرب إنسان ليا بعد ابني.
الراجل اللي قالوا لنا إنه مات في حادث من عشرين سنة.
الراجل اللي حضرت دفنته.
الراجل اللي فضلت شهور بعدها ألبس الأسود عليه.
الراجل اللي ابني خالد كان بيسألني عنه وهو صغير، وكنت أقوله
أبوك مات يا ابني.
ودلوقتي صوته ورا الباب.
افتحي يا أم خالد.
حسيت إن رجلي اتجمدت.
بصيت لخالد.
كان وشه أبيض.
قال بصوت واطي
محدش يفتح.
الضابط أشار لكل الموجودين يبعدوا عن الباب.
وقال
محدش يتحرك.
الخبط اتكرر.
أم خالد… أنا عارف إنكم جوه.
حطيت إيدي على بوقي.
إزاي عرف؟
إزاي عرف إن خالد هنا؟
إزاي عرف إننا فتحنا الملف؟
وبعدين الصوت قال
أنا مش جاي أؤذيكم.
الضابط بصلي.
ثم أشار لأحد رجاله يروح ناحية الشباك.
بعد ثواني رجع وقال
في عربيتين تحت.
قلبي وقع.
يعني الراجل ده مش لوحده.
الخبط اتحول لضرب على الباب.
افتحي!
خالد قرب مني.
وقال
أمي، مهما حصل، متطلعيش من الأوضة.
بصيت له.
إنت هتعمل إيه؟
قال
هواجهه.
مسكته من دراعه.
لأ.
قال
لازم أعرف ليه عمل كل ده.
الضابط قال
مش هتواجه حد. إحنا اللي هنتعامل.
وفجأة سمعنا صوت تكسير.
الباب بدأ يتخلخل.
الضابط صرخ
الكل ورا!
وبعد ثواني انفتح الباب بعنف.
دخل راجل كبير في السن.
شعره أبيض.
وشه مليان تجاعيد.
لكن عينيه…
عينيه كانوا نفسهم.
وقعت عيني عليه.
وخرجت مني كلمة واحدة
حسن…
وقف قدامي.
بصلي طويلًا.
وقال
كبرتي يا أم خالد.
دموعي نزلت.
إنت ميت.
ابتسم.
كنت لازم أموت.
صرخت
إنت مين؟
قال
أنا الراجل اللي كان لازم يختفي من حياتكم.
خالد تقدم خطوة.
ليه؟
حسن بص له.
وقال
عشان أحميك.
خالد ضحك بمرارة.
تحميني؟
أيوه.
إنت دمرت حياتي.
أنا أنقذتك.
خالد صرخ
أنا عشت طول عمري وأنا فاكر إن أمي ماتت، وأبويا مات، والست اللي ربتني هي أمي الحقيقية!
حسن بصلي.
كان لازم.
قلت
ليه؟
سكت.
ثم



