عام

بعدست شهور ١ زهرة الربيع

قبل كده.
مش فاكرة فين.
كان في الخمسينات تقريبًا، لابس قميص أبيض وجاكيت غامق، ووشه جامد بشكل يخوف.
قال
مساء الخير يا أم خالد.
مردتش.
بصيت له.
قال
إحنا جايين نتكلم معاكي بس.
قلت
إنت مين؟
مردش.
أم سارة قالت
ده قريب لينا.
بصيت لها.
قريبكم مين؟
قالت
مش مهم.
قلت
لا مهم جدًا. ده بيتي، وإنتي دخلتي من غير إذني، وجاية مع راجل معرفوش.
الراجل ابتسم ابتسامة باردة.
وقال
إنتي لسه مش فاهمة إحنا جايين ليه.
قلت
أنا فاهمة إنكم خايفين من حاجة.
سكت.
قلت
وخايفين من الملف اللي في إيدي.
وشه اتغير.
أم سارة بصت له بسرعة.
عرفت إني أصبت.
قال
أي ملف؟
ضحكت رغم خوفي.
إنت بنفسك عارف.
سكت لحظة.
وبعدين قال
خالد كان بيحبك.
الجملة نزلت عليا كأنها إهانة.
قلت
متجيبش سيرة ابني على لسانك.
قال
أنا كنت بحبه زي ابني.
صرخت
ابني مات!
سكت.
ابني مات، وإنتوا دلوقتي داخلين بيتي بعد نص الليل وبتدوروا على حاجته!
أم سارة بدأت تبكي.
قلت لها
إنتي كنتي عارفة؟
فضلت ساكتة.
إنتي كنتي عارفة إن خالد كان شاكك فيكم؟
هزت راسها بالنفي.
قلت
كدابة.
قربت منها.
إنتي اتجوزتي بعد موته بشهور قليلة، وأنا وقتها قلت دي حياتها وربنا يسعدها. لكن دلوقتي أنا عايزة أعرف حاجة واحدة.
بصيت في عينيها.
إنتي كنتي بتحبيه أصلًا؟
انهارت في العياط.
وقالت
أنا كنت بحبه.
صرخت
يبقى ليه؟!
قالت
عشان كنت مجبورة.
اتسمرت.
مجبورة على إيه؟
بصت للرجل اللي جنبها.
هو بص لها نظرة خلتها تسكت.
فهمت.
هو اللي مخوفها.
قلت
إنت مهددها؟
رد بهدوء
متدخليش نفسك في حاجة أكبر منك.
قلت
دي حاجة تخص ابني.
قال
ابنك مات وانتهى الموضوع.
قربت منه.
لأ.
صوتي كان ثابت لأول مرة.
ابني مات، بس الموضوع لسه مخلصش.
بصلي طويلًا.
وبعدين قال
إنتي فتحتي الجواب.
مفيش داعي أنكر.
قلت
أيوه.
سأل
وقريتيه كله؟
قلت
قريت اللي يكفيني أعرف إن ابني كان خايف.
أم سارة قالت
يا أم خالد، والله أنا ما كنت عايزة حاجة تحصل لخالد.
بصيت لها.
إنتي كنتي عارفة إن فيه ناس بتراقبه؟
بكت.
أيوه.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
من إمتى؟
قالت
قبل المأمورية بأسبوعين.
وليه ما قلتيليش؟
كنت خايفة.
من مين؟
سكتت.
بصيت للرجل.
فقال
كفاية.
صرخت
إنت مالك؟!
رد
مالك إنك مش هتقدري ترجعي ابنك.
قلت
بس أقدر أجيب حقه.
ابتسم.
حقه؟
قلت
أيوه.
قال
وإنتي فاكرة إن اللي حصل له كان جريمة؟
سكت.
هو لاحظ ترددي.
وقال
خالد مات في مأمورية.
قلت
ابني كتب إنه كان خايف.
الخوف مش دليل.
وكتب إن فيه شخص قريب منه كان بيراقبه.
سكت.
وكتب إن الشخص ده كان يعرف تحركاته.
فضل ساكت.
قلت
وكتب إن أم سارة عارفة.
أم سارة انهارت.
خلاص!
صرخت
قولي الحقيقة!
قالت
أنا هقول.
الرجل مسك دراعها.
مش هتقولي حاجة.
صرخت
سيبها!
حاولت تبعد عنه.
فقالت وهي بتبكي
أنا اللي خلت خالد يتجوزني.
اتصدمت.
إيه؟
قالت
أنا اللي طلبت منه.
قلت
ليه؟
قالت
عشان أحمي نفسي.
من مين؟
بصت للرجل.
منه.
سكت البيت كله.
الرجل قرب منها.
لكنها قالت
خالد عرف كل حاجة.
قلت
عرف إيه؟
قالت
عرف إن الراجل ده كان بيستخدم اسمي عشان يوصل له.
قلبي خبط.
يوصل له ليه؟
قالت
عشان شغله.
سكت.
كان عايز معلومات عن تحركات المأموريات.
بصيت للرجل.
هو ما اتكلمش.
قلت
إنت بتشتغل إيه؟
قال
مش من حقك تعرفي.
قلت
إنت اللي قتلت ابني؟
رفع عينه في عيني.
وسكت.
والسكوت كان أخوف من أي إجابة.
أم سارة صرخت
هو ما قتلوش بإيده!
لفيت لها.
يعني إيه؟
قالت
هو بلغهم.
حسيت الدنيا وقفت.
بلغ مين؟
بكت.
الناس اللي كانوا مستنيين المأمورية.
بصيت للرجل.
إنت كنت عارف مكان ابني.
قال
أنا ما كنتش عارف المكان بالضبط.
صرخت
كداب!
وفجأة سمعت صوت طرق شديد على باب الشقة.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
الرجل بص لأم سارة.
وقال
مين ده؟
هي قالت
معرفش.
رجع الخبط.
وبعدين صوت راجل من بره
افتحوا الباب! شرطة!
الراجل اتوتر لأول مرة.
أم سارة بصت لي.
وأنا بصيت له.
قلت
إنت خايف ليه؟
مردش.
جريت ناحية باب الشقة.
لكن قبل ما أوصل، مسكني من دراعي.
شدني بعنف.
وقال
لو فتحتي الباب، هتندمي.
قلت
ابني مات وأنا عايشة نص موت من بعده.
وبصيت له في عينه.
مفيش حاجة تخليني أخاف بعد اللي شفته.
حاول يمنعني.
لكن أم سارة صرخت
سيبها!
وسمعنا صوت كسر الباب.
دخل رجالة بملابس رسمية.
الرجل حاول يتحرك، لكن اتقبض عليه.
وأنا وقفت مكاني مش فاهمة.
واحد منهم قرب مني وقال
حضرتك أم خالد؟
قلت
أيوه.
قال
إحنا كنا بندور على الشخص ده من فترة.
بصيت للرجل.
وبعدين قلت
هو قتل ابني؟
الضابط سكت.
وقال
اللي نقدر نقوله دلوقتي إن وفاة ابنك فيها تفاصيل لسه ما ظهرتش.
قلبي وقع.
يعني إيه؟
قال
المعلومات اللي وصلتنا بتقول إن المأمورية اللي كان فيها ابنك حصل فيها تسريب.
حسيت إن نفسي انقطع.
تسريب؟
أيوه.
يعني حد سرب مكانهم؟
هز راسه.
بالضبط.
بصيت للرجل المقبوض عليه.
هو؟
قال
هو واحد من الأشخاص اللي بنحقق معاهم.
واحد؟
يعني مش هو لوحده؟
قلت
طب مين الباقي؟
الضابط بص ناحية أم سارة.
وسكت.
فهمت إن فيه حاجة.
قلت
قول.
قال
إحنا محتاجين نسألك عن الملف اللي خالد سابه.
قلبي دق.
إنت عرفت منين إن فيه ملف؟
قال
لأن خالد قبل ما يموت بثمانية وأربعين ساعة، بعت نسخة من محتويات الملف لشخص كان بيثق فيه.
سألته
مين؟
قال
مش هقدر أقولك الاسم دلوقتي.
صرخت
أنا أمه!
قال
وعشان كده لازم تسمعي الحقيقة كاملة.
أخد نفس.
ابنك ما كانش بيحقق في موضوع سارة بس.
سألته
أمال كان بيحقق في إيه؟
قال
كان بيحقق في شخص داخل الدائرة اللي حواليه.
قلت
مين؟
فتح الضابط ملف صغير كان في إيده.
وبص فيه.
ثم قال
إحنا كنا فاكرين إن الشخص ده واحد من معارفه.
سكت لحظة.
لكن بعد ما راجعنا الأدلة، اكتشفنا إن الشخص ده كان أقرب مما تخيلنا.
قلت
مين؟
الضابط رفع عينه وبصلي.
إنتي.
حسيت إن الدنيا اسودت قدامي.
قلت
أنا؟
قال
خالد كان بيدور على سبب إن معلومات تحركاته كانت بتخرج من بيته.
وبيته؟
أيوه.
بس أنا أمه!
قال
وعشان كده الموضوع أغرب.
أم سارة بدأت تبكي.
والرجل المقبوض عليه ابتسم ابتسامة غريبة.
بصيت له.
قال
كنت عارف إنها هتعرف في الآخر.
قلت
تعرف إيه؟
سكت.
الضابط فتح الملف اللي معاه، وطلع منه صورة.
مدها لي.
أول ما شفت الصورة، إيدي بدأت ترتعش.
الصورة كانت ليا أنا…
واقفة قدام باب بيت خالد قبل المأمورية بيوم واحد.
وفي إيدي ظرف.
لكن أنا عمري ما افتكرت إني كنت هناك.
والأسوأ من كده…
كان فيه شخص واقف ورايا في الصورة.
شخص أنا أعرفه كويس جدًا.
شخص كنت بثق فيه ثقة عمياء.
رفعت عيني للضابط وأنا مش قادرة أتكلم.
قال
خالد كان كاتب تحت الصورة جملة واحدة.
قلب الصورة.
وكان مكتوب بخط ابني
لو أمي شافت الصورة دي، هتفتكر إنها كانت بتسلّم الظرف لحد تاني… لكن الحقيقة إن أمي نفسها ما كانتش عارفة مين اللي حط الظرف في إيديها.
شهقت.
بصيت للضابط.
قلت
أنا… أنا مش فاكرة حاجة.
قال
وده بالضبط اللي كان خالد خايف منه.
سألته
خايف من إيه؟
مد لي ورقة تانية.
وقال
إنك تكوني اتخدعتي.
بصيت للورقة.
كان فيها موعد وتاريخ ومكان.
وتحتهم اسم الشخص اللي قابلني يومها.
أول ما قرأت الاسم…
رجليا ما شالتنيش.
لأن الاسم كان اسم الشخص الوحيد اللي كنت فاكرة إنه وقف جنب ابني لآخر لحظة…
صاحبه اللي سلمني الجواب.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى