عام

بعدست شهور ١ زهرة الربيع

صورة ليكي وصورة لراجل كبير في السن، ومعاهم ورقة مكتوب فيها إن الراجل ده أبوكي الحقيقي.
وقعت الورقة من إيدي تاني.
فضلت فاتحة بوقي ومش قادرة أتنفس.
أبوها الحقيقي؟
يعني إيه؟
كملت وأنا حاسة إن كل كلمة بتسحب قطعة من الأرض من تحت رجلي.
أنا في البداية افتكرت إن الموضوع خدعة، لكن لما بدأت أتحرى، اكتشفت إن الموضوع أخطر بكتير.
مسكت طرف الكرسي عشان ما أقعش.
أبوكي الحقيقي مات من سنين، لكن قبل موته كان سايب أمانة باسمك… أمانة كبيرة جدًا.
قلبي بدأ يخبط أسرع.
والأمانة دي كانت سبب إن ناس كتير حاولت توصل ليكي قبلي.
سكت.
قريت السطر أكتر من مرة.
وبعدين لقيت جملة تحتها خط.
وعشان كده أنا اتجوزتك.
اتجمدت مكاني.
مش عشان الأمانة، ولا عشان الفلوس، ولا عشان أي مصلحة. اتجوزتك عشان كنت عايز أحميكي لحد ما أفهم الحقيقة.
بدأت أبكي.
ابني…
ابني كان شايل سر بالشكل ده كله لوحده؟
لكن الجملة اللي بعدها كانت أقسى.
وأنا آسف يا سارة إني مخبي عليكي حاجة تانية.
وقفت عن القراءة.
قلبي كان بيقوللي متكمليش.
لكن إيدي كملت لوحدها.
أنا كنت عارف إن في حد بيراقبنا.
بصيت ناحية باب الشقة.
فجأة حسيت إن حد واقف ورايا.
لفيت بسرعة.
مفيش حد.
رجعت للورقة.
والشخص ده مش غريب.
بلعت ريقي.
ده شخص قريب منك جدًا.
شهقت بصوت مكتوم.
وأنا كنت ناوي أقولك اسمه أول ما أرجع من المأمورية.
نزلت دموعي.
لكن لو أنا ما رجعتش، يبقى لازم تعرفي إن أول شخص لازم تخافي منه هو…
هنا الكلمة كانت شبه ممسوحة.
قربت الورقة من عيني.
حاولت أقرأها.
الخط كان باهت، لكن قدرت أشوف آخر كلمتين.
أمك…
اتسمرت.
أمك؟
يعني أمي؟
فضلت أبص للكلمة وأنا مش مستوعبة.
إيه علاقة أمها بالموضوع؟
وليه ابني يقول لها تخاف من أمها؟
وبعدين لاحظت إن في جزء من الورقة متقطع من تحت.
كأن ابني كتب تكملة… والجزء ده اتشال عمدًا.
قلبت الورقة.
لقيت على ظهرها سطر واحد بس.
لو وصلتِ للنهاية، روحي فورًا إلى…
والباقي كان مقطوع.
قعدت على الأرض وأنا ماسكة الورقة.
وفجأة افتكرت أم سارة وهي بتفتحلي الباب.
افتكرت وشها.
افتكرت ارتباكها.
افتكرت إنها أول ما شافتني سألتني بسرعة
إنتي جاية ليه؟
وقتها استغربت السؤال.
دلوقتي فهمت.
هي كانت خايفة.
مش مني.
كانت خايفة من الجواب.
قمت من على الأرض بصعوبة، ومسكت الموبايل.
كنت لسه هتصل بصاحب ابني وأسأله عن كل حاجة، لكن قبل ما أضغط اتصال، سمعت صوت رسالة وصلت على موبايلي.
فتحتها.
رقم غريب.
مفيش اسم.
الرسالة كانت قصيرة جدًا
لو فتحتي الجواب، يبقى سارة عرفت إنك وصلتي له.
تجمدت.
رسالة تانية وصلت بعدها بثواني.
ومتدخليش في الموضوع أكتر من كده… لو عايزة تعرفي ابنك مات إزاي.
حسيت الدم اتسحب من وشي.
يعني إيه مات إزاي؟
ابني مات في مأمورية عسكرية.
ده اللي اتقال لنا.
ده اللي كل الناس قالته.
ده اللي اتكتب في الأوراق.
لكن الرسالة دي معناها إن في حاجة أنا معرفهاش.
قبل ما ألحق أفكر، موبايلي رن.
رقم مجهول.
فضلت أبص للشاشة وأنا مترددة.
رن مرة.
مرتين.
تلاتة.
وبعدين رديت.
مفيش صوت.
قلت
ألو؟
سكت.
مين؟
سمعت نفس طويل.
وبعدين صوت راجل واطي قال
متروحيش لسارة.
قلبي اتقبض.
قلت
إنت مين؟
قال
أنا واحد كان مع ابنك.
سكت لحظة.
وبعدين قال
ولو عايزة تعرفي الحقيقة، هتلاقيها في المكان اللي ابنك كان مخبي فيه الحاجة اللي سابها ليكي.
قلت بسرعة
فين المكان ده؟
لكن الخط اتقفل.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش عارفة أعمل إيه.
وفجأة افتكرت حاجة.
ابني قبل سفره بأسبوع كان جايلي، وقعد معايا في المطبخ وقت طويل.
وقتها سألته
مالك يا خالد؟ شكلك مشغول.
ضحك وقاللي
مفيش يا أمي… بس لو في يوم سألتيني على المفتاح اللي في درج مكتبي، متفتحيش الدرج غير لما أقولك.
أنا وقتها ضحكت وقلتله
هو أنا هسرقك يا بني؟
ضحك.
لكن دلوقتي…
أنا فاكرة الجملة.
فاكرة الدرج.
فاكرة المفتاح.
جريت ناحية أوضة ابني.
من يوم ما مات وأنا تقريبًا مقربتش من حاجته.
فتحت الدولاب.
طلعت هدومه.
قعدت ألمسها وأبكي.
وبعدين فتحت درج مكتبه.
كان مقفول.
دورت في حاجته القديمة.
ولا مفتاح.
افتكرت فجأة سلسلة كان لابسها قبل سفره.
سلسلة صغيرة عليها مفتاح معدني.
كنت شفتها يوم الدفن.
لكن بعد وفاته، كل متعلقاته رجعت في صندوق.
جريت ناحية الصندوق.
فتحته.
وسط ساعته، ومحفظته، وبعض أوراقه، لقيت السلسلة.
إيدي بدأت ترتعش.
مسكت المفتاح.
ورجعت للمكتب.
دخلته في القفل.
فتح.
كان جواه ملف أسود.
وأول ما شفت الاسم المكتوب على الملف، حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
كان مكتوب بخط ابني
ملف سارة… الحقيقة الكاملة.
مديت إيدي ناحية الملف.
لكن قبل ما ألمسه…
سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب شقتي.
حد كان بيفتح الباب.
اتجمدت مكاني.
أنا متأكدة إني قفلت الباب بالمفتاح.
سمعت خطوات بطيئة بتقرب من الصالة.
وبعدين صوت ست قال
يا أم خالد… إنتي فين؟
الصوت كان مألوف.
مألوف جدًا.
لدرجة إن الدم اتجمد في عروقي.
كانت أم سارة.
والأغرب…
إنها ماجتش لوحدها.
كان في صوت راجل واقف جنبها.
وصوته قال
اتأكدي بس إنها ما فتحتش الملف.
وقتها عرفت إن اللي مكتوب في جواب ابني…
مكنش مجرد سر عن سارة.
كان سر عن موته هو كمان.
وقبل ما أقدر أتحرك، سمعت أم سارة بتقول بصوت مرتعش
لو أم خالد شافت الملف… كلنا هنروح في داهية.
وقتها مسكت الملف وضمّيته لصدري، وأنا لأول مرة أفهم إن ابني قبل ما يموت…
كان عارف إن حياته في خطر.
لكن السؤال اللي قتلني أكتر من كل اللي فات
مين اللي قتله؟
فضلت واقفة ورا باب أوضة ابني وأنا حاضنة الملف على صدري، وإيدي على بوقي عشان حتى نفسي ما يطلعش بصوت.
كنت سامعة كل كلمة بتحصل في الصالة.
أم سارة كانت بتتكلم بصوت واطي ومرعوب
إحنا لازم نمشي قبل ما تفتح الباب.
صوت الراجل رد عليها
لو الملف معاها، مش هتقدروا تمشوا.
جسمي كله اترعش.
يعني إيه؟
هم عارفين إن الملف موجود؟
وعرفوا إزاي؟
أنا أصلًا لسه فاتحاهش.
رجعت خطوة لورا، وبصيت للباب وأنا حاسة إن قلبي هيقف.
كنت لوحدي في البيت.
ومفيش حد يعرف إن صاحب ابني جه عندي من كام ساعة، ولا يعرف إنه سلمني جواب خالد، ولا يعرف إني اكتشفت الملف.
إلا لو…
صاحب ابني هو اللي قال لهم.
الفكرة ضربت في دماغي زي الصاعقة.
الراجل اللي جابلي الجواب.
الراجل اللي قال إنه كان مع ابني.
الراجل اللي بكاني معاه قدام صورة خالد.
ممكن يكون هو اللي ورا كل ده؟
لكن ليه؟
وليه ابني كتب في الجواب متصدقيش أي كلمة هيقولها لك صاحبي؟
حسيت إن كل حاجة بدأت تركب جنب بعض.
خالد كان شاكك فيه.
وهو اللي جاب الجواب.
وهو اللي عرف إني فتحته.
وهو اللي ممكن يكون بلغهم.
لكن السؤال كان
إزاي عرفوا إن الملف معايا؟
يمكن كانوا بيراقبوني.
يمكن من أول ما رجعت من المنصورة.
يمكن حد شافني وأنا دخلت البيت.
قربت من الشباك وبصيت بحذر.
العربية اللي كانت واقفة تحت البيت من ساعة ما رجعت كانت لسه موجودة.
سودة.
زجاجها غامق.
ومحدش نازل منها.
حسيت برعب حقيقي.
رجعت بعيد عن الشباك.
وفي اللحظة دي سمعت خبط على باب أوضة ابني.
اتجمدت.
صوت أم سارة قال
يا أم خالد… إحنا عارفين إنك هنا.
مردتش.
افتحي يا أم خالد.
صوتها كان مختلف.
مش صوت الست المكسورة اللي كانت بتكلمني من شوية.
كان فيه تهديد.
قلت بصوت مرتعش
إنتي دخلتي بيتي إزاي؟
ردت
الباب كان مفتوح.
كدب.
أنا متأكدة إني قفلت الباب.
سمعت صوت الراجل يقول
كفاية كلام.
وبعدين خطوات قربت من باب الأوضة.
أنا بصيت حواليا بسرعة.
مفيش مكان أستخبى فيه.
وفجأة افتكرت البلكونة.
جريت عليها، لكن أول ما فتحت بابها لقيت إن الباب الحديد الخارجي مقفول.
حاولت أفتحه.
مفيش فايدة.
رجعت للأوضة.
الخطوات قربت.
مسكت ملف خالد بقوة.
وبدأت أدور على مكان أخبيه فيه.
فتحت الدولاب.
حطيت الملف تحت كومة هدوم.
لكن حسيت إن ده مش كفاية.
طلعت الملف تاني.
بصيت له.
وقلت لنفسي
خالد أكيد كان عارف إن اللي جوه ده ممكن يضيع حياته.
كان لازم أحافظ عليه.
دخلت الحمام، ورفعت غطا صندوق قديم كنت بحط فيه ملايات، وحطيت الملف تحته.
رجعت الأوضة بسرعة.
وفي اللحظة دي الباب اتفتح.
دخلت أم سارة.
وراها راجل معرفوش.
أول ما شفته، حسيت إني شفته

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى