روايات وقصص

عيلتي كلها دكاترة

وبعدين قربت مني وهمست:

“ماتبوظيش يومي يا مريم.”

قبل ما أقدر أرد، سمعنا صوت نادر من على المسرح.

كان ماسك الميكروفون.

وبدأ يشكر أهله وأصدقاءه.

ثم قال:

“وقبل ما نكمل، فيه شخص موجود هنا الليلة لازم أقول له كلمة.”

يوسف بص لي.

وأنا بصيت لنادر.

نادر ابتسم.

ثم قال:

“الشخص ده ساعدني أكون الطبيب اللي أنا عليه النهارده.”

أمي بصت لأبي.

وكاميليا بدأت تتحرك بعصبية.

نادر كمل:

“ولولا اللي حصل من 9 سنين، ماكنتش هقف هنا النهارده.”

سكتت القاعة.

ثم رفع نادر عينيه ناحية مكاني.

وأشار بإيده.

وقال:

“دكتورة مريم ممكن تطلعي عندي؟”

في اللحظة دي، شفت أمي بتشد على إيد كاميليا.

ولأول مرة، ماكانش في عينيها غرور.

كان فيه قلق حقيقي.

كأن نادر كان على وشك يقول شيئًا مهمًا.

شيء له علاقة بجدتي.

وبالحائط اللي عليه الشهادات.

وبالبرواز رقم 12.

وبالجملة اللي جدتي ماكملتهاش ليلة ماخرجت من البيت.

“إنتِ عمرك ما كنتِ…”

وقفت مكاني.

وأنا مش عارفة إيه اللي ممكن يخلي عيلتي تتوتر بالشكل ده.

لكن نادر رفع الميكروفون مرة تانية وقال:

“قبل ما أقول الحقيقة، فيه حاجة لازم كل الموجودين يعرفوها عن عيلة مراد.”

وساعتها أبويا وقف فجأة من مكانه.

الكرسي اتحرك ورا ضهره بصوت واضح وسط القاعة.

كل الناس بصت له.

نادر سكت.

أبويا قال بصوت حازم:

“نادر، كفاية.”

نادر ما اتحركش.

قال بهدوء:

“ليه يا دكتور حاتم؟”

أبويا قرب خطوتين من المسرح.

“اللي هتقوله مالوش علاقة بالفرح.”

نادر ابتسم ابتسامة صغيرة.

“بالعكس، له علاقة جدًا.”

كاميليا قربت من أبويا وهمست:

“بابا، خليه يسكت.”

لكن نادر سمعها.

رفع الميكروفون وقال:

“أنا مش هتكلم عن حاجة تخص حياتكم الشخصية.”

سكت لحظة.

“لكن لازم أقول الحقيقة.”

أمي كانت متأثرة جدًا.

وأبويا لأول مرة ماحاولش يمنعني من معرفة الحقيقة.

لكن السؤال الحقيقي بقى:

لو كاميليا مش السبب، مين اللي قرر إبعادي؟

وليه اختياري للتمريض كان مهمًا لهذه الدرجة؟

وقبل ما أقدر أسأل، الدكتور سامح قال جملة واحدة:

“مريم، لازم تشوفي المكان اللي جدتك كانت بتخبي فيه باقي أوراقها.”

قلت:

“فين؟”

قال:

“في بيتها القديم.”

ثم أضاف:

“والبيت ده والدك باعه من 9 سنين.”

سكتُّ.

ثم بصيت لأبويا.

“مين اشتراه؟”

أبويا رفع عيني وقال:

“أنا.”

تجمدت.

“إنت اشتريته؟”

قال:

“أيوه.”

“وليه؟”

ما ردش.

وفي اللحظة دي، نادر قرب مني وقال:

“لأن البيت مش هو المهم.”

سألته:

“أمال إيه؟”

قال:

“الحاجة اللي موجودة ورا الحائط.”

شعرت بقشعريرة تسري في جسمي.

لأنني تذكرت فجأة الساعة القديمة اللي أعطتها لي جدتي ليلة خروجي.

كانت الساعة ما زالت في درج غرفتي.

لكنها لم تكن تعمل.

وعلى ظهرها كان فيه رقم صغير لم أنتبه له طوال تسع سنوات.

رقم:

12.

نفس رقم البرواز الفاضي.

رفعت عيني لأمي.

وسألتها:

“إيه علاقة الساعة بالبرواز؟”

أمي لم تجب.

لكن الدكتور سامح قال:

“الرقم 12 مش رقم عادي يا مريم.”

بصيت للساعة في إيدي.

“أمال إيه؟”

قال:

“ده كان رقم ملف قديم جدًا في العيلة.”

قلت:

“ملف إيه؟”

قبل ما يرد، أبويا قاطعه:

“سامح، كفاية.”

الدكتور سامح بص له وقال:

“إنت أخفيت الموضوع 9 سنين. كفاية بقى.”

القاعة بدأت تلاحظ إن فيه شيء مهم بيحصل.

أما كاميليا، فكانت واقفة ودموعها بتنزل في صمت.

بصيت لها وقلت:

“إنتِ كنتِ تعرفي عن الساعة؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

“وعن البرواز؟”

“أيوه.”

اتصدمت.

“يعني طول السنين دي وإنتِ عارفة؟”

قالت:

“مش كل حاجة.”

“إيه اللي كنتِ تعرفيه؟”

سكتت.

ثم قالت:

“كنت أعرف إن جدتنا كانت بتحاول توصلك لحاجة.”

“إيه الحاجة دي؟”

بصت ناحية أبويا.

ماعرفتش.

الدكتور سامح تدخل وقال:

“الموضوع بدأ قبل ولادتك بسنين.”

بصيت له.

“إزاي؟”

قال:

“جدك كان عنده نظام غريب جدًا في العيلة.”

“كل شهادة طب كانت بتتحط على الحائط، صح؟”

هزيت رأسي.

“لكن الحائط ماكانش مجرد مكان للشهادات.”

قرب مني وقال:

“كان فيه جزء مخفي ورا البرواز رقم 12.”

حسيت إن نفسي اتسحب.

“والبرواز كان فاضي ليه؟”

قال:

“لأن جدتك كانت رافضة تحط فيه أي شهادة.”

سألت:

“ليه؟”

قال:

“لأنها كانت شايفة إن الشهادة اللي تستحق تتحط هناك مش شهادة طب.”

سكت لحظة.

“شهادة التمريض.”

سكتُّ.

لأول مرة فهمت إن جدتي ماكانتش تعتبر التمريض أقل من الطب.

لكن ده لسه ماكانش يفسر موقف عيلتي.

قلت:

“طب ليه أبعدوني؟”

الدكتور سامح قال:

“لأن والدك كان عايز يبعد أي شيء يذكر العيلة بالحقيقة القديمة.”

أبويا انفعل:

“مش صحيح.”

رد سامح:

“إنت عارف إنه صحيح.”

أبويا بص لي.

وبصوت أهدى قال:

“أنا كنت بحاول أحمي العيلة.”

قلت:

“من إيه؟”

سكت.

“من الحقيقة؟”

ما ردش.

ولا من جدتي؟

عينيه اتغيرت.

وعرفت إنني لمست شيئًا مهمًا.

في اللحظة دي، يوسف قرب مني وقال:

“مريم، إحنا لازم نمشي.”

قلت:

“لا.”

بص لي باستغراب.

قلت:

“أنا قضيت 9 سنين وأنا مش فاهمة ليه أهلي أبعدوني عن حياتهم.”

ثم بصيت لأبويا.

“مش همشي المرة دي.”

أبويا قال:

“مش هتعجبك الحقيقة.”

رديت:

“أنا مش خايفة منها.”

الدكتور سامح قال:

“يبقى لازم تروحي البيت القديم.”

سألته:

“هو لسه موجود؟”

قال:

“أبوك قال إنه باعه.”

بصيت لأبويا.

“لمين؟”

سكت.

الدكتور سامح قال:

“هو ما اتباعش لشخص غريب.”

قلت:

“لمين؟”

قال:

“للمؤسسة اللي كانت بتتعامل مع جدتك زمان.”

اتسعت عيني.

“دار الرعاية؟”

هز رأسه.

“أيوه.”

تجمدت.

لأن ده نفس المكان اللي بدأت فيه شغلي بعد ما خرجت من البيت.

نفس المكان.

نفس الممرات.

نفس الغرفة اللي كنت بقعد فيها بالساعات.

لكن السؤال كان:

ليه المكان ده بالذات؟

يوسف بص لي وقال:

“مريم، إنتِ اشتغلتي هناك سنين.”

قلت:

“أيوه.”

قال:

“عمرك ما لاحظتي حاجة غريبة؟”

فكرت.

وفجأة افتكرت.

في آخر ممر بالدور الثاني، كانت فيه غرفة قديمة مقفولة.

كنت دايمًا أسأل عنها.

وكانت المديرة تقول:

“دي غرفة قديمة، وممنوع حد يدخلها.”

قلت:

“الغرفة رقم 12.”

الدكتور سامح ابتسم.

“أخيرًا.”

قلبي بدأ يدق بسرعة.

“الغرفة كانت رقم 12؟”

هز رأسه.

“أيوه.”

بصيت للساعة.

رقم 12.

البرواز.

الغرفة.

كلهم نفس الرقم.

قلت:

“إيه اللي موجود جواها؟”

الدكتور سامح قال:

“آخر حاجة كتبتها جدتك في دفترها.”

ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا.

حطه في إيدي.

“وده المفتاح الوحيد اللي يفتح الباب.”

بصيت للمفتاح.

كان قديمًا جدًا.

وعليه نقش صغير:

“لا تفتحوه إلا عندما تعرف مريم لماذا اختارت التمريض.”

رفعت عيني.

“جدتي كتبت ده؟”

قال:

“أيوه.”

أمي بدأت تبكي.

قالت:

“مريم، أنا أرجوكي ما تفتحيش الباب.”

التفتُّ لها.

“ليه؟”

قالت:

“لأن اللي جواه ممكن يغير كل حاجة.”

قلت:

“كل حاجة إيه؟”

لكنها لم تجب.

كاميليا اقتربت مني.

وقالت:

“أنا هاجي معاكي.”

سألتها:

“ليه؟”

قالت:

“لأن فيه حاجة لازم أقولها لك قبل ما تفتحي الباب.”

“إيه؟”

نظرت إلى أبي.

ثم قالت:

“أنا مش بنت الشخص اللي كل العيلة فاكرة إنه صاحب الفضل الأكبر في نجاحنا.”

سكت الجميع.

أما أنا، فشعرت أن السر الذي ظننت أنه متعلق بالتمريض أكبر بكثير مما تخيلت.

## الحقيقة التي أخفوها لسنوات

سكتت كاميليا طويلًا، وبعدين قالت:

“بابا مش هو اللي أسس نجاح العيلة.”

بصيت لها باستغراب.

“أمال مين؟”

قالت:

“جدتنا عديلة.”

الدكتور سامح هز رأسه.

“هي كانت أول واحدة في العيلة تفهم إن الطب مش مجرد لقب.”

ثم حكى لي الحقيقة.

جدتي كانت صاحبة الفكرة الأساسية وراء أول مركز رعاية في العيلة، وكانت هي التي ساهمت في بناء سمعته في البداية.

لكن مع مرور السنوات، بدأ أفراد العيلة ينسبوا النجاح كله للأطباء، واتحول اسمها من صاحبة فضل حقيقي إلى مجرد ممرضة عملت معهم.

أما البرواز رقم 12، فكانت جدتي مخصصاه لنفسها.

مش لشهادة طب.

بل لشهادة التمريض التي كانت تعتبرها أعظم إنجاز في حياتها.

لكن أبويا كان يرى أن وضع شهادة التمريض وسط شهادات الأطباء قد لا يتناسب مع الصورة التي أراد الحفاظ عليها أمام الناس، ففضل البرواز فاضي.

ولما اخترت التمريض، افتكروا إنني هفكرهم بالحقيقة التي حاولوا ينسوها.

عشان كده أبعدوني.

مش لأن التمريض قليل.

لكن لأن اختياري كان هيذكرهم بتاريخ حاولوا تجاهله.

بصيت لأبويا.

قلت:

“يعني أنا ماكنتش المشكلة؟”

نزل عينيه.

“لا.”

“إنتوا كنتوا خايفين من الحقيقة؟”

هز رأسه بصمت.

كاميليا قربت مني.

“أنا آسفة يا مريم.”

سألتها:

“إنتِ ليه وافقتي على كل ده؟”

بكت وقالت:

“كنت خايفة أخسر مكانتي عندهم.”

بصيت لها طويلًا.

ثم قلت:

“وأنا خسرت عيلتي كلها.”

سكتت.

في اليوم التالي، رجعت مع يوسف والدكتور سامح إلى دار الرعاية القديمة.

دخلنا الغرفة رقم 12.

المفتاح القديم فتح الباب.

الغرفة كانت مليانة صناديق وملفات قديمة.

وفي آخرها كان فيه صندوق خشبي صغير.

فتحه الدكتور سامح.

كان جواه دفتر جدتي.

قلبت صفحاته.

وفي آخر صفحة وجدت جملة:

“لو مريم وصلت هنا، يبقى أخيرًا فهمت إن اختياري للتمريض لم يكن خطأ، كان بداية الطريق.”

وبجوار الجملة كانت شهادة التمريض القديمة الخاصة بها.

أخذتها بين إيدي.

وبكيت.

ليس لأنها كانت مجرد شهادة.

لكن لأنها كانت الشيء الذي حاولت عائلتي أن تجعلني أشعر بأنه أقل قيمة طوال حياتي.

رجعت للفرح في اليوم التالي بعد انتهاء كل شيء.

لكن المرة دي ما رجعتش كضيفة.

رجعت ومعايا قرار.

طلبت من نادر يعلن أمام كل الموجودين أن منحة عديلة مراد ستستمر.

لكن بشرط واحد:

أن يكون أول برنامج جديد فيها مخصصًا للممرضين والممرضات الشباب.

وقلت:

“مش عايزة المنحة تكون عشان تثبت إن التمريض زي الطب.”

سكتُّ لحظة.

“أنا عايزاها تقول إن كل واحد فيهم له مكانه وقيمته.”

صفق نادر.

وبعده يوسف.

ثم بدأ باقي الموجودين يصفقوا.

أما أبي، فكان واقفًا بعيدًا.

اقترب مني بعد دقائق.

قال:

“مريم.”

بصيت له.

“أنا غلطت.”

كانت أول مرة أسمعها منه.

“أنا ظلمتك.”

سألته:

“وتفتكر اعتذارك يرجع التسع سنين؟”

قال:

“لا.”

“يرجع اللي فات؟”

هز رأسه.

“لا.”

قلت:

“يبقى خلينا ما نحاولش نمسح الماضي.”

سكت.

ثم أضفت:

“لكن ممكن نبدأ من جديد لو أنت مستعد.”

دموعه نزلت.

وأمي وقفت بجانبه.

لم أحتضنها.

ولم أقل إن كل شيء أصبح بخير.

لأن السنوات الماضية لا يمكن محوها بكلمة اعتذار.

لكنني لأول مرة ماعدتش محتاجة اعترافهم عشان أعرف قيمتي.

بعد شهور، اتعلقت صورة جديدة في الحائط القديم.

مش شهادة طب.

ولا شهادة منصب.

كانت شهادة تمريض جدتي عديلة.

وتحتها لوحة صغيرة مكتوب عليها:

“أحيانًا الشخص الذي تظنه أقل منك يكون هو الشخص الذي علّمك معنى النجاح.”

أما البرواز رقم 12، فماعدش فاضي.

حطيت فيه شهادتي أنا.

شهادة التمريض.

وبجانبها صورة جدتي وهي لابسة زي التمريض.

وقفت قدام الحائط للحظة.

ابتسمت.

لأول مرة، ماكانش عندي أي رغبة إني أثبت لهم حاجة.

لأنني أخيرًا فهمت الحقيقة.

أنا ماخرجتش من عيلتي يوم ما أبعدوني.

أنا خرجت من ظلهم.

وبنيت لنفسي اسمًا من غير ما أحتاج أغير اسمي.

ومن غير ما أحتاج شهادة جديدة على حائطهم.

وفي آخر يوم، قبل ما أمشي من البيت، بصيت للبرواز رقم 12.

وتذكرت الجملة اللي جدتي ماقدرتش تكملها من تسع سنين:

“إنتِ عمرك ما كنتِ…”

ابتسمت وأنا أكملها بنفسي:

“إنتِ عمرك ما كنتِ أقل من حد يا مريم.”

ثم أغلقت باب البيت.

ومشيت.

المرة دي من غير شنطتين.

ومن غير خوف.

ومن غير ما أبص ورايا.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى