روايات وقصص

عيلتي كلها دكاترة

بعدها بسنة، أخبرتهم بقراري.

قلت:

“أنا مش هدخل طب.”

أبويا رفع عينه من الورق.

“أمال؟”

قلت:

“تمريض.”

الصمت اللي حصل بعدها كان أصعب من أي نقاش.

أمي ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:

“تمريض؟”

هزيت رأسي.

قالت:

“يعني بعد كل اللي عملناه عشانك، تختاري المجال ده؟”

قلت:

“أنا بحبه.”

أبويا قفل الملف اللي قدامه وقال:

“إحنا مش هندي فلوسنا لحاجة إنتِ مش مقتنعة بيها.”

قلت:

“أنا مقتنعة.”

رد:

“يبقى اعتمدي على نفسك.”

وفي خلال أسبوع واحد، تحولت حياتي بالكامل.

مصاريف تعليمي اتوقفت، وبعض الأمور المالية اتقفلت، وأمي قالت لي:

“لو مصممة، يبقى تعيشي نتيجة قرارك.”

وفي الليلة اللي خرجت فيها من البيت، كان عندي 18 سنة.

هدومي كانت في شنطتين صغيرين.

وقفت على باب البيت.

بصيت للحائط اللي عليه شهادات العيلة.

11 شهادة مضيئة.

وبعدين بصيت للبرواز الفاضي.

كان لسه موجود.

سألت أمي:

“والبرواز ده؟”

قالت:

“سيبيه.”

قلت:

“ليه؟”

قالت:

“يمكن يوم من الأيام تفهمي ليه ماكانش ينفع يتحط فيه أي حاجة.”

خرجت.

وقبل ما أمشي، لقيت جدتي مستنياني عند باب الشقة.

كانت الوحيدة اللي ماقالتش إني غلطانة.

مسكت إيدي، وخلعت ساعة تمريض قديمة من إيدها.

كانت ساعة بسيطة وقديمة جدًا.

وربطتها في إيدي.

وقالت:

“خديها.”

قلت:

“دي بتاعتك.”

قالت:

“وعشان كده لازم تبقى معاكي.”

وبصتلي بنظرة غريبة، كأنها عايزة تقول حاجة مهمة.

فتحت بوقها وقالت:

“مريم إنتِ عمرك ما كنتِ…”

وفجأة سمعت صوت أمي من جوه:

“ماما!”

جدتي سكتت.

وبصت لأمي.

وبعدين بصت لي.

وقالت:

“امشي يا بنتي.”

مافهمتش الجملة اللي كانت هتقولها.

لكن بعد سنين، هفهم إنها كانت أخطر جملة سمعتها في حياتي.

بدأت حياتي من الصفر.

الصبح كنت بشتغل في دار رعاية، وبالليل كنت باخد شغل رعاية خاصة.

وكل جنيه كنت بكسبه كنت بحوش جزء منه عشان أكمل دراستي.

كنت بنام ساعات قليلة، وأذاكر في المواصلات.

وأوقات كنت بشتغل وأنا مرهقة جدًا.

لكن كل مرة كنت أشوف شخصًا كبيرًا في السن يبتسم لأن حد اهتم به، كنت أعرف إني اخترت صح.

بعد سنوات، بدأت أشتغل مع مجموعة صغيرة من الممرضين.

وبعدين أسست مشروع بسيط جدًا للرعاية المنزلية.

سميته:

“نورث لايت.”

ماكانش عندي مكتب.

ولا موظفين كتير.

كان عندي ترابيزة صغيرة في مطبخي.

وتليفون.

ودفتر.

وأول ممرضة اشتغلت معايا كانت تريزا.

قالت لي يومها:

“إنتِ عندك خطة؟”

قلت:

“عندي حلم.”

ضحكت وقالت:

“الحلم لوحده مش كفاية.”

قلت:

“عارفة.”

وبدأنا.

كان أول عام صعب جدًا.

لكن العائلات بدأت تثق فينا.

وبعد فترة، مستشفيات بدأت ترشحنا للأشخاص اللي محتاجين رعاية في المنزل.

كبر المشروع.

ومع كل سنة، عدد العاملين زاد.

من شخصين لعشرة، لعشرات، وبعدها بقوا مئات.

بعد 9 سنين، نورث لايت بقت مؤسسة كبيرة للرعاية المنزلية، وليها فروع في أكتر من ولاية.

لكن عيلتي ماكانتش تعرف.

أو يمكن ماكانوش مهتمين يعرفوا.

بالنسبة لهم، أنا لسه مريم، البنت اللي اختارت التمريض بدل الطب.

في الفترة دي، اتعرفت على يوسف.

كان طبيب جراحة، واتقابلنا بسبب شغل بين مؤسستنا وأحد المستشفيات.

كان أول شخص من خارج عيلتي يفهم ليه أنا اخترت التمريض.

وفي يوم، وأنا بحكيله عن الحائط والشهادات والبرواز الفاضي، قال:

“إنتِ مش محتاجة شهادة عشان تثبتي إنك ناجحة.”

ابتسمت وقلت:

“أنا مشكلتي إني طول عمري كنت بحاول أثبت إني مش فاشلة.”

بص لي وقال:

“يبقى بطلي تحاولي.”

كلامه غيّر حاجات كتير جوايا.

اتجوزنا.

وقبل فرحنا، يوسف أصر إنه يبعت دعوة لعيلتي.

قلت له:

“مش هييجوا.”

قال:

“حتى لو ماجوش، الدعوة حقهم.”

وبالفعل، الدعوة رجعت.

كانت مفتوحة.

وعليها بخط أمي:

“ما تحطيش نفسك في موقف صعب.”

احتفظت بالدعوة.

وما رديتش.

مرت السنوات.

لحد ما في يوم، وصلتني دعوة غريبة.

فرح أختي كاميليا.

ماكنتش أعرف إنها هتتجوز.

ولا كنت أعرف العريس.

اسم العريس كان:

“نادر رياض.”

لكن لما شفت الاسم، اتجمدت.

لأن نادر ماكانش شخص غريب عني.

كان واحدًا من الأطباء الشباب اللي استفادوا من برنامج تدريبي كانت مؤسستي بتموله.

برنامج أنا كنت حريصة جدًا إنه مايحملش اسمي.

سميته باسم جدتي:

“منحة عديلة مراد.”

نادر كان واحدًا من أوائل المستفيدين منها.

والمفاجأة الأكبر إن يوسف كان من المشرفين على تدريبه.

عشان كده، يوسف اتلقى دعوة للفرح.

وكان اسمي موجود معاه.

ترددت كتير.

لكن في النهاية، قررت أروح.

مش عشان أواجه عيلتي.

ولا عشان أثبت لهم حاجة.

كنت رايحة كزوجة يوسف.

وبس.

وصلنا القاعة.

كانت فخمة جدًا.

حوالي 200 شخص.

إضاءة قوية.

ورد أبيض.

موسيقى هادئة.

وكل حاجة كانت مثالية.

لحد ما دخلت.

أول شخص شافني كانت أمي.

وقفت مكانها.

وشها اتغير.

وبعد ثواني، مشت ناحيتي.

وقفت قدامي وقالت بصوت منخفض:

“إنتِ جاية هنا ليه؟”

قلت:

“نادر عزم يوسف.”

قالت:

“إنتِ مش مدعوة.”

بصيت لها وقلت:

“اسمي موجود في الدعوة.”

قالت:

“وجود اسمك مش معناه إن وجودك مرحب بيه.”

وقبل ما أرد، ظهرت كاميليا.

كانت بفستان فرحها.

وأول ما شافتني، وشها اتغير.

قالت:

“إنتِ بجد جيتي؟”

قلت:

“أيوه.”

قالت:

“أنا قلت لنادر إن ماليش أخت.”

سكتُّ.

الجملة كانت مؤلمة جدًا.

قلت:

“قلتي له إيه؟”

قالت:

“اللي يخصه يعرفه.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى