
سلمى فضلت واقفة مكانها في نص المطبخ، شاشة التليفون منورة بالكلمتين دول، ورجليها مش شايلينها.
“اهربي يا بنتي.”
ريقها نشف، وحست إن حيطان الشقة القديمة بتضغط على وبتقفل عليها الأنفاس. مسحت العرق اللي اتجمع على جبينها بإيد ترعش، وعقلها بدأ يربط الخيوط ببعضها في ثواني معدودة.
لو كريم هو كمال… يبقى دخوله حياتها من اتناشر سنة ما كانش صدفة. موقف المؤسسة، العربية اللي عطلت، الشاب الجدع اللي وقف يساعدها، النظرات الدافية، الجوازة اللي تمت في شهور قليلة… كل ده كان لعبة مكتوبة بسيناريو متقن.
لكن اهربي تروح فين؟ ومن مين؟
قبل ما تحرك رجل واحدة ناحية باب الشقة، عينيها راحت على أوضة النوم. فيه حاجة واحدة كانت دايماً ملفتة للانتباه طول السنين دي… الدرج الصغير المقفول بقفل نحاسي جوة دولاب كريم. كل ما تسأله عنه، كان يبتسم ويقول لها: “دي أوراق الورشة القديمة وعقود الشراكة، حاجات تزهق مفيش داعي تتكردس في الصالة.”
سلمى جرت على الأوضة، قلبها بيخبط في ضلوعها بصوت دقاته مسموعة في هدوء البيت. إيديها كانت بترتعش وهي بتدور في دراج التسريحة لحد ما طلعت بنسة شعر حديد. وقفت قدام الدولاب، فتحت الدلفة، وحطت البنسة في فتحة القفل النحاسي. صوابعها كانت بتترعش، والتردد بياكل جسمها، بس خوفها من المجهول كان أكبر.
تكة صغيرة.
القفل اتفتح.
سلمى فتحت الدرج بسرعة. جواها كانت فيه ريحة ورق قديم ومادة ورنيش. رفعت حافظة جلدية سوداء، وفتحتها. أول حاجة وقعت منها كانت شهادة ميلاد كمبيوتيرة قديمة… باسم “كمال عبد الفتاح المنصور”. نفس تاريخ ميلاد كريم، نفس المكان، لكن الاسم الأول مختلف.
وتحت الشهادة… كان فيه ملف أصفر صغير.
فتحت الملف، وشهقتها قطعت الهدوء.
جوه الملف كان فيه الجزء التاني المقطوع من الصورة!
حطت النصين جنب بعض على حرف السرير. الخط المشرشر المقطوع بين النصين اتجمع تماماً. الصورة الكاملة ظهرت.
في الناحية التانية من الصورة، جنب الولد الصغير اللي هو كمال، كان واقف راجل كبير في السن، ملامحه حادة وقاسية، واكل الصدأ نص وشه. سلمى عرفت الوش ده فوراً… ده كان عمها “عبد الفتاح”، الراجل اللي أبوها قطع معاه العلاقة من تلاتين سنة بعد خناقة الميراث الشهيرة في شبرا، وبعدها اختفى عبد الفتاح وعيلته تماماً وانقطعت أخبارهم.
لكن المصيبة ما كانتش في الصورة بس.
تحت الصورة كان فيه قصاصة جريدة أهرام قديمة من سنة 1997، مربوطة بدبوس مكتب. العنوان الرئيسي كان مكتوب بالخط العريض:
“مقتل تاجر خشبي بشبرا في مشاجرة على عقار… والشرطة تكثف جهودها للقبض على الجاني الهارب.”
وفي الهامش مكتوب بخط إيد كريم… نفس الخط اللي بيكتب بيه قائمة طلبات البيت كل أسبوع:
“أبويا مات مظلوم… وحقي هاخده من بنتهم.”
سلمى حست إن الأجواء حولها بتتجمد. الدم هرب من وشها تماماً. اتاري 12 سنة جواز ما كانتش حب ولا استقرار… كانت انتقام هادي بيستوي على نار واطية!
وفجأة…
صوت كالون باب الشقة اتقلب.
تكة المفتاح النحاس وهو بيدخل في الباب البراني.
الساعة كانت 11:30 الصبح! كريم مبيجيش البيت في الوقت ده أبداً!
سلمى جسمها اتصلب في مكانه. الرعب شل حركتها. بسرعة لمست الورق، وحطت الصور والقصاصة في جيب المريلة، وقفلت الدرج، لكن القفل النحاسي اتزحلق من إيدها ووقع على السجاد بصوت مكتوم.
سمعت خطواته.
خطوات تقيلة… منتظمة… هادية زيادة عن اللزوم.
أصوات جزمته الجلد وهي بتتجه ناحية أوضة النوم مباشرة.
“سلمى؟”
الصوت ما كانش فيه النبرة الداعية بتاعة كل يوم. ما كانش فيه سؤال عن الأكل أو الإرهاق. كان صوت ناشف، فارغ من أي مشاعر.
سلمى وقفت عند حرف الدولاب، إيديها مستخبيين جوه جيب المريلة، وصوابعها ضاغطة على النص المقطوع من الصورة لحد ما حرف الورق جرح جلدها.
كريم وقف على باب الأوضة.
كان لابس قميصه الكحلي بتاع الورشة، دراعاته متشمّرة، وفي عينيه لمعة غريبة… لمعة شخص كان مستني اللحظة دي من سنين طويلة.
بص على الدولاب المفتوح سنة.
وبعدين بص على الأرض… على القفل اللي واقع جنب رجلها.
وبعدين رفع عينيه وبص في عينيها مباشرة.
سكوت مرعب ساد الأوضة. محدش فيهم كان بيتنفس.
كريم ابتسم… ابتسامة صغيرة، باردة، مفيش فيها أي أثر للراجل اللي عاشت معاه 12 سنة.
قفل باب الأوضة وراه بهدوء… ولف المفتاح في الكالون.
تكة.
حط المفتاح في جيب بنطلونه، وقرب منها خطوة واحدة، وقال بصوت واطي ومبحوح:
“أُمك كانت أشطر منك يا سلمى… هي عرفت من زمان، عشان كده كانت خايفة تبص في عيني طول السنين دي. بس تفتكري… لحقتي تقري الورق كله ولا الساعة سبقتنا؟”
#انجي_الخطيب




