
أمها طلبت منها تشيل الساعة اللي في المطبخ… واللي لاقته وراها هدم جوازها اللي بقاله 12 سنة
الساعة كانت 7:46 مساء يوم الأحد، لما سلمى عبد الرحمن لقت صورة مستخبية جوه ساعة قديمة معلقة فوق ترابيزة السفرة في مطبخ شقتها بقالها أكتر من تلاتين سنة.
الساعة كانت 7:49 لما عربية جوزها دخلت الجراج اللي تحت العمارة.
وفي الساعة 7:50 بالظبط، سلمى فهمت إن الراجل اللي نام جنبها على نفس السرير لمدة اتناشر سنة…
كان يعرفها قبل اليوم اللي قال لها فيه إنهم اتقابلوا لأول مرة.
كلام أمها رجع في دماغها بكل تفاصيله.
“شيلي الساعة من على حيطة المطبخ… وافتحي ضهرها.”
وبصوت مرعوب أضافت:
“ومهما لقيتي جواها يا سلمى… أوعي تقولي لجوزك.”
الساعة القديمة كانت مقلوبة على وشها فوق فوطة مطبخ، وظهرها الخشب مفتوح تحت نور اللمبة الأبيض.
تراب سنين كان متراكم على التروس النحاسية، ومسمار صغير كان واقع واتزحلق تحت ترابيزة السفرة.
بس سلمى ما كانتش شايفة أي حاجة من ده.
كل تركيزها كان على الصورة اللي كانت بترتعش بين صوابعها.
الصورة كانت نص صورة بس.
مقطوعة من النص كأن حد شقها بإيده من سنين طويلة.
في الناحية اللي فاضلة، كانت فيه طفلة عندها حوالي ست سنين، لابسة فستان صيفي عليه ورد صغير.
سلمى.
عرفت نفسها فورًا.
عرفت البيت القديم اللي كانت عايشة فيه وهي صغيرة في شبرا قبل ما أبوها يتوفى.
عرفت البلكونة الصغيرة.
السور الحديد اللي كان مائل ناحية اليمين.
السلمتين اللي قدام باب الشقة.
حتى الصندل البلاستيك الأحمر اللي كانت مصممة تلبسه طول الصيف، رغم إن أمها كانت كل يوم تقول لها:
“يا بنتي اقلعيه بقى، رجلك عرقت!”
لكن اللي خلّى نفسها يتقطع مش صورتها.
كان الولد اللي واقف جنبها.
ولد نحيف، عنده حوالي سبع سنين.
لابس شورت غامق وتيشيرت قديم لونه باهت.
وشه جاد بشكل غريب بالنسبة لطفل صغير.
وعينه ثابتة على الكاميرا.
وفي حاجبه اليمين…
ندبة بيضا رفيعة.
سلمى حست إن إيديها تلجت.
لأنها عرفت الندبة دي كويس.
هي نفسها لمستها وقبّلت مكانها مئات المرات.
جوزها… كريم منصور… عنده نفس الندبة بالظبط.
نفس المكان.
نفس الشكل.
نفس الانحناءة الصغيرة.
طول اتناشر سنة، كريم كان بيحكي لها إن الندبة دي حصلت له وهو صغير لما وقع من فوق أرجوحة حديد قديمة قدام بيت جدته في المنوفية.
وكان دايمًا يضحك ويقول:
“كنت عيل أهبل، ووقتها دماغي كانت في السما.”
لكن الولد اللي في الصورة…
كان واقف جنب سلمى وهي طفلة قبل ما كريم يقول إنه شافها لأول مرة بعشرين سنة كاملة.
قلبها بدأ يخبط بعنف.
قلبت الصورة.
على ضهرها، كان فيه اسمين مكتوبين بقلم رصاص بطريقة طفولية.
سلمى و كمال.
سلمى شهقت.
كمال؟
مين كمال؟
وقبل ما تلحق تفكر، سمعت صوت كلاكس عربية من تحت العمارة.
مرة واحدة.
قصيرة.
لكنها كانت عارفة الصوت ده كويس.
كريم.
جسم سلمى كله انتفض.
بسرعة دست الصورة في جيب المريلة اللي لابساها.
ركبت الجزء الخشباني في ضهر الساعة، وربطت مسمارين بسرعة، وحطت مسمار تالت مكانه من غير ما تلفه.
أما المسمار الرابع…
فضل واقع تحت الترابيزة.
شالت الكرسي، طلعت عليه، وعلقت الساعة تاني مكانها.
الساعة مالت ناحية الشمال.
عدلتها بسرعة.
وفي نفس اللحظة…
سمعت المفتاح بيدخل في كالون باب .
“سلمى؟”
صوت كريم.
صوت عادي جدًا.
مألوف جدًا.
الصوت اللي سألها الصبح:
“عايزين نجيب لبن وإحنا راجعين؟”
نفس الصوت اللي في الليلة اللي فيها خالتها، وقال لها:
“أنا جنبك.”
نفس الصوت اللي دلوقتي…
بقى بالنسبالها صوت واحد غريب.
“لسه صاحيه؟”
سلمى لفت ضهرها للحيطة وفتحت الحنفية بسرعة.
“آه… بخلص المواعين.”
دخل كريم المطبخ وهو شايل ريحة زيت العربيات والتراب والجو البارد بتاع الليل.
كان عنده تلاتة وأربعين سنة، ولسه جسمه عريض وكتافه قوية، زي أول مرة شافته فيها من اتناشر سنة وهي واقفة مستنية الأتوبيس قدام موقف المؤسسة.
رمى مفاتيحه في الطبق الخزف الصغير اللي جنب باب الشقة.
وبعدين…
وقف.
عينيه راحت على الساعة.
سلمى حسّت إن الصورة جوه جيب المريلة جلدها.
كريم فضل باصص للساعة حوالي ثانيتين.
وبعدين ابتسم.
“الساعة ميلة.”
سلمى بلعت ريقها.
“معلش؟”
“مَيْلة سنة.”
اتحرك ناحية الحيطة.
سلمى من غير ما تفكر اتحركت هي كمان ووقفت بينه وبين الساعة.
كريم بص لها.
للحظة قصيرة جدًا…
حاجة غريبة ظهرت في عينيه.
لمعة خوف.
أو شك.
أو معرفة.
لكنها اختفت بسرعة.
ورجع وشه طبيعي.
“أصلحها بكرة.”
“سيبها كده.”
“براحتك.”
قرب منها وباسها على جنب راسها.
سلمى كادت تبعد عنه.
لكنها تماسكت.
وقفت ثابتة وهي حاسة إن الشخص اللي قدامها مش جوزها اللي تعرفه.
كريم فتح التلاجة وبدأ يتكلم عن الشغل.
إن مدير الورشة كان مزنقه في شغل كتير.
وإن عنده عربيتين محتاجين فتيس.
وإن بكرة هيبقى يوم طويل.
#انجي_الخطيب
كلام عادي.
حياة عادية.
جواز عادي.
لكن سلمى كانت حاسة إن كل حاجة حواليها بقت كذبة.
قبلها بثلاث ساعات بس…
كانت أمها، نادية عبد الرحمن، واقفة في الصالة شايلة شنطة سفر صغيرة.
كانت عندها سبعين سنة، لكن شخصيتها كانت أقوى من ناس كتير أصغر منها.
عنيدة.
ذكية.
وعينيها بتلقط أصغر تفصيلة.
وما كانتش من النوع اللي يخاف بسهولة.
نادية كانت عايشة في الشقة دي تقريبًا تلاتين سنة، قبل ما تكتبها باسم سلمى.
والمطبخ كان لسه محتفظ بحاجات كتير من أيامها.
طبق العجن البلاستيك الأصفر.
برطمان السكر الأزرق اللي طرفه مكسور.
علبة الشاي القديمة.
وفوق ترابيزة السفرة…
الساعة.
الساعة اللي أبو سلمى اشتراها يوم ما اترقى في شغله لأول مرة.
كريم كان بيكره الساعة دي.
من سنين وهو بيحاول يقنعهم يشيلوها.
“إحنا هنغير المطبخ أصلًا، نخلي الديكور جديد. الساعة دي قديمة وبتسبق وبتأخر.”
لكن نادية كانت دايمًا ترد:
“الساعة دي هتفضل مكانها.”
في اليوم ده، كريم ابتسم وقال:
“يا حماتي أجيب لك واحدة جديدة أحسن منها.”
نادية بصت له وقالت:
“الساعة دي هتفضل.”
الجو سكت فجأة.
سلمى لاحظت إن فك كريم شد.
لكنه ما ردش.
وبعد شوية، لما شال شنطة نادية ونزل بيها على السلم…
أمها شدت إيد سلمى فجأة.
شدة قوية خلتها تتوجع.
“اسمعيني كويس.”
سلمى بصت لها باستغراب.
“في إيه يا ماما؟”
نادية قربت منها وقالت بصوت واطي:
“شيلي الساعة اللي في المطبخ.”
سلمى ضحكت بتوتر.
“الساعة؟ ليه؟”
“شيليها وافتحي ضهرها.”
“ماما، إنتِ بتتكلمي عن إيه؟”
نادية مسكت إيدها أكتر.
عينيها كانت مرعوبة بشكل عمر سلمى ما شافته عليها قبل كده.
“وأوعي تقولي لجوزك.”
سلمى افتكرت إنها بتهزر.
“يا ماما إيه اللي جوزي دخله في ساعة؟”
لكن نادية ما ضحكتش.
“ولا كلمة يا سلمى.”
وسابتها ومشيت.
الساعة كانت قربت من اتنين بعد نص الليل.
سلمى كانت نايمة جنب كريم، لكن عينيها مفتوحة.
بتبص للسقف.
كريم كان نايم ووشه ناحية الحيطة.
كانت عارفة كل تفصيلة في جسم الراجل اللي جنبها.
الحرق الصغير اللي في رسغه الشمال من يوم ما كان بيصلح ردياتير العربية.
وجع ركبته اللي بيزيد لما الجو يتغير.
الصوت الخفيف اللي بيطلع من مناخيره لما الحساسية تضايقه.
كانت عارفة إنه بيكره الزبيب.
وبيحب أفلام الأبيض والأسود.
وبيحب يسمع عبد الحليم وهو سايق.
وكانت عارفة إنه لما بيتضايق بيسكت بدل ما يتكلم.
كانت فاكرة إنها تعرف كل حاجة عنه.
لكن دلوقتي…
كانت فيه حاجة واحدة مش عارفاها.
هو مين فعلًا؟
استنت لحد ما نفسها بقى منتظم.
وبهدوء قامت من .
مشيت على أطراف صوابعها.
عدت من قدام الحمام.
ودخلت المطبخ.
طلعت الصورة من مكانها.
وقفت تحت نور الحمام.
ورجعت تبص للولد مرة تانية.
الندبة.
العينين.
شكل الودن.
ملامح الوش.
كل حاجة كانت بتصرخ باسم واحد.
كريم.
لكن ده مستحيل.
مستحيل يكون هو.
إلا لو…
الحكاية اللي حكاها لها عن طفولته كانت كذبة.
الصبح، الخوف اتحول لجواها لحاجة تانية.
إصرار.
كريم خرج من البيت وراح الورشة.
وأول ما عربيته اختفت من الشارع، سلمى مسكت تليفونها واتصلت بأمها.
مفيش رد.
اتصلت تاني.
ولا رد.
اتصلت للمرة التالتة.
برضه مفيش.
الساعة كانت 10:17 الصبح لما رسالة ظهرت على شاشة موبايلها.
“أنا كويسة. هقعد عند خالتك عفاف كام يوم. متتصلِيش بيا غير بالليل.”
سلمى فضلت باصة للرسالة.
وبعدين كتبت سؤال واحد.
“مين كمال؟”
فضلت مستنية.
دقيقة.
اتنين.
خمسة.
مفيش رد.
وبعدين ظهرت علامة إن الرسالة اتقريت.
لكن أمها ما ردتش.
سلمى قلبها وقع.
رجعت تبص للصورة.
الطفل الصغير واقف جنبها من أكتر من عشرين سنة.
والاسم المكتوب على ضهر الصورة كان واضح:
سلمى وكمال.
وفي اللحظة دي…
وصلتها رسالة جديدة من أمها.
كلمتين بس.
“اهربي يا بنتي.
#انجي_الخطيب


