
وبدأت أفهم إن حسن ما كانش مخبي عني مجرد بنت.
كان مخبي عني سر عيلة كاملة.
وسر ممكن يغيّر حياة أولادي الأربعة إلى الأبد.
حكايات شروق خالد
فضل حسن ماسك الصورة، وإيده بتترعش.
أنا قربت منه.
«حسن… بص لي.»
ما ردش.
كان عينه مثبتة على الصورة كأنه شايف حاجة مستحيل عقله يستوعبها.
مصطفى قال:
«إنت بتكدب.»
طارق رد بهدوء:
«لو بكذب، اسأل أخوك.»
مصطفى اتوتر.
«أخويا مين؟»
طارق بص له.
«أخوك اللي عايش بره البلد من سنين.»
مصطفى سكت.
أنا بصيت لحسن.
«هو عندك أخ؟»
هز راسه ببطء.
«أيوه.»
«ومين؟»
«سامح.»
«ليه عمرنا ما شفناه؟»
حسن بلع ريقه.
«لأنه سافر من زمان.»
طارق ابتسم بسخرية.
«مش سافر. هرب.»
سكتنا.
طارق حط إيده في جيبه وطلع موبايله.
«أنا ما جيتش هنا عشان أعمل مشكلة. أنا جيت عشان أقول الحقيقة قبل ما يحصل لملك حاجة.»
حسن وقف.
«إنت عارف حاجة إحنا مش عارفينها؟»
«أيوه.»
«قول.»
طارق بص ناحية ملك.
كانت نايمة في حضني.
وقال:
«سمر قبل ما تموت بثلاث أيام، بعتت لي رسالة.»
سألته:
«وقالت إيه؟»
«قالت لي لو حصل لها حاجة، ما أظهرش فورًا.»
«ليه؟»
«لأنها كانت خايفة إن ظهور أبو ملك الحقيقي يخلّيهم يدوروا عليها.»
«مين هم؟»
طارق سكت.
وبعدين قال:
«عيلة حسن.»
حسن انفجر:
«عيلتي مالها؟!»
طارق رد:
«أبوك كان داخل في صفقة كبيرة من سنين. وسمر كانت شاهدة على حاجة ما كانش المفروض تعرفها.»
«إيه الحاجة؟»
«تحويلات فلوس، شركات وهمية، وأسماء ناس كتير.»
مصطفى قال:
«وسمر كانت بتعرف كل ده؟»
«أيوه.»
«طب ملك؟»
طارق بص للطفلة.
«ملك عندها حاجة أخطر.»
قلبي اتقبض.
«إيه؟»
طارق قال:
«سمر كانت محتفظة بدفتر.»
حسن سأل:
«دفتر إيه؟»
«دفتر فيه كل حاجة.»
«فينه؟»
طارق أشار ناحية ملك.
«معاها.»
أنا بصيت للطفلة.
«إزاي؟»
«سمر حطته في مكان ما حدش يتوقعه.»
حسن قال:
«فين؟»
طارق ابتسم.
«في بطانية ملك.»
حسن فتح عينه.
«البطانية اللي في البيت؟»
«أيوه.»
وقتها تذكرت صندوق حاجات الأطفال اللي حسن كان محتفظ بيه في الجراج.
الهدوم.
البطانيات.
الحاجات اللي كنت فاكرة إنها مجرد أمل قديم.
قلت:
«البطانية عندنا.»
حسن بص لي.
«إنتِ متأكدة؟»
«أيوه.»
طارق قال:
«يبقى لازم تروحوا البيت فورًا.»
مصطفى سأله:
«ليه؟»
«لأن اللي بيدور على الدفتر عارف إنه موجود.»
في اللحظة دي، موبايل حسن رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
«أبويا.»
رد.
«أيوه يا حاج.»
جاء صوت رجل كبير من الطرف التاني.
ما قدرتش أسمعه بوضوح، لكن حسن فضل ساكت.
وبعدين قال:
«إنت عرفت؟»
حسن قفل عينه.
«عرفت إيه؟»
سكت.
ثم قال:
«ملك.»
قلبي اتقبض.
حسن بص لي.
«إزاي عرفت إنها هنا؟»
الطرف التاني قال حاجة.
حسن رد:
«لأ.»
سكت.
وبعدين صوته ارتفع:
«قلت لك لأ!»
وقفل المكالمة.
قلت:
«قال إيه؟»
حسن حط الموبايل في جيبه.
«قال إننا لازم نسلمه ملك.»
«مين؟»
«أبويا.»
«ليه؟»
حسن بص ناحية الطفلة.
«بيقول إن وجودها خطر علينا.»
طارق ضحك بسخرية.
«مش علينا.»
حسن بص له.
«عليها هي.»
طارق هز راسه.
«بالضبط.»
قربت ملك مني أكتر.
«مش هياخدها.»
حسن مسك إيدي.
«مش هياخدها.»
مصطفى قال:
«بس إنتوا فاهمين إن الموضوع مش مجرد حضانة طفلة؟»
بصينا له.
«أبويا… قصدي جد ملك، مش هيسكت.»
طارق رد:
«عشان كده لازم نتحرك قبل ما هو يتحرك.»
خرجنا من المستشفى بعد ساعات.
حسن شال ملك.
وأنا كنت ماشية جنبه.
أول مرة أشوفه شايل طفلة بالشكل ده.
كان ماسكها كأنها أغلى حاجة في الدنيا.
وأنا كنت ببص لها ومش قادرة أصدق إنها بقت جزء من حياتنا فجأة.
وصلنا البيت.
الأولاد كانوا عند جدتهم.
دخلنا بسرعة.
حسن راح للجراج.
فتح الصندوق القديم.
أنا وقفت جنبه.
الهدوم الصغيرة كانت زي ما هي.
فستان أبيض صغير.
شراب وردي.
بطانية زرقاء.
حسن مسك البطانية.
قلبها.
مفيش حاجة.
قلبها مرة تانية.
ولا حاجة.
طارق قال:
«دور في الحواف.»
حسن بدأ يفك الخياطة.
وفجأة وقع ظرف صغير على الأرض.
انحنيت ورفعته.
كان مكتوب عليه بخط يد:
«لنادية.»
بصيت لحسن.
«ليّا أنا؟»
هز راسه.
فتحت الظرف.
جواه ورقة واحدة.
وكان أول سطر فيها:
«لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى ملك وصلت لك فعلًا.»
بدأت دموعي تنزل.
وكملت القراءة.
«نادية، أنا عمري ما قابلتك بالشكل اللي كان نفسي أقابلك بيه، لكني عارفة إنك كنتِ تتمني بنت طول عمرك.»
وقفت.
حسن قرب.
قلت:
«هي كانت عارفة كل حاجة.»
وكملت:
«أنا عارفة إنك هتخافي. وعارفة إنك هتسألي نفسك ليه اختارتك.»
اتنفست بصعوبة.
«اخترتك لأنك الوحيدة اللي شفتها مرة وهي بتعامل أولادها كأنهم أهم ناس في الدنيا.»
حطيت إيدي على بقي.
«وعرفت وقتها إن بنتي لو اضطرت تعيش من غيري، مش هتكون لوحدها.»
انهرت في البكاء.
حسن حضني.
لكن الجملة الأخيرة كانت أخطر.
«بس خلي بالك من حاجة واحدة يا نادية… الشخص اللي لازم تخافي منه مش أبو ملك.»
رفعت عيني.
«ده شخص قريب منك جدًا.»
اتجمدت.
بصيت لحسن.
ثم رجعت للورقة.
وتحتها كان فيه اسم واحد.
اسم شخص كنت أثق فيه طول حياتي.
اسم خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي.
كان اسم…
سامح، أخو حسن.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت باب البيت بيتفتح.
حسن رفع رأسه.
وصوت رجل جاي من الصالة قال:
«حسن؟»
تجمدنا.
كان صوت سامح.
وكان أول سؤال قاله:
«ملك فين؟»
ضمّيت الطفلة لصدرى.
وحسن وقف قدامي.
ثم ظهر سامح في باب الجراج.
ابتسم.
وقال:
«واضح إن سمر كانت أسرع مني.»
وبص لي مباشرة.
«بس للأسف… الرسالة دي ما كانش المفروض توصلك.»
حكايات شروق خالد
سامح وقف قدامنا، وابتسامته اختفت أول ما شاف إني ماسكة الورقة.
قال بهدوء: «إديها لي يا نادية.»
ضمّيت الورقة لصدرى.
«ليه؟»
«دي مش بتاعتك.»
حسن وقف بيني وبينه.
«إنت دخلت بيتنا إزاي؟»
سامح رد ببرود: «أنا أخوك.»
«وده مش بيديك الحق تدخل من غير إذن.»
سامح ضحك.
«لسه فاكر إن الموضوع عيلة؟»
سكت حسن.
سامح بص ناحية ملك.
«سلّمها لي.»
قلت: «مش هتلمسها.»
لف وشه ناحيتي.
«إنتِ مش فاهمة حاجة.»
«فاهمة إن أمها اختارتني.»
«أمها ماتت.»
«وعشان كده أنا مش هسيب بنتها.»
سامح قرب خطوة.
«لو فضلتِ معاها، هتندمي.»
حسن قال: «اطلع بره.»
سامح بص له.
«إنت مش فاهم أنا بحاول أحميك من إيه.»
«تحميني؟ إنت اللي بتدور على البنت.»
سامح سكت ثواني.
وبعدين قال: «أبويا عارف إنها عندك.»
حسن اتوتر.
«إزاي؟»
«لأنه هو اللي طلب مني أجيبها.»
طارق تدخل: «كداب.»
سامح بص له باستغراب.
«إنت لسه هنا؟»
طارق قال: «أيوه. ومش همشي.»
سامح ابتسم.
«يبقى إنت لسه فاكر إنك تقدر تصلّح اللي حصل من سنين.»
طارق رد: «على الأقل بحاول.»
سامح بص لي.
«نادية، اسمعيني كويس. لو البنت فضلت هنا، أولادك هيبقوا في خطر.»
الكلمة دي كسرتني.
«متجيبش سيرة أولادي.»
«أنا مش بتهددك.»
«أمال إيه؟»
«بحذرك.»
حسن صرخ: «كفاية!»
سامح بص له.
«إنت عايز الحقيقة؟»
«قول.»
«أبويا مش عايز ملك.»
اتجمدنا.
«أمال عايز إيه؟» سألت.
سامح قال: «عايز الدفتر.»
بصيت للظرف.
«الدفتر مش معانا.»
«عارف.»
«إنت بتدور عليه ليه؟»
سامح سكت.
ثم قال: «لأن الدفتر فيه أسماء ناس لو ظهرت، ناس كتير هتدخل السجن.»
حسن قال: «ومن ضمنهم أبوك.»
سامح ما ردش.
فهمنا.
لكن سامح كمل:
«ومش هو لوحده.»
«مين؟»
«أنا.»
سكت الجميع.
حسن قرب منه.




