
«إنت؟»
سامح هز راسه.
«أيوه.»
«إنت كنت شريك معاه؟»
«كنت.»
حسن رجع خطوة.
«ليه؟»
سامح قال: «عشان كنت غبي.»
وبص لي.
«ولما حاولت أخرج، سمر اكتشفت كل حاجة.»
طارق شد قبضته.
«وعشان كده خوفتها.»
سامح رد: «أنا ما قتلتهاش.»
طارق صرخ: «بس خليتها تعيش آخر شهور حياتها وهي مرعوبة!»
سامح ما ردش.
أنا بصيت له.
«سمر كانت عارفة إنك هتيجي.»
«أيوه.»
«وكانت خايفة منك.»
«أيوه.»
«ومع ذلك كتبت اسمي.»
سامح قال: «لأنها كانت عارفة إنك أضعف نقطة في حياة حسن.»
حسن اتصدم.
«يعني إيه؟»
سامح قال: «لو الدفتر ظهر، أبويا هيدمر حياتك وحياة نادية.»
سكت.
ثم أضاف:
«لكن فيه حاجة سمر ما كانتش عارفاها.»
«إيه؟»
سامح ابتسم ابتسامة حزينة.
«أنا من يوم ما عرفت إن ملك اتولدت، وأنا بحاول أحميها.»
طارق بص له.
«تحميها؟»
«أيوه.»
«يبقى ليه كنت بتدور عليها؟»
«عشان أخدها لمكان آمن.»
حسن قال: «ومين يضمن لنا كلامك؟»
سامح رد:
«ولا حد.»
في اللحظة دي، صوت عربية وقفت قدام البيت.
سامح بص ناحية الباب.
وشه اتغير.
«وصلوا.»
حسن سأل: «مين؟»
سامح قال:
«أبويا.»
أنا حسيت إن إيدي بتترعش.
ملك بدأت تتحرك في حضني.
حسن أخذها مني.
قال: «نادية، اطلعي فوق.»
«مش هسيبك.»
«اطلعي.»
سامح قال: «مفيش وقت.»
الباب الأمامي اتفتح.
وصوت عصاية خبطت على الأرض.
خطوة.
خطوة تانية.
وبعدين ظهر رجل عجوز.
كان والد حسن.
بص لنا كلنا.
ثم ثبت عينيه على ملك.
وقال:
«أخيرًا لقيت حفيدتي.»
حسن وقف قدامه.
«مش هتاخدها.»
الرجل ابتسم.
«إنت لسه مش فاهم يا حسن.»
«فاهم كويس.»
«لو كنت فاهم، كنت سلمتها من أول ما عرفت.»
«لا.»
الرجل رفع عينه.
«يبقى هضطر أقول لك الحقيقة.»
سكت.
ثم نظر إليّ.
وقال:
«البنت دي مش حفيدتي بس.»
اتجمدت.
«إيه؟»
بص لحسن.
«ملك هي الوريثة الوحيدة لحساب أبوها.»
حسن قال: «أبوها؟»
الرجل ابتسم.
«أيوه.»
ثم قال جملة جعلتني أشعر أن كل شيء أعرفه عن حياتنا كان كذبة:
«والحساب ده فيه أكتر من خمسين مليون جنيه.»
ساد الصمت.
لكن الرجل لم يكتفِ.
اقترب من ملك وقال:
«واللي يسيطر على ملك… يسيطر على الفلوس.»
في اللحظة دي، فهمت ليه كل الناس كانوا بيدوروا على طفلة عمرها ساعات.
لكن اللي ما فهمتوش…
كان ليه سمر اختارتني أنا بالذات.
وبينما الكل كان بيتجادل، سمعت صوت ملك.
كانت بتبكي.
قربت منها.
ولما شلتها، لاحظت حاجة في رقبتها.
سلسلة صغيرة.
ما كنتش شفتها قبل كده.
علقتها سمر فيها.
نزعتها ببطء.
وكان فيها مفتاح صغير جدًا.
ومكتوب على ظهره رقم:
17
بصيت لحسن.
«إيه ده؟»
سامح شافه.
وفجأة شحب وجهه.
قال:
«ده مش مفتاح بيت.»
سألته:
«أمال مفتاح إيه؟»
بص لأبوه.
وأبوه لأول مرة فقد ابتسامته.
سامح قال:
«ده مفتاح الخزنة اللي سمر كانت مخبية فيها الدفتر.»
ثم أضاف:
«والخزنة موجودة في مكان واحد بس.»
قلت:
«فين؟»
سامح رد:
«في بنك القاهرة.»
لكن والد حسن ضحك فجأة.
وقال:
«محدش هيوصل للخزنة.»
بصينا له.
«ليه؟»
رفع موبايله.
«لأني كنت عارف من زمان إن المفتاح ده هيوصل لها.»
ضغط على الشاشة.
ثم قال:
«وأنا حجزت الخزنة باسمي من أسبوع.»
اتجمد حسن.
لكن سامح بص لي وقال:
«إلا لو سمر عملت نسخة من المفتاح.»
نظرت للمفتاح في إيدي.
وفي نفس اللحظة، وصلني إشعار على موبايلي.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوب فيها:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة عن ملك… ما تثقيش في أي حد في البيت.»
ثم رسالة ثانية وصلت بعدها بثواني:
«خصوصًا حسن.»
حكايات شروق خالد
فضلت باصة للرسالة على الموبايل، وإيدي بتترعش.
«خصوصًا حسن.»
رفعت عيني لجوزي.
كان واقف قدامي، شايل ملك، ووشه مليان خوف.
قلت:
«إنت كنت عارف؟»
هز راسه بسرعة.
«عارف إيه؟»
ورّيته الرسالة.
قرأها، وشه اتغير.
«نادية، والله ما أعرف مين بعتها.»
سامح قال:
«يمكن سمر.»
بصيت له.
«سمر ماتت.»
«يمكن كانت مجهزة رسائل تتبعت بعد وفاتها.»
والد حسن ضحك.
«إنتوا بتصدقوا أي حاجة مكتوبة في رسالة؟»
بصيت له.
«لأ. بس أنا هعرف الحقيقة بنفسي.»
حطيت ملك في حضن حسن، وخدت المفتاح.
«رايحة البنك.»
حسن قال فورًا:
«هروح معاكي.»
بصيت له.
«لأ.»
«نادية.»
«لو الرسالة بتقول ما أثقش فيك، أنا لازم أعرف ليه.»
وشه اتكسر.
«إنتِ بجد مصدقة إني ممكن أأذيك أو أأذي ملك؟»
دموعي نزلت.
«أنا مش مصدقة حاجة. بس لازم أعرف.»
سامح قال:
«أنا هروح معاها.»
حسن بص له.
«وأنا مش هسيب مراتي لوحدها معاك.»
قلت:
«يبقى كلنا نروح.»
والد حسن حاول يمنعنا.
لكن سامح وقف قدامه.
«كفاية يا حاج.»
خرجنا.
بعد ساعة كنا قدام البنك.
الموظف أخد المفتاح، وبعد مراجعة الأوراق، دخلنا غرفة الخزائن.
الخزنة رقم 17 كانت موجودة.
المفتاح فتحها.
جواها كان فيه دفتر أسود، وفلاشة صغيرة، وصورة.
أخدت الصورة.
كانت لسمر.
واقفة جنب رجل ما أعرفوش.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب وراها:
«ملك… أبوها الحقيقي مش طارق.»
رفعت عيني.
طارق اتجمد.
«إيه؟»
فتحت الدفتر.
أول صفحة كان فيها اسم واحد.
حسن.
جوزي.
بصيت له.
«حسن؟»
وشه شحب.
«أنا معرفش.»
قلبت الصفحة.
كانت فيها تفاصيل عن تحاليل، وتواريخ، وأسماء أطباء.
وبعدين فهمت الحقيقة.
ملك لم تكن ابنة طارق.
ولا ابنة أي رجل غريب.
ملك كانت بنت حسن.
لكن سمر كانت واحدة من أقرب الناس لعيلة حسن، وكانت قد حملت طفلته كبديل بعد اتفاق طبي قديم.
الطفلة وُلدت من عينة حسن، وسمر حملت بها فقط لأن نادية لم يكن مسموحًا لها بالحمل.
سمر كانت الأم التي حملت ملك، لكن حسن هو والدها البيولوجي.
والأخطر من ذلك…
أن حسن كان يعرف.
بصيت له ودموعي على خدي.
«إنت كنت عارف إنها بنتك؟»
نزل عينه.
«أيوه.»
صرخت:
«من إمتى؟!»
قال بصوت مكسور:
«من أول يوم.»
«ليه ما قلتليش؟»
«لأن الدكاترة قالوا إن أي حمل ليكي ممكن يقتلك. وسمر كانت آخر فرصة.»
«بس ليه أخفيت عني؟»
«لأني كنت خايف أخسرك.»
سكت.
ثم قال:
«أنا كنت عايز بنتك… بس ما كنتش عايز أخاطر بحياتك.»
انهرت في البكاء.
كل غضبي تحول لوجع.
لأنني فهمت الآن لماذا كان يحتفظ بصندوق ملابس البنات.
ولماذا كان يقول «الشهر الجاي».
ولماذا اتصل بي في ذلك اليوم.
هو لم يكن يخونني.
كان يحاول، بطريقة خاطئة ومؤلمة، أن يحقق حلمنا من غير ما يخسرني.
لكن سمر كانت قد طلبت منه شيئًا قبل موتها.
فتحت الصفحة الأخيرة.
كان مكتوبًا:
«نادية، لو وصلتي للصفحة دي، يبقى حسن قال لك الحقيقة أخيرًا.»
«أنا عارفة إنه خبّى عنك الحقيقة لأنه كان خايف عليكي. وأنا زعلانة منه عشان خباها، لكني فاهمة خوفه.»
«ملك بنتك زي ما هي بنته.»
«هي اختارتك قبل ما تعرف اسمك.»
«ولما تكبر، قولي لها إن أمها الأولى ماتت وهي مطمنة إنها هتعيش في بيت مليان حب.»
وقعت دموعي على الورقة.
حسن قرب مني.
ما أبعدتوش المرة دي.
قلت:
«أنا زعلانة منك.»
قال:
«عارف.»
«ومش هسامحك بسهولة.»
«عارف.»
«بس مش هسيب ملك.»
بكى.
«ولا أنا.»
رجعنا البيت.
كان أولادنا مستنيين.
أكبرهم جري على حسن وقال:
«بابا، هي دي أختنا؟»
حسن بص لي.
أنا ابتسمت وسط دموعي.
«أيوه.»
الولد قرب من ملك.
«هنسميها إيه؟»
قلت:
«ملك.»
ابتسم.
«اسم حلو.»
وبعدها بأيام، بدأت الإجراءات القانونية.
اتكشف كل شيء.
والد حسن اتقبض عليه بسبب الجرائم المالية اللي ظهرت في الدفتر، وسامح اعترف بدوره وحصل على حكم مخفف لأنه تعاون وكشف باقي الشبكة.
أما طارق، فطلع فعلًا والدًا قانونيًا في الأوراق القديمة، لكنه تنازل عن أي مطالبة بملك بعدما عرف حقيقة ما حدث، واختار يفضل قريب منها من بعيد.
أما حسن…
فأول مرة في حياتي شفته يعترف إنه كان خايف.
قال لي ليلة بعد ما نام الأولاد:
«كنت فاكر إن لو جبتلك بنت، هخلي حلمك يتحقق.»
سكت.
«بس اكتشفت إن أهم حلم عندي كان إنك تفضلي معايا.»
مسكت إيده.
«كان لازم تختارني وتقول لي الحقيقة.»
«عارف.»
«بس دلوقتي عندنا فرصة نبدأ من جديد.»
ابتسم.
«كلنا؟»
بصيت ناحية سرير ملك.
«كلنا.»
وبعد شهور، كان البيت مختلف.
أربع أطفال بدل تلاتة.
صوت ضحك في كل مكان.
ملابس صغيرة على الأرض.
ألعاب في الصالة.
وحاجات وردي وسط هدوم الأولاد.
وفي يوم عيد ميلاد ملك الأول، وقف حسن قدامنا وهو شايلها.
قال:
«من سنة، كنت فاكر إني جبتلك بنت.»
ضحكت.
«وأنا كنت فاكرة إن حياتي انتهت.»
بص لملك.
«لكن الحقيقة إن ملك هي اللي جابتنا كلنا لبعض.»
حضنتها.
وقلت:
«هي ما كانتش حلمنا اللي اتحقق.»
بصيت لأولادي الأربعة.
«هي كانت الهدية اللي جت بعد ما افتكرنا إن الحلم مات.»
وفي الليلة دي، وأنا بحط ملك في سريرها، لقيت ورقة صغيرة تحت المخدة.
ما عرفتش مين حطها.
فتحتها.
وكان مكتوب:
«شكرًا إنك بقيتي أمي.»
فضلت ماسكة الورقة على صدري، ودموعي بتنزل.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أكبر أمنية في حياتي، ما بقولش «كنت نفسي في بنت».
بقول:
«أنا كان نفسي في ملك.»
لأن أحيانًا، الحياة بتقفل قدامك باب…
مش عشان تحرمك من حلمك.
لكن عشان تفتح لك باب تاني…
وتدخلك منه على حياة ما كنتش تتخيل أبدًا إنها هتبقى أجمل من الحلم نفسه.
اتصل بيا جوزي من المستشفى وقال: «في طفلة هنا»…
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




