
«أمها كتبت اسمي فيها. قالت إنها واثقة إني هحافظ على بنتها.»
فضلت ساكتة.
وبصيت من خلال الزجاج للطفلة.
كانت صغيرة جدًا.
إيدها كانت طالعة من البطانية، وصوابعها مقفولة على بعضها.
قلت بصوت ضعيف:
«اسمها إيه؟»
حسن بص لي.
«ملك.»
قلبي اتقبض.
ملك.
الاسم اللي كنت اخترته من وأنا عندي 19 سنة.
نفس الاسم.
نفس الاسم اللي كنت بقوله في سري طول السنين.
بصيت لحسن.
«إنت… كنت عارف اسمها؟»
هز راسه.
«أيوه.»
«وعارف إني كنت عايزة أسمي بنتي ملك؟»
«أيوه.»
«ومن إمتى؟»
«من أول ما اتجوزنا.»
حسيت الدنيا بتلف بيا.
«وليه ما قلتليش؟»
«لأني كنت مستني أشوف هنعمل إيه.»
سكت لحظة.
«لكن لما حملت أمها، عرفت إن الحكاية ممكن تتحول لحقيقة. وفضلت ساكت… لأني كنت خايف أديكي أمل في حاجة مش مضمونة.»
حطيت إيدي على وشي.
وبدأت أعيط.
مش عشان البنت بس.
كنت بعيط على كل السنين اللي قضيتها وأنا مقتنعة إن حلمي انتهى.
على كل مرة شفت فيها فستان بنت صغير في محل، وبصيت الناحية التانية.
على كل مرة سمعت واحدة بتقول «بنتي» وحسيت بحاجة بتوجعني جوايا.
وعلى حسن.
لأنه كان شايل السر ده لوحده.
قرب مني وقال:
«أنا مش جاي أفرضها عليكي.»
بصيت له.
«أمال جاي ليه؟»
«عشان لو إنتِ مش موافقة… هروح بيها دار رعاية.»
اتسعت عيني.
«لأ.»
خرجت الكلمة مني بسرعة لدرجة إني أنا نفسي اتفاجئت.
حسن سكت.
قلت:
«لأ… مش هتروح دار رعاية.»
«نادية، القرار ده مش سهل.»
«هي فين؟»
«جوه.»
«عايزة أشوفها.»
بص لي.
«متأكدة؟»
مسحت دموعي.
«أنا مش عارفة أنا متأكدة من إيه.»
ودخلت.
الغرفة كانت هادية.
الطفلة كانت نايمة.
قربت منها ببطء.
وقفت جنب السرير.
أول ما شفت وشها، حسيت إن نفسي اتقطع.
كانت صغيرة جدًا.
وشها هادي، وخدودها وردية، وشعرها أسود خفيف.
مديت صباعي ولمست إيدها.
وفجأة فتحت عينيها.
بصت لي.
وفي اللحظة دي، حصل شيء مش هعرف أفسره لحد يوم ما أموت.
مسكت صباعي.
قبضت عليه بكل قوتها الصغيرة.
انهرت.
قعدت على الكرسي جنبها وفضلت أعيط.
حسن كان واقف عند الباب.
قال:
«نادية…»
رفعت عيني له.
«هي عايزاني.»
دموعه نزلت.
«أيوه.»
بصيت للطفلة.
«وأنا عايزاها.»
حسن قرب مني.
«يعني؟»
هزيت راسي.
«يعني هنرجع البيت تلاتة أولاد وبنت.»
ضحك وسط دموعه.
«أربعة عيال.»
ضحكت لأول مرة من الصبح.
«ربنا يعيني.»
لكن قبل ما أمد إيدي عشان أشيل ملك، دخلت الممرضة بسرعة.
وشها كان متوتر.
وقالت:
«مدام نادية… لازم أكلم حضرتك.»
وقفت.
«في إيه؟»
بصت لحسن.
وبعدين لي.
وقالت:
«في حد تاني وصل المستشفى وبيسأل عن الطفلة.»
حسن اتغير وشه فورًا.
«مين؟»
الممرضة قالت:
«راجل بيقول إنه قريب والدتها.»
سكتت لحظة.
«وبيطلب يشوف ملك فورًا.»
بصيت لحسن.
هو ما ردش.
فقلت:
«مين الراجل ده؟»
حسن قرب مني، وصوته خرج لأول مرة مرعوبًا بالشكل ده:
«نادية… هو أخو أبو ملك.»
وبعدين قال:
«والراجل ده… عمره ما كان عايز البنت تدخل حياتنا.»
رفع عينه ناحيتي.
«أنا خايف يكون جاي ياخدها.»
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات تقيلة بتقرب من آخر الممر.
وظهر راجل طويل، لابس جلابية غامقة، ووشه مليان غضب.
وقف قدامنا وقال:
«فين بنت أخويا؟»
ملك بدأت تعيط جوه الغرفة.
بص الراجل ناحيتها.
وبعدين بص لحسن.
وقال:
«أنا جاي آخدها.»
مسكت إيد حسن لأول مرة من ساعة ما عرفته بالسر.
وقلت:
«لأ.»
الراجل بص لي باستهانة.
«إنتِ مين؟»
رفعت رأسي.
«أنا أمها.»
سكت الممر كله.
حتى حسن بص لي.
لأول مرة قلتها بصوت عالي.
ومن اللحظة دي… حياتنا كلها اتغيرت.
حكايات شروق خالد
الراجل فضل باصص لي كأنه مش مصدق اللي سمعه.
قال بسخرية:
«أمها؟ إنتِ أمها إزاي؟»
بصيت ناحية ملك.
«الأم مش بس اللي بتولد.»
حسن وقف جنبي وقال:
«ملك مش هتخرج من هنا غير بالقانون.»
الراجل ضرب إيده على سور السرير.
«دي بنت أخويا، وأنا أولى بيها.»
رد حسن بهدوء:
«إنت بنفسك قلت إنك مش قادر تاخدها.»
اتوتر الراجل.
«كنت فاكر إنها هتفضل في المستشفى يومين وتمشي.»
«ومين كان هيوديها؟»
سكت.
حسن كمل:
«لما أختك كتبت الوصية، إنت رفضت توقع على أي ورقة تخص رعايتها.»
الراجل بص له بغضب.
«كنت مسافر.»
«وسافرت بعدها برضه.»
أنا كنت واقفة ساكتة.
بس كل كلمة كانت بتخليني أفهم إن حسن كان مرتب حاجات كتير من ورايا.
قلت:
«إنت اسمك إيه؟»
قال:
«مصطفى.»
«ومين اللي قال لك تيجي دلوقتي؟»
سكت لحظة.
«المحامي.»
حسن اتجمد.
«محامي مين؟»
مصطفى ابتسم ابتسامة غريبة.
«محامي أختي.»
حسن بص لي.
«نادية، لازم نمشي من هنا.»
قلت:
«ليه؟»
«عشان فيه حاجة مش طبيعية.»
وفجأة الممرضة خرجت من الغرفة وهي شايلة ملف.
قالت:
«في ظرف باسم ملك وصل من الصبح، والدتها كانت موصية إنه ما يتفتحش غير بعد وفاتها.»
بصينا كلنا لبعض.
مصطفى قال:
«هاتيه.»
الممرضة رفضت.
«المظروف موجه للسيد حسن شخصيًا.»
مدت إيدها له.
حسن أخده.
فضل ماسكه ثواني من غير ما يفتحه.
وبعدين فتحه.
طلع منه جواب صغير.
قرأ أول سطر.
وشه اتغير.
قلت:
«في إيه؟»
رفع عينه ناحيتي.
«الجواب من سمر.»
«اقرأه.»
بدأ يقرأ بصوت متقطع:
«حسن… لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مت. وأنا عارفة إن أول حاجة هتفكر فيها هي ملك.»
سكت.
وكمل:
«أنا عايزة أقول لك حاجة ما قدرتش أقولها لك وأنا عايشة.»
مصطفى قرب.
«كمّل.»
حسن بص له، وبعدها رجع للجواب.
«مصطفى مش هو الوحيد اللي ممكن يطالب بملك.»
قلبي دق بسرعة.
«إيه؟»
حسن كمل:
«فيه شخص تاني… أخفيته عنها طول حياتها، لأن وجوده كان خطر عليها.»
مصطفى اتوتر.
قال:
«مين؟»
حسن كمل القراءة:
«أبو ملك عايش.»
اتجمدنا كلنا.
أنا بصيت لحسن.
«إيه؟»
نزل الجواب من إيده.
مصطفى قال:
«مستحيل.»
حسن رد:
«ده اللي مكتوب.»
«أخويا مات قبل ما ملك تتولد.»
«سمر بتقول إنه عايش.»
مصطفى بدأ يضحك بعصبية.
«أختي كانت مريضة ومش في وعيها.»
لكن حسن رجع يقرأ.
«أنا ما كنتش عايزة ملك تعرف أبوها. لأنه لو عرف مكانها، مش هيسيبها تعيش حياة طبيعية.»
سكت حسن.
ثم قرأ آخر سطر:
«ولو حصل لي حاجة، هي هتكون في أمان مع حسن ونادية. لأن أبوها لن يبحث عنها إلا إذا عرف أنها موجودة.»
حسيت ببرودة في جسمي.
قلت:
«ليه أنا؟»
حسن بص لي.
«عشان سمر كانت عارفة إنك هتحبيها.»
دموعي نزلت.
«بس أنا معرفتهاش.»
«هي كانت تعرفك من بعيد.»
«إزاي؟»
حسن فتح عينيه.
«كانت بتشتغل في نفس المكان اللي كنتِ بتروحيه زمان.»
سكت.
وبعدين فهمت.
الذكريات بدأت ترجع.
بنت كانت دايمًا بتبص لي من بعيد.
بنت كانت بتضحك لما تشوفني مع أولادي.
بنت مرة سألتني:
«إنتِ بتحبي البنات؟»
وأنا وقتها ضحكت وقلت:
«كان نفسي في بنت، بس ربنا رزقني بولاد.»
ما كنتش أعرف إنها كانت بتسألني لأنها عارفة إن بنتها ممكن تبقى بنتي يومًا ما.
مصطفى خطف الورقة من إيد حسن.
قرأها بسرعة.
وبعدين قال:
«أنا مش مصدق.»
وفجأة، الباب الخارجي اتفتح.
دخل راجلين ومعاهم واحد في منتصف الأربعينات.
كان لابس بدلة سوداء.
وقف بعيد.
بص ناحية ملك.
ثم قال:
«أنا والدها.»
حسن وقف قدامي فورًا.
أنا ضميت ملك لصدرى.
والراجل قال بهدوء مخيف:
«وجيت آخد بنتي.»
سألته:
«اسمك إيه؟»
بص لي مباشرة.
وقال:
«طارق.»
وبعدها ابتسم ابتسامة خلتني أفهم إن الحكاية لسه في أولها.
قال:
«وسمر كانت عارفة إني هاجي.»
حسن رد:
«إنت كنت فين كل السنين دي؟»
طارق قال:
«بعيد.»
«ليه؟»
«لأني كنت مسجون.»
سكت الجميع.
ثم أضاف:
«ولما خرجت… عرفت إن عندي بنت.»
شدّيت ملك أكتر.
طارق بص لي وقال:
«بس أنا مش جاي أؤذيها.»
سألته:
«أمال جاي تعمل إيه؟»
قال:
«جاي أنقذها.»
حسن قال:
«من مين؟»
طارق بص لمصطفى.
وبعدين قال:
«من الراجل اللي بعت مصطفى هنا.»
مصطفى شحب وجهه.
حسن فهم قبلي.
«مين؟»
طارق قال:
«جد ملك.»
سكت لحظة.
«وأنا متأكد إنه مش عايز البنت عشان يربيها.»
نظرت له.
«أمال عايزها ليه؟»
طارق اقترب خطوة.
وقال:
«عشان فلوس.»
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.
وحطها قدام حسن.
في الصورة كانت سمر واقفة وهي حامل.
لكن خلفها كان فيه رجل آخر.
رجل أعرفه.
لأنني رأيته قبل كده.
كان والد حسن.
اتسعت عيني.
«ده… أبوك.»
حسن أخذ الصورة.
وشه فقد لونه.
طارق قال:
«أيوه.»
«أبوك كان يعرف سمر؟»
هز رأسه.
«مش بس يعرفها.»
وبص لي.
«هو كان عارف إن ملك موجودة من قبل ما تتولد.»
ثم قال الجملة اللي خلت حسن يقع على الكرسي:
«وأبوك هو اللي دفع فلوس علشان تختفي البنت من حياتنا.»
سكت المكان كله.




