منوعات

حماتي واخويا اللي عندة متلازمة داون حكايات انجى الخطيب

قعدت أتفرج على المشهد من بعيد وأنا جوايا راحة لا توصف. ألبوم الفرح والفيديو لسه موجودين في بيتنا، محطوطين في مكان بارز، مش عشان نفكرها باللي حصل، لكن عشان يفكرونا كلنا إن الحق لما بيتاخد بعقل وكرامة، بيكسر أي كبرياء زائف ويجبر الكل على الاحترام.

أنا بطلت أفتكر اللي حصل بوجع، وبقيت بفتكر إن الليلة دي كانت نقطة التحول الحقيقية في حياتنا كلها.
مرت سنتين، وجت اللحظة اللي كنت مستنياها من زمان؛ ربنا رزقنا بأول طفل، سميناه “صلاح” على اسم بابا الله يرحمه.
يوم ما ولدت، الشقة والمستشفى كانوا مليانين ناس، بس المشهد اللي عمري ما هنساه هو لما خرجت للغرفة. كانت حماتي قاعدة، وماسكة صلاح الصغير بين إيديها، وبتبصله بدموع متأثرة.
أول ما كريم دخل الأوضة وعينيه بتلمع وفرحان إنه بقى “خال”، حماتي رفعت راسها وبصتله. وقفت من مكانها، وقربت منه بابتسامة دافية وقالتله بلسان صادق مش مجاملة:
“تعالى يا كريم… تعالى شيل ابن أختك، انت أكتر واحد فينا هيخاف عليه ويعلمه الطيب والرجولة زي ما أختك اتعلمت.”
كريم أخد البيبي بالراحة خالص، وكأنه خايف عليه من الهوا، وبصلي وابتساماته مالية وشّه. وفي اللحظة دي، حماتي لفت وبصتلي، وكانت نظرة اعتذار غير مباشرة، كأنها بتقولي: “أنا فهمت الدرس خلاص.”
في ليلة سبوع صلاح، كنا بنقلب في صور العيلة اللي متصلحة ومتعلقة على الحيطة. كان فيه صورة جديدة محطوطة في صالون البيت عندنا وعند حماتي كمان… صورة تجمع كريم وهو شايل صلاح، ويوسف وأنا جنبهم.
الصورة دي مكنتش مجرد لقطة متصورة، دي كانت دليل على إن القوة مش بالصوت العالي ولا بالمشاكل، القوة الحقيقية في إنك تحافظ على كرامة اللي بتحبهم بثبات وعقل، لحد ما تحبر اللي قدامك يغير وجهة نظره وينحني احترامًا لأصلك.

السنين عدّت، وصلاح كبر شوية وبقى عنده أربع سنين. المشهد اللي كنت بشوفه بينه وبين كريم أخويا كان بيرد فيا الروح؛ صلاح مكنش بيشوف كريم مجرد خال، ده كان بالنسبة له القدوة والسند والسعادة كلها، زي ما بابا كان بالنسبة لكريم تمامًا.
في يوم، كنا كلنا مجتمعين في بيت حماتي في عزومة الجمعة كالمعتاد. المكان اللي كان زمان مليان توتر وحزازات، بقى المكان اللي بنجمع فيه الذكريات الحلوة.
وفجأة، وصلاح بيلعب مع كريم في الصالة، طلع جري على حماتي وقالها بطفولة وبصوت عالي:
“تيتا.. عارفة مين أكتر حد بحبه في الدنيا؟ خالي كريم! عشان هو أشجع واحد وبيلعب معايا كل حاجة.”
حماتي بصت للصغير، وبعدين بصتلي أنا ويوسف. ابتسمت ابتسامة هادية، صافية من أي غل أو كبرياء، وبصت لكريم وقالت بصوت جاد ومسموع للكل:
“عندك حق يا صلاح.. خالك كريم ده البركة اللي ربنا رزقنا بيها، واللي بيعلمنا كلنا المعنى الحقيقي للرجولة والنظافة اللي جوة القلب.”
الكلمة دي خرجت منها بعفوية، بس بالنسبة لي كانت النهاية الفعلية لأي أثر متبقي من الليلة القديمة. حماتي مكنتش بس اتعلمت الدرس، دي اتغيرت بجد، وعرفت إن القيمة عمرها ما كانت في المظاهر ولا الصور المترتبة، لكن في النفوس الطيبة اللي بتسيب أثر حلو في كل مكان تدخل فيه.
مسكت إيد يوسف تحت الترابيزة، نفس المسكة اللي مسكهالي من سنين، بس المرة دي ضغطت على إيده وأنا ببتسم ومطمئنة.. مطمنة إن كرامة أخويا صونتها بعقلي، وإن بيتي اتبنى على أرض صلبة من الاحترام اللي فرضته بأصلي، ومش بأي حاجة تانية

تمت

حكايات انجى الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى