عام

ادم والاميرة بقلم انجي الخطيب

الأميرة كانت بتبص له وعيونها متسعة من الصدمة والذهول، مش قادرة تتحرك ولا تنطق حرف واحد. القوة اللي خرجت من الحجر الأسود كانت لسه بتتردد في جدران القاعة الحجرية، وصوت صدى الهواء المكتوم بيحسّس كل اللي في المكان إن صاحب المكان الحقيقي صحي.
آدم مسك الوثيقة الجلدية بإيده التانية وضمتها لصدره. النور الأزرق اللي في عينيه بدأ يهدى ببطء، بس الهيبة والقوة فضلت ثابتة في ملامحه.
لفت رأسه ناحية باب القاعة المفتوح، وبص لكبير الخدم اللي كان واقف عند العتبة ورجليه بتخبط في بعضها من الخوف.
آدم قال بصوت صارم وقاطع هز القاعة:
“قوات القصر كلها تحت إيدي من اللحظة دي… والملك الحقيقي رجع.”
كبير الخدم نزل على ركبه بسرعة ورأسه للأرض:
“أمرك يا سمو الأمارة… أمرك يا مولاي.”
آدم بص للأميرة اللي كانت لسه واقعة على الأرض، وابتسم ابتسامة هادية بس مليانة كبرياء وقال:
“السنة اللي اتفقت معاكي عليها انتهت قبل ما تبدأ… بس الحساب هو اللي لسه مبتدي.”
وقف آدم بكل طوله، ومشى بخطوات ثابتة وواثقة طالع من القاعة السفلي، متجهة لبوابة القصر الرئيسية. كان عارف خطوته الجاية كويس جدًا… الغابة، والشجرة القديمة، وعمه اللي افتكر إنه خلص منه للأبد وراح يقبض ثمن خيانته.
والقصة اللي بدأت بطفل مربوط في شجرة ومتروك للموت… رجعت تتكتب من جديد بملك راجع يسترد حقه ويغسل طغيان السنين.

خرج آدم من القصر في ظلام الليل، ووراه حراس القصر اللي بقوا بيمشوا وراه بمنتهى الطاعة والخضوع. الريح كانت بتعزف صوت مرعب بين أشجار الغابة، بس آدم ما كانش خايف… الخوف اللي جواه مات واتولد مكانه غضب وشهوة للانتقام.
مشى آدم بثبات لحد ما وصل لنفس الشجرة الضخمة اللي عمه ربطه فيها. مكان الحبل كان لسه معلم في جذع الشجرة، وفي الأرض كانت فيه آثار أقدام طرية.
آدم شاور بعينيه للحراس، وفي لحظات كانوا منتشرين بين الأشجار بيفتشوا المنطقة.
وفجأة… اتسمع صوت حركة بين البوص والأغصان الناشفة.
خرج عمه وهو ماسك صرة قماش تقيلة في إيده، وعينيه بتلمع بالطمع، فاكر إنه رايح يستلم بقية الذهب من حراس الأميرة. بس أول ما رفع راسه وشاف آدم واقف قدامه، لابس عباية القصر المذهبة وحواليه الحراس مسلحين، الصرة وقعت من إيده على الأرض ونزل دهب كتير يتدردر بين الحصى.
اتسمر عمه مكانه، وشه اتمسح منه الدم وبقى أصفر زي الميتين.
“آدم؟! أنت… أنت لسه حاي؟!”
آدم قرب منه بخطوات بطيئة، وعينيه فيها نظرة سرداب ضلمة ملوش آخر:
“كنت فاكر إن الشجرة دي نهايتي يا عمي؟ كنت فاكر إنك لما تبيعني للأميرة وتخلص مني، هتفضل عايش في خير أبويا وأمي اللي سرقته؟”
عمه اتراجع لورا ولسانه اتعقد من الرعب:
“يا بني… يا آدم افهمني… أنا… أنا عملت كده عشان أحميك! القصر كان بيدور عليك وكانوا هيقتلوك!”
آدم ضحك ضحكة قصيرة بس باردة ترعب الشجر نفسه:
“تحميني؟ بإنك تربطني للحيوانات في الغابة؟ بإني أنام في الزريبة عشر سنين وأنا صاحب العرش والمملكة دي كلها؟”
عمه جثى على ركبه، ودموعه بدأت تنزل وهو بيمد إيده يترجاه:
“بالله عليك يا آدم… أنا مالياش غيرك، أنا أخو أبوك! ارحمني!”
آدم بص له وهو وشه جامد خالي من أي رحمة، وقال بصوت هادي قاطع:
“الرحمة كانت في الشجرة يا عمي… وأنت سبتها ومجيتش. أنت اللي اخترت مصيرك بنفسك.”
شاور آدم بصباعه، وفي ثانية الحراس مسكوا عمه وربطوه في نفس الشجرة بنفس الحبل التقيل.
عمه بقى يصرخ ويتوسل وصوته يتردد في الغابة المظلمة:
“آدم! متسبنيش هنا! آدم!”
آدم لف ضهره ومشى بثقة ونخوة ملوك، ومن غير ما يبص وراه، قال بصوت هادي وصل لعمه مع صدى الريح:
“لو ليك عمر… هتعيش.”
وانطلق آدم راجع للقصر، عشان يبدأ عصر جديد للمملكة، عصر بيمحوا فيه كل الظلم اللي عاشها، ويسطر تاريخه بحروف من نور وقوة.

مرت أسابيع على الليلة دي… القصر اتغير معالمه، والهدوء والسكينة رجعوا للمملكة بعد ما اتكشف السر وانفكت التعاويذ اللي كانت حبساها في الضلمة والظلم.
آدم بقى قاعد على عرش أبوه الشرعي، لابس رداء الملك الهادي، وفي إيديه زمام أمور المملكة كلها. بس رغم السلطة والجاه، ملامحه فضلت هادية ونيته فضلت صافية زي ما هي، ما اتغيرش ولا اتكبر.
في الصالة الرئيسية للقصر، كانت الأميرة واقفة قدام العرش، حاطة راسها في الأرض ومستنية القصاص اللي يستحقها بعد كل السنين اللي قضتها في الخداع والشر.
آدم بص لها بطفولة قديمة في عينيه، وقال بصوت ملكي ثقيل بس مليان حكمة:
“أنتي اخترتي الشر عشان تخلصي نفسك، وكنتي فاكرة إن النية الطيبة ضعف هتقدري تستغليه… بس نيتي دي هي اللي أنقذتني، وهي اللي رجعتلي حقي.”
رفع إيده وشاور للحراس:
“الأميرة مش هتتقتل… جردوها من ألقابها، وهتفضل تتخدم في قضايا الفقراء والمساكين في المملكة لمدة سنة كاملة… عشان تتعلم يعني إيه خدمة الناس بنية صافية.”
دمعت عين الأميرة ورفعت راسها بذهول، ما كانتش متوقعة الرحمة دي منه بعد كل اللي عملته فيه. هزت راسها باحترام وانحنت له للمرة الأولى بصدق.
وبعد ما خرجت من القاعة، آدم قام من على عرشه، ومشى ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على الغابة الممتدة. الشمس كانت طالعة ومغطية الأشجار بنور أصفر دافي، والضباب المرعب اللي كان خانق الغابة اختفى تماماً.
افتكر كل لحظة قساوة عاشها… افتكر أمه وأبوه، افتكر الجوع والخوف، والشجرة اللي كانت هتبقى مدفنه.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وحط إيده على صدرو مكان الحجر والوثيقة، وزمجر بصوت واطي لنفسه:
“النية الصافية مش ضعف… النية الصافية هي السر اللي بيغلب أي شر.”
ومن اليوم ده، عاشت المملكة في أمان وعدل، وعاش آدم يفتكر إن المصير دايماً بيتشكل على أد نية صاحبه.

تمت

حكايات انجى الخطيب

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى