
آدم قعد على السرير ودموعه نزلت من غير ما يحس. افتكر عمه وهو بيربطه في الشجرة، افتكر كلامه البردان، وافتكر نبرة الأميرة وهي بتقول له: “على أد نيتك.”
هو كان فاكر إن حظه ابتسم له، إن القسوة اللي عاشها مع عمه انتهت، بس اتاري المكان اللي جاله ألعن بمية مرة.
عدت ساعات، وآدم مش عارف يغمض عينيه. الجو جوه الأوضة كان ساقط وساقع، والصمت كان تقيل. وفجأة… في وسط الليل، سمع صوت.
مش صوت مشي ولا صوت حراس… كان صوت خربشة خفيفة على الحيطة الخشبية اللي ورا سريره.
اتسمر مكانه، أنفاسه هديت، وودنه اتجمعت ناحية الصوت. الخربشة كانت منتظمة، وكأن حد بيحفر بضوافره في الخشب!
قام ببطء شديد، وقرب أيديه المرجوفة من الحيطة. المسافة بين الخشب كانت بسيطة، وفيها فتحة صغيرة كأنها تشقق قديم. بصلها، ومسك لمبة الزيت وبدأ يقربها من الشق.
اللي شافه خلى قلبه يقع في رجليه.
على الخشب من جوه، كان فيه حروف متشعثرة، مكتوبة بآلة حادة… أو بضوافر دمها نشف على الخشب. الحروف كانت متلخبطة، بس قدرت تجمع جملة واحدة:
“السر مش في القصر… السر تحت الشجرة اللي اتربطت فيها. لا تصدق الأميرة… هي مش عايزه تخُلس نفسها، هي عايزه…”
الكلام اتقطع هنا، كأن اللي كان بيكتب اتسحب فجأة.
إيد آدم كانت بتترعش واللمبة كادت تقع من إيده. اللوحة دي كتبها واحد من اللي كانوا قبله!
وفجأة، اتسمع صوت خطوات تقيلة بره الأوضة، جاية من آخر الممر. خطوات مسرعة بتأرب ناحية بابه.
آدم طفى لمبة الزيت بسرعة ورمى نفسه على السرير، وغمض عينيه وهو بيسمع صوت القفل بيلف ببطء… والباب بيتفتح.
دخل نفس هوا هسيس الساقعة جوة الأوضة، ومعاه ريحة بخور غريبة، مزيج بين المسك وريحة حاجة محروقة.
آدم كتم أنفاسه، وغمض عينيه نص غمضة وهو باصص ناحية الباب في الضلمة.
الظل وقف على العتبة. ما كانش كبير الخدم… الظل كان أرفع وأطول، وطرحة خفيفة بتتحرك مع الهواء الساقع.
الأميرة!
مشت بخطوات مالهاش صوت لحد ما وقفت جنب السرير. آدم حس ببرودة قريبة من وشه، وكأنها موطية عليه وتتأمل ملامحه وهو نايم. قلبه كان بيدق بصوت عالي لدرجة إنه كان خايف تسمعه.
مدت إيدها ببطء، ودمست ببطن صباعها على الخدوش اللي في جبهته من الحبل، وقالت بصوت واطي جدًا، أقرب للمسرحة، نبرة مفيهاش أي قسوة من اللي ظهرت بره:
“يا خسارة يا آدم… نيتك الصافية دي هي اللي جابتك لحد هنا. يا ريتك كنت خبيث… كان زمانك هربت.”
سكتت ثواني، وآدم كل خلية في جسمه مشدودة. وبعدين كملت وهي بتبعد إيدها:
“بس خلاص… الميعاد قرب، وما أظنش إنك هتتحمل اللي جاي.”
لفت ضهرها ومشت بنفس الهدوء المرعب، والباب اتأفل وراها بصوت تكّة خفيفة، بس المرة دي… ماسمعش صوت المفتاح وهو بيلف. الباب سابوه مفتوح!
قعد آدم بسرعة وهو بيلهث، وشه عرقان رغم البرد. كلامها كان زي السكين. يعني هي مش عايزة تقتله بكتها، هي بتستغل حاجة فيه… حاجة تخص “نيته”!
والجملة المكتوبة على الحيطة رجعت تزن في دماغه: “السر تحت الشجرة اللي اتربطت فيها.”
آدم أدرك في اللحظة دي إن كل دقيقة بيقضيها في القصر ده وهو مستني، بتقربه من موته. لو الباب مش مقفول بالضبة والمفتاح دلوقتي، دي ممكن تكون فرصته الوحيدة عشان يهرب… أو على الأقل يعرف هو متورط في إيه.
اتسحب من على السرير بالراحة، وخرج رجله على الأرضية الساقعة. مشى على أطراف صوابعه ناحية الباب، وفتحه ببطء شديد.
الممر كان ضلمة كحل، بس في آخره كان فيه نور خافت جاي من سلم حجري نازل للتحت.
آدم كان قدامه طريقين: يا يرجع يستخبى في أوضته ويستنى مصيره زي اللي قبله، يا يمشي ورا الخيط ده ويفهم القصة.
فرك إيديه المبتلة بالعرق، وافتكر كلام عمه، وكلام الأميرة، والحروف المنقوشة في الخشب.
اختار يمشى…
نزل السلم الحجري ببطء، وكل خطوة كانت بتنزل بيه للأعماق بتخليه يشم نفس الريحة الغريبة بتزيد. وتحت… في آخر الممر السفلي، شاف باب حديد مفتوح حتة صغيرة، وطالع منه ضوء أحمر خافت وصوت همس جماعي كأنه تعاويذ بتتريل بلغة مش مفهومة.
قرب آدم وبص من الشق الضيق…
واللي شافه جوه، خلى أسنانه تخبط في بعضها من الرعب.
جوه القاعة الواسعة المظلمة، كان فيه شعل نار حمراء مولعة في أركان المكان، وفي النص ترابيزة حجرية ضخمة محفور عليها رموز غريبة بتلمع بضوء أسود مريب. حوالين الترابيزة كان واقف أربع رجال لابسين عبايات سوداء ومغطيين وجوههم، وبيقولوا الكلام المجهول بصوت واحد متناسق.
وعلى راس الترابيزة… كانت واقفة الأميرة.
بس ما كانتش بنفس هيئتها اللي شافها بيها. كانت لابسة تاج من حديد مصدي، ومسكة في إيدها خنجر فضي قديم عليه نقش يشبه نفس الرموز اللي على الترابيزة.
وعلى الترابيزة نفسها… كان فيه صندوق خشب صغير، مقفول بسلاسل متينة وقفل تقيل.
فجأة، وسَط الهمس والطقوس، وقفت الأميرة عن الكلام، ورفعت الخنجر لفوق. المكان كله سكت في ثانية واحدة، حتى الشعل النارية هديت وكأن الهوا اتسحب من القاعة.
بصت الأميرة ناحية الصندوق وقالت بصوت جاد ومحمل بهيبة ترعب:
“السنة قربت تخلص… والنذر لازم يترد. روح بريئة… نية صافية… ودم من نفس الأرض اللي أتربط فيها السحر.”
آدم ضربات قلبه بقت زي الطبول في صدره. “دم من نفس الأرض اللي أتربط فيها السحر؟!” الغابة! الشجرة اللي عمه ربطه فيها!
عمه ما سابوش هناك بالصدفة… عمه كان عارف! كان بايع آدم للأميرة، والتفاصيل وضحت في دماغه في لحظة واحدة زي البرق. عمه طمعه في الدهب هو اللي خلاه يسلمه، والربطة في الشجرة ما كانتش عقاب ولا تخلص منه… دي كانت إشارة للأميرة عشان تيجي تاخده!
وفجأة، قاطع أفكاره صوت طقطقة تحت رجله.
آدم اتفزع وبص تحت قدمه… كان داس على قطعة حجر صغيرة اتكسرت تحت ثقل جسمه.
في نفس اللحظة، قطعت الأميرة صمتها ولفت راسها بسرعة مرعبة ناحية الباب الحديدي. عينها جت في عين آدم مباشرة من خلال الشق الضيق.
الابتسامة الغامضة رجعت على وشها، بس المرة دي كانت باردة زي الموت.
قالت بهدوء يخوف:
“ما كانش المفروض تنزل بدري يا آدم… بس ظاهرك نيتك الطيبة مستعجلة على مصيرها.”
قبل ما آدم يلحق يلف ضهره ويركض، الباب الحديدي اتفتح على آخره بقوة هائلة، واثنين من الحراس اللي جوه القاعة طاروا ناحيته ومسكوه من كتافه بضغط يقصف العظم.
آدم حاول يصرخ، حاول يضربهم برجليه، بس مسكتهم كانت زي الحديد. سحبوه لجوه القاعة ورموه على الأرض تحت رجلين الأميرة.
وقع الخنجر الفضي على الأرض جنبه، وبصت له الأميرة وهي بتوطي عليه، وقالت بصوت واطي جداً:
“عارف يا آدم… اللي قبلك كلهم حاولوا يهربوا، حاولوا يخدعوني… عشان كده ماتوا ميتة بشعة. أنت الوحيد اللي جيت لحد عندي برجليك.”
آدم رفع راسه وهو بيترعش، وصوته طالع بال بالعافية:
“عمي… عمي هو اللي باعني ليكي؟”
ضحكت بصوت خفيف وقالت:
“عمك قبض التمن من زمان… من يوم ما أبوك وأمك ماتوا. الشجرة دي هي القفل… وأنت المفتاح.”
رفعت الخنجر وحطت طرفه البارد على رقبة آدم، وكملت:
“قدامك خيار واحد عشان تطلع من هنا حي… وساعتها مش بس هتفضل عايش، ده السر ده هيخليك أقوى راجل في المملكة دي كلها.”
آدم كتم أنفاسه بصعوبة:
“إيه… إيه هو؟”
ابتسمت وقالت:
“تفتح الصندوق ده بإيدك… نيتك الصافية هي الوحيدة اللي تقدر تفك السلاسل من غير ما تعمى. بس لو الصندوق اتفتح… السر اللي جوه هيغيرك للأبد.”
آدم كان حاسس إن السكينة بتمس بشرة رق بته، والبرودة طالعة منها لقلبه مباشرة. بص للصندوق المحاط بالسلاسل، وبعدها بص في عين الأميرة اللي كانت بتلمع بنور غريب ومش طبيعي في ضلمة القاعة.
“افتحه… ولا أناديلهم يخلصوا عليك دلوقتي ويرموا جثتك للحيوانات في الغابة زي اللي قبلك؟”
آدم بلع ريقه بصعوبة. أفكاره كانت بتتصارع، صورة عمه وهو بيمشي ويسيبه مربوط في الغابة مرت قدام عينيه… الخيانة والظلم صحّوا جواه حاجة جديدة، شرارة غضب طفت الخوف اللي كان شاله.
“لو فتحته… هسيب القصر ده وأمشي؟”
الأميرة ابتسمت ببرود: “لو فتحته وبقيت حتة واحدة… مش بس هتمشي، أنت هتخرج من هنا شخص تاني خالص، ومافيش بشر على الأرض هيقدر يقف قدامك.”
آدم اتنفس بعمق، وقف ببطء وهو بيحاول يثبت رجليه المرجوفة. قرب من الترابيزة الحجرية. الشعل الحمرا بقت تهتز بصرخة مكتومة مع كل خطوة بيمشيها.
مد إيده المرتعشة ناحية القفل التقيل اللي قافل السلاسل. أول ما صوابعه لمست الحديد المصدّي، خرجت شرارة ضوء أزرق طيرت الحراس خطوتين لورا، وجلده حرقوا من السخونية… بس ما شالش إيده.
افتكر كل لحظة قساوة عاشها، النوم في الزريبة، الجوع، الضرب، وعمه اللي باعه بعسله وسمّه.
القفل بدأ يسيح تحت صوابعه وكأنه شمع، والسلاسل التقيلة وقعت على الأرض بصوت رنين هز القاعة كلها.
الأميرة قدمت خطوة، وعيونها متسعة بذهول وعدم تصديق: “فتحته… النية الصافية فكت السحر فعلاً!”
آدم مسك غطا الصندوق، ورفعه ببطء…
الضوء الأزرق امتلأ بيه المكان، وصوت زي هدير الرياح صرخ جوه القاعة. جوه الصندوق ما كانش فيه دهب ولا مجوهرات… كان فيه وثيقة جلدية قديمة جدًا، عليها ختم ملكي بدم أنيق، وتحتيها حجر أسود بيبرق بنبض شبه نبض القلب!
آدم بص للوثيقة، وبدون ما يتردد، قرأ الاسم المكتوب في أولها بخط كبير:
“عقد ملكية أراضي المملكة وتفويض العرش… لوريث العائلة الأصلي: آدم.”
اتجمد آدم مكانه. رأسه بدأت تلف.
الأميرة رجعت خطوة لورا ووشها اتمسح منه كل الكبرياء، وحل محله رعب حقيقي.
آدم رفع راسه وبص لها، وصوته اتغير تماماً، بقى فيه هيبة وقوة عمره ما حس بيها في حياته: “أنا مش مجرد ضحية يا أميرة… أنا صاحب الملك ده كله! وعمي ما كانش مربيني كرم منه… كان حابسني عشان السر ده ما يخرجش!”
الأميرة مسكت خنجرها بقوة وصصرخت في الحراس: “اقتلووووه! ما تسبوهوش يلمس الحجر!”
الحراس جم يجروا عليه، بس آدم مسك الحجر الأسود بإيده…
في لحظة واحدة، الحجر أخرج موجة هواء عاتية ضربت الحراس وطيرتهم في الحيطان كأنهم أوراق شجر. الشعل الحمرا طفت، والظلام حل على القاعة، ما فضلتش غير عينين آدم اللي بقوا بيلمعوا بالضوء الأزرق.
قرب آدم من الأميرة اللي وقعت على الأرض وظهر على وشها العجز لأول مرة.
وطى عليها وآدم بيحط إيده على كتفها، وقال بنبرة هادية بس ترعب: “أنتي قولتيلي مصيري على أد نيتي… ونِيتي دلوقتي إن كل واحد ظلمني ياخد جزاؤه… وأولهم أنتي وعمي.”




