
إيهاب بص ليوسف وللفلوس اللي في إيده.. ابتسم ابتسامة صفا طالعة من قلبه، ومد إيده وأخد المنديل بالفلوس وحطه في جيبه فوق قلبه بالظبط.
طبطب على راس يوسف وقال:
“وأنا قبلت العربون يا بطل.. والمطعم مطعمكم في أي وقت.”
خرجوا كلهم من العمارة والشمس كانت مالية الشارع والدفء غمر الجيزة كلها.. نجلاء وعيالها مشيوا مع المحامي عشان يخلصوا إجراءات استلام حايزهم، وإيهاب ركب عربيته البيجو ورجع مطعمه الصغير.
أول ما فتح باب المطعم، نور بنته جرت عليه وحضنته:
“بابا! طمني.. يوسف ومامته كويسين؟”
إيهاب شال بنته وضمها لصدره، وبص على الترابيزة اللي جنب الشباك، الترابيزة اللي شهدت على ليلة مطرة وسندوتش جبنة رومي مقسوم على أربعة.. وقال بابتسامة راضية:
“كويسين أوي يا نور.. أصل اللي بيصون الحق، ربنا مابيضيعوش أبداً.”
مرت السنين بسرعة زي جرة قلم. شارع الجيزة اللي شهد على ليلة المطرة اتغيرت معالمه، لكن المطعم الصغير بيافطته الخشب القديمة “مطعم الجندي” فضل واقف في مكانه زي ما هو، بيطلع منه نفس دفء زمان وريحة الأكل الصابح.
إيهاب شعره بدأ يخالطه الشيب عند الصودغين، وخطوط الزمن زادت حوالين عينيه، بس ضحكته ونظرة عينه الصلبة ما اتغيروش. كان واقف ورا الكاونتر بيجهز طلبات وردية الغدا، ونور بنته كبرت وبقت في كلية الطب، واقفة جنبه بتساعده وتعدل المريلة على كتفه.
فجأة، جرس الباب رن.
دخل شاب طويل، كتافه عريضة، لابس بدلة كحلي أنيقة ومعه دوسيه جلد في إيده. ملامحه كانت متفصلة بعناية، بس عينه هي هي.. فيها نفس الذكاء ونفس الثبات اللي كان في عين العيل أبو 11 سنة.
ورا الشاب، دخلت ست وقورة لفت الشال على كتافها بكرامة، وجنبها بنتين شباب زي الورد، لابسِين روپ التخرج وبيضحكوا.
إيهاب رفع راسه من على الصينية، وعينيه تقابلت مع عين الشاب.
المكان كله سكت لثواني. إيهاب ساب المعلقة من إيده، وابتسامة واسعة اتسمت على وش وهو بيهز راسه:
“يوسف؟”
يوسف قرب بخطوات سريعة، وما ترددش ثانية إنه يرمي نفسه في حضن إيهاب، حضن دافي رجّع ريحة ليلة المطر والعيش البلدي المقرمش وسندوتش الجبنة الرومي.
نجلاء قسّمت سلامها وهي بتدعي لإيهاب بدموع الفرحة، وسلمى وسارة سلموا على نور اللي ما صدقتش عينها وجرت تحضنهم.
يوسف طلع من جيب بدلتهم الداخلية منديل ورق قديم، كان ملفوف ومحتفظ بيه طول السنين دي.. حطه بالراحة على الكاونتر قدام إيهاب، وفتحه.
كان جواه نفس الفلوس الفكة، ومحطوط جنبهم مفتاح ذهبي صغيّر بفيشة أنيقة.
إيهاب بص للمفتاح واستغرب:
“إيه ده يا باشمهندس؟”
يوسف ابتسم وقال بصوت مليان رجولة وامتنان:
“ده مفتاح المحل اللي جنبك يا عمو إيهاب.. أنا اشتريته وضمتُه لمطعمك. ده مش رد لجميلك، لأن جميلك ما يتردش بفلوس الدنيا.. ده السندوتش الأربع حتت اللي أنت طعمتهولنا وأحنا جيعانين، وادي السقف اللي حميتنا تحته لما الدنيا كلها قفلت بابها في وشنا.”
نجلاء كملت بصوت راضي:
“يوسف اتخرج من هندسة السنة دي وبقى مهندس قد الدنيا، والبنات اتخرجوا من اللغات والترجمة.. ودول أصل الأمانة اللي أنت شيلتها ليلة المطرة يا أستاذ إيهاب.”
إيهاب بص للمفتاح، وبعدين بص ليوسف ولأمه والبنات.. عينيه دمعت، بس كانت دموع فخر وراحة بال. طبطب على إيد يوسف بكل قوته وقال:
“أنا قلتلك من زمان يا يوسف.. أنت راجل من يومك.”
وفي اليوم ده، المطعم ما قفلش أبداً. الترابيزة اللي جنب الشباك اتجمعت عليها نفس العيلة، بس المرة دي كانت مبسوطة، وشبعانة، ومطمنة.. وكان إيهاب بيبص عليهم وهو مقتنع تماماً إن الخير اللي بتزرعه في الضلمة والبرودة، بيلف الأيام ويرجعلك نور ودفء يملا حياتك لحد آخر العمر.
تمت
حكايات انجى الخطيب




